Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

اختراع الوجبات الثلاث... المعدة هدفا صناعيا وتسويقيا

عندما تُحدد مواعيد الطعام بدقة بصرف النظر عن الشعور بالجوع يتعلم الدماغ أن الساعة وليست الإشارات الداخلية هي المؤشر المهم

التسويق الذكي شوه الساعة البيولوجية للإنسان وضبطها على ساعات حركة المصانع وأرباحها (أ ف ب)

ملخص

في غابر الأزمان، قبل اختراع الساعات أو تحديد مواعيد الوجبات، لم يكن للإنسان القديم أوقات محددة لتناول الطعام. كان الصيادون وجامعو الثمار، الذين عاشوا قبل نحو 23 ألف عام، يأكلون كلما وجدوا طعاماً. كانوا يصطادون الحيوانات، ويجمعون النباتات، ويتشاركون الطعام حول النار. في بعض الأيام كانوا يأكلون مرة واحدة، وفي أيام أخرى مرات، أو لا يأكلون على الإطلاق إذا كان الطعام شحيحاً. لم تكن هناك مسميات مثل الفطور أو العشاء، فالأكل كان مسألة بقاء.

هل تساءلت يوماً لماذا نتناول ثلاث وجبات يومياً، فطور وغداء وعشاء؟ يبدو الأمر طبيعياً الآن، بل وضرورياً، لكن هذا الروتين ليس متأصلاً في طبيعتنا البيولوجية، بل هو في الواقع نتاج مزيج غريب من العمل الصناعي، والتسويق الذكي الذي شوه الساعة البيولوجية للإنسان وضبطها على ساعات حركة المصانع وأرباحها، حين أخضعت الغذاء وعادات الغذاء عند الناس لسيطرتها وتحكمت بنوعية طعامهم وشربهم بإعلانات خلقت في داخلهم الرغبة والإدمان.

مسألة بقاء

في غابر الأزمان، قبل اختراع الساعات أو تحديد مواعيد الوجبات، لم يكن للإنسان القديم أوقات محددة لتناول الطعام. كان الصيادون وجامعو الثمار، الذين عاشوا قبل نحو 23 ألف عام، يأكلون كلما وجدوا طعاماً. كانوا يصطادون الحيوانات، ويجمعون النباتات، ويتشاركون الطعام حول النار. في بعض الأيام كانوا يأكلون مرة واحدة، وفي أيام أخرى مرات، أو لا يأكلون على الإطلاق إذا كان الطعام شحيحاً. لم تكن هناك مسميات مثل الفطور أو العشاء، فالأكل كان مسألة بقاء.

 

مع اكتشاف الزراعة قبل نحو 10 آلاف عام قبل الميلاد، أصبح الطعام أكثر موثوقية وتوفر، لكن أوقات الوجبات ظلت تختلف باختلاف الثقافات. وقد أدى بزوغ فجر الهجرة الجماعية للعمال، إلى جانب الانتقال من أشكال العمل التقليدية والعيش الكفاف إلى التوسع الحضري المفرط، إلى خلق مزيج من زيادة فرص العمل، وازدياد العمل في المصانع منذ القرن الـ18 فصاعداً، مما تسبب في النمو الهائل للمدن، وهذا يعني أنه كان من الضروري تطبيق جدول يومي نموذجي بدقة، ليصبح نقطة محورية في الهيكلية. فمع ظهور التوسع الحضري انتشرت الممارسات الزراعية واسعة النطاق، وتحول النظام الغذائي نحو الاعتماد على القمح بدءاً من القرن الـ19، وذلك بفضل وفرة القمح وزيادة إنتاجه. وشهد هذا التحول ظهور مشاكل في المعدة لدى بعض المجموعات، مثل عسر الهضم، وكان السبب في ذلك هو التغير في كثافة العمل (الابتعاد عن العمل البدني المرهق)، ولكن مع ثبات كمية السعرات الحرارية المتناولة للتكيف مع تغيرات العمل.

الوجبة الرئيسة

من بين وجباتنا الثلاث المعتادة، تتمتع كلمة "العشاء" بأعمق الجذور اللغوية، على رغم أن معناها قد تغير عبر الزمن، ففي العصر الروماني القديم كانت الوجبة الرئيسة التي يتناولها الجميع، وإن كانت تُؤكل في وقت أبكر من اليوم، الظهر تقريباً. واستمر هذا التقليد حتى العصور الوسطى في أوروبا، فكان العمال يتناولون وجبة خفيفة من الخبز والجعة في الصباح الباكر قبل بدء يوم عملهم في المزرعة. أما وجبتهم الرئيسة، التي تُسمى العشاء، فكانت تُقدم عند الظهر تقريباً، بينما كانوا يتناولون أحياناً وجبة خفيفة في المساء.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بحلول أواخر القرن الـ18، كانت الثورة الصناعية في أوجها في بريطانيا، فأصبحت أيام العمل أطول، ولم يعد بإمكان الناس العودة إلى منازلهم لتناول وجبتهم الرئيسة، وأصبح استخدام الإضاءة الاصطناعية، وبخاصة الشموع أكثر سهولة، مما مكن من استمرار الأنشطة المنزلية حتى وقت متأخر من المساء، وعليه بدأ موعد العشاء يتغير، ومع حلول نهاية القرن كان كثيرون يتناولون العشاء مساء بعد عودتهم من العمل. فبالنسبة إلى معظم الناس في أوروبا والولايات المتحدة، أصبحت وجبة العشاء هي الوجبة الرئيسة والأساسية في اليوم بحلول منتصف القرن الـ19، مما أثر على مفهوم العشاء العائلي التقليدي كما نعرفه اليوم، وعليه بدأت فكرة الوجبات الثلاث تتضح وتأخذ طريقها لتصبح حقيقة.

أكل بالفطرة

أسهمت البحرية الملكية البريطانية في نشر فكرة الوجبات الثلاث، إذ كانت تقدم الفطور والغداء وعشاء خفيفاً على متن السفن، ولعل مصطلح "الوجبة المربعة" مشتق من الصواني المربعة المستخدمة على متن السفن. كما نشر الأوروبيون، وخصوصاً البريطانيين، هذا النمط إلى أماكن مثل أميركا. فعندما وجد المستعمرون الغربيون أنفسهم لأول مرة في أميركا الشمالية، رأوا أن عاداتهم الغذائية تختلف بصورة واضحة عن عادات السكان الأصليين، الذين يأكلون فقط عندما يشعرون بالجوع، بشكل فطري إلى حد ما، وفق نظام غذائي تقليدي يعتمد على الصيد وجمع الثمار، وقد استلزم ذلك تناول الطعام عند توفر الفرصة نظراً إلى ندرة مصادر الغذاء. لكن هؤلاء الباحثين والمستعمرين ربطوا عادة الأكل المضطربة هذه بنقص البنية الحضارية.

لذا بدأوا بفرض نظام الوجبات الثلاث اليومية الغربي في محاولات لترويض الجماعات الأصلية، وهو ما أصبح منتشراً في كل مكان مع بدء التصنيع على نطاق واسع. وبحلول القرن الـ19، أصبح تناول ثلاث وجبات يومياً عرفاً اجتماعياً سائداً بين الطبقة المتوسطة، وفي خمسينيات القرن الـ20، أسهمت أشياء مثل حبوب الإفطار، ومحامص الخبز، والوجبات المجمدة في ترسيخ هذا النمط في أماكن مثل الولايات المتحدة.

أنجح حملة تسويقية

طالما سمعنا أن وجبة الإفطار هي أهم وجبة في اليوم، إذ تكررت هذه العبارة مراراً وتكراراً حتى صدقناها جميعاً، لكن في الآونة الأخيرة بدأ العلم يُشكك في هذا الأمر. ومع ذلك، فإن القصة الحقيقية للإفطار تتضمن حملة تسويقية مذهلة. وقد لا يدرك المرء ذلك، لكن فطورنا البسيط هو مثال على فن التسويق، بل ربما يكون أنجح حملة تسويقية على الإطلاق. فمجرد عبارة "الفطور هو أهم وجبة في اليوم" هي من بنات أفكار فريق تسويق.

 

تقول المراجع إن الحقيقة بدأت في أوائل القرن الـ20، حين قامت عائلة واحدة بتغيير النظام الغذائي العالمي، ليس من أجل الصحة، بل من أجل الثروة. لقد أعادوا برمجة بيولوجيا الإنسان وجعلوا الساعة السيد الجديد للإنسان. ففي عام 1910 جاء جون دافيسون روكفلر، وهو قطب النفط الذي تحول إلى "منقذ التغذية"، وموّل "علم التغذية" لترويج فكرة الأكل المستمر كنموذج تجاري، لا كعلم بيولوجي، والهدف إبقاء العمال جائعين، خاضعين، ومعتمدين على النظام.

الهرم الغذائي.. دعاية

وعندما توسعت إمبراطورية "ستاندرد أويل" التابعة لروكفلر، بدأ عمال المصانع بالانهيار أثناء نوبات عملهم، لذا روّجت آلة العلاقات العامة الخاصة به لطقوس جديدة، وهي "الإفطار أهم وجبة في اليوم"، وفي عام 1917 أصبحت رقائق الذرة من كيلوجز بمثابة مخدر الصباح، ومعها وُلدت ساعة الجوع، ونشأ معها الإدمان. ثم ما لبثت أن انضمت شركات الأغذية الكبرى إلى اللعبة، وبحلول عام 1920 سيطر المال على التعليم. فعلّمت دروس الاقتصاد المنزلي الأمهات طهي ثلاث وجبات يومياً، وهتفت الإعلانات الإذاعية، "اطعميه جيداً، وإلا سيفشل!". وخلال هذه المسيرة رفعت الكربوهيدرات والسكريات المصنعة مستويات الأنسولين، وخفضت الطاقة بصورة حادة، وزادت الرغبة الشديدة في تناول الطعام. وهكذا طُمست العلوم الحقيقية والصيام والنظام الغذائي التقليدي.

وفي ثمانينيات القرن الماضي وبداية التسعينيات، شهدت الولايات المتحدة فائضاً كبيراً في محاصيل القمح والذرة وفول الصويا، المدعومة بصورة كبيرة من الحكومة. لذا، عند وضع الهرم الغذائي، وُضعت الحبوب المكررة في قاعدته، وشُجع الأميركيون على تناول ما بين 6 و11 حصة من الخبز والأرز والحبوب يومياً، ليس لأن هذا ما كانت عليه الأنظمة الغذائية التقليدية، بل لدعم الاقتصاد الزراعي. حتى خبراء التغذية الذين أسهموا في صياغة هذه الإرشادات اعترفوا لاحقاً بأن عملهم قد تم تخفيفه أو تغييره تحت ضغط جماعات الضغط القوية في صناعة الأغذية.

الاستماع للجسد

وبحلول عام 2000 انتشرت السمنة بصورة كبيرة، وأصبح مرض السكري عام 2010 أمراً شائعاً. إذ يرى بعض العلماء أن الهرم الغذائي لم يكن تغذية، بل كان مجرد دعاية. وهكذا بدأت دورة التغذية الحديثة، تناول الطعام، ثم الإرهاق، ثم اشتهاء مزيد، وهكذا دواليك، ثلاث وجبات ووجبات خفيفة، ومشروبات، كل ساعة يتدفق الدوبامين في الجسم، ومعه بدأ التحكم في وقت استيقاظنا، ووقت تناولنا الطعام، ووقت شرائنا. وهذا بالنسبة إلى بعض الخبراء ليس تلاعباً بالغذاء فقط، بل حرباً نفسية، فلقد جعلوا الجوع شعوراً عاطفياً، والوجبات عادة، والغذاء صناعة.

وعن هذا تقول جولي فرانسيلا، وهي مدونة تنتمي للسكان الأصليين الأميركيين، "إن فكرة الإفطار والغداء والعشاء، أو ما يسمى الوجبات الثلاث الرئيسة، لم تأتِ من الطبيعة، بل جاءت من الصناعة. لقد نشأتُ على يد أناس لم يفرضوا مواعيد محددة للطعام، بل كانوا يستمعون إلى أجسادهم، ويأكلون عندما يشعرون بالحاجة، ويتركون الجوع يرشدهم لا الساعة". ويتفق العلم مع هذه الحقيقة، فيقول "عندما تُحدد مواعيد الوجبات بدقة بغض النظر عن الشعور بالجوع الفعلي، يتعلم الدماغ أن الساعة، وليست الإشارات الداخلية، هي المؤشر المهم. فتصبح الإشارة الداخلية أقل وضوحاً بمرور الوقت لأنها لا تُحدث أي تأثير سلوكي بصورة مستمرة، فالوجبات تُتناول بغض النظر عما إذا كانت هذه الإشارة تُفعّل أم لا".

وعليه يبرز اليوم مفهوم "الصيام المتقطع" الذي يعمل على تحقيق التوازن بين العادات الغذائية وإشارات الجوع الداخلية، والجداول الزمنية المحددة بالساعة، لإيجاد التوازن الأمثل بين الانضباط والوعي الحدسي. فبينما يُحسّن الصيام مرونة التمثيل الغذائي بتجاهل إشارات الجوع المبكرة، فإن الاستدامة على المدى الطويل تعتمد غالباً على الاستجابة لإشارات الجوع والشبع الطبيعية في الجسم، وهذا ما يجعلنا نستعيد جزءاً من عادات أسلافنا في الطعام وأوقاته الحقيقية.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات