Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إثيوبيا نحو الانتخابات السابعة... هل أورقت شجرة الديمقراطية؟

50 مليون ناخب جاهزون للمشاركة وآلية لتوثيق ومتابعة وعود الأحزاب ومراقبون: اختبار لقدرة الدولة على تثبيت نموذج سياسي مستقر

على رغم ظروف سياسية ظلت غير مواتية، فإن المسار الديمقراطي الإثيوبي كان يخطو فوق أرضية ثابتة (أ ف ب)

ملخص

مع وجود أوجه القصور بسبب غياب أحزاب معارضة ترقى لمستوى التحدي في الدول الأفريقية، فإن الاستمرار في ممارسة العملية الانتخابية وتطويرها كفيل بتحقيق الرشد والنضج بما يخدم تطلعات وحاجات الشعوب، بحسب محللين.

تمضي الجهات الرسمية المعنية بالتحضير للانتخابات الإثيوبية السابعة المقرر إجراؤها في الأول من يونيو (حزيران) 2026 على قدم وساق، ضمن ظرف استثنائي في الإنجاز والتبعات، وبصرف النظر عما يظلل الساحة السياسية من غيوم، فالترتيبة السابعة للخيار الديمقراطي تصنف إثيوبيا ضمن ديمقراطيات أفريقية تشق طريقها بثبات. فإلي أي مدى يضع الاستحقاق السابع إثيوبيا على درب الاستقرار السياسي الديمقراطي؟

يمثل الاستقرار السياسي في الدول أهم الركائز لتقدمها والشعوب، ويتجسد هذا الاستقرار في رسوخ نظم ديمقراطية تعتمد توالي العملية السياسية بصورة دورية لاختيار القيادات السياسية، عبر التنافس المفتوح بين الأحزاب والتيارات السياسية المختلفة. وهو تبارٍ يعقبه تبادل في مقاعد السلطة بما يخدم مصالح الشعوب، ويحافظ على المكاسب القومية، ويحقق الحاجات الخدمية والتنموية، ضمن إنجازات شاملة للأوطان والأجيال يظلها استقرار وسلام قومي، وذلك إلى جانب إقامة علاقات خارجية متوازنة تخدم الدول وتحقق أهدافها التنموية والحضارية.

ديمقراطية السياق الأفريقي   

والقارة الأفريقية على رغم تأخرها التاريخي تجاه الاستحقاق الديمقراطي يمثل عديد من دولها حالياً كبوتسوانا وغانا وجنوب أفريقيا ونيجيريا والسنغال وتنزانيا وناميبيا، تحولاً جاداً في النظم السياسية عبر انتخابات دورية ودرجة من الاستقرار السياسي، ومرتبة معقولة من حرية الإعلام والمعارضة.

وعمل الاتحاد الأفريقي ضمن تبعة الإشراف على تحقيق السلام والاستقرار والتنمية لشعوب القارة بتوجيهات صارمة للدول تجاه ممارسة الاستحقاق الديمقراطي عبر عمليات انتخابية تختار بموجبها الدول والمجتمعات قياداتها السياسية بما يحقق السلام والاستقرار والمكاسب القومية للشعوب.

 

يقول المتخصص في مجال العلوم السياسية والكاتب المتخصص في قضايا الأمن والدراسات السياسية فريدوم أونووها إن "عملية التحول الديمقراطي في العادة تشير إلى التحرك من نظام أقل ديمقراطية (الشمولية)، إلى مجتمع أكثر ليبرالية وديمقراطية، إذ تصبح القيم الديمقراطية التي تشمل الانتخابات الدورية والحرة والعادلة والموثوقة، إضافة إلى حكم القانون والقضاء المستقل والإعلام الحر والعلاقة المتوازنة بين المجتمع المدني والعسكر، الطرق الوحيدة المقبولة لتنظيم أمور المجتمع، وعادة ما تأخذ عملية التحول الديمقراطي نمطين أو نموذجين، هما التحول من الأعلى والتحول من الأسفل. الأول تقوده القيادات، ويتضمن الحالات التي تستجيب هذه القيادات فيها للبدء بالإصلاحات الديمقراطية. أما الثاني فيقوده الشعب ويتمثل في ضغوط شعبية من أجل هذه الإصلاحات، وبينما يعتبر كلا الشكلين معترفاً به، لا يمكن التغاضي عن احتمال اندماج عناصر من كليهما في حال تحول واحدة". ويضيف "يجدر بنا ملاحظة أنه بينما يعتبر التحول من الأعلى أكثر قدرة على تحقيق الديمقراطية، كونه أكثر دقة في تحديد الجدول الزمني والخطوات الإجرائية والاستراتيجية ككل، فإن التحول من الأسفل يشمل درجة عالية من الريبة والشك. وتعتبر هذه الصفات مثيرة للدهشة باعتبار أن جميع أشكال التحول، سواء من الأسفل أو من الأعلى، تحمل عناصر من الشك. ففي كلتا الحالين، فإن قدرات قادة التحول على التلاعب والتزامهم بالإصلاحات التي قد تؤدي إلى ولادة الديمقراطية قد لا تكون معروفة بصورة واضحة، وقد تؤدي التدخلات من قبل بعض القوى المضادة للديمقراطية إلى تحجيم أو تأجيل أو إطالة عملية التحول"، موضحاً "في السياق الأفريقي، أوضحت التجارب أن التحولات الديمقراطية كانت في مجملها آتية من الأسفل".

حلم الواقع الديمقراطي

ضمن السياق الديمقراطي بادرت إثيوبيا متبنية النظام الجمهوري الفيدرالي الذي كفل للشعوب والقوميات الإثيوبية حقوقاً وطنية في حكم أقاليمها، وسعى إلى تطوير الأقاليم ضمن وحدة الدولة وإطار ديمقراطية دستورية، مع التباري السياسي كل خمس سنوات لاختيار القيادة السياسية عبر نظام التعددية الحزبية.

وشهدت البلاد أولى الانتخابات الديمقراطية ضمن نظام (دستوري تعددي) بعد العهد الإمبراطوري عام 1995 خلال حكم رئيس الوزراء ملس زيناوي، ومنذ ذلك الحين، عملت الدولة على تعزيز المؤسسات الديمقراطية والانتخابية لضمان مشاركة جميع المكونات الإثيوبية في العملية السياسية، مع التركيز على العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة كركيزة أساسية لتمتين الاستقرار السياسي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى رغم ظروف سياسية ظلت غير مواتية وتحديات متتالية، فإن المسار الديمقراطي الإثيوبي ظل يخطو على أرضية ثابتة من الإجماع القومي الذي يصدقه توالي العملية الانتخابية في اختيار القيادة السياسية، إذ تبادل النظام خلال العقود الثلاثة الأخيرة ثلاث قيادات رئاسية، مما يدلل على ثبات أرضية النظام الديمقراطي ومسار العملية الانتخابية حتى بلوغها الاستحقاق السابع المزمع إجراؤه.

وكانت رئيسة المجلس الوطني للانتخابات في إثيوبيا ميلاتورك هايلو أعلنت في 24 أبريل (نيسان) الماضي أن أكثر من 50,514,000 ناخب تم تسجيلهم للمشاركة في الانتخابات العامة المقبلة، ووفق وكالة الأنباء الإثيوبية (إينا) اختتمت عملية تسجيل الناخبين لهذه الانتخابات في الـ22 من أبريل (نيسان) 2026، إذ شارك بعض المواطنين في العملية عبر تطبيق "ميرتشاي" للهواتف المحمولة كخيار رقمي بديل، إضافة إلى الحضور الشخصي لمراكز الاقتراع المختلفة.

وفي بيان لها حول انتهاء فترة التسجيل، أوضحت ميلاتورك أن المجلس كان ينفذ عمليتي تسجيل الناخبين والمرشحين على حد سواء، في إطار الاستعدادات الجارية لهذه الانتخابات. وبينت أن تسجيل المرشحين جرى خلال الفترة من التاسع من يناير (كانون الثاني) إلى الثامن من فبراير (شباط) 2026. وأضافت أن عملية تسجيل الناخبين، التي انطلقت في السابع من مارس (آذار) الماضي، تم تمديدها لمدة 14 يوماً إضافية، قبل أن تختتم رسمياً في الـ22 من أبريل.

ووفقاً للبيانات التي تلقاها المجلس حتى الآن، تم تسجيل ما مجموعه 50,514,155 ناخباً بنجاح. ومن هذا العدد، استخدم أكثر من 5,503,000 ناخب المنصة الرقمية، بينما تم تسجيل بقية الناخبين عبر الطرق التقليدية اليدوية. وأوضحت ميلاتورك أن الأرقام الحالية لا تشمل أفراد قوات الدفاع الوطني، وطلبة الجامعات، والنازحين داخلياً.

 

وفي ما يتعلق بمراقبة الانتخابات والتغطية الإعلامية، كشفت رئيسة المجلس أنه تم منح تراخيص لـ169 منظمة مدنية للمشاركة في مراقبة الانتخابات العامة السابعة، من بينها 141 منظمة حصلت على دعم مالي. وحصلت 37 مؤسسة إعلامية على تصاريح للتغطية، وتم إصدار بطاقات اعتماد لـ1,131 صحافي لمتابعة مجريات العملية الانتخابية. وأشارت كذلك إلى أن المناظرات بين الأحزاب السياسية ظلت جارية، وتم إجراء مناقشات في شأن مدونة السلوك الخاصة بحملات المرشحين المستقلين، وتوزيع أوقات البث، إلى جانب قضايا أخرى ذات صلة، كذا حصلت 37 مؤسسة إعلامية على تصاريح للتغطية، وجرى إصدار بطاقات اعتماد لـ1131 صحافياً لمتابعة مجريات العملية الانتخابية، منوهة بأن المناظرات بين الأحزاب السياسية جارية حالياً، وتم إجراء مناقشات في شأن مدونة السلوك الخاصة بحملات المرشحين المستقلين، وتوزيع أوقات البث، إلى جانب قضايا أخرى ذات صلة.

اتساع الفضاء السياسي

من جهته أكد رئيس المجلس المشترك للأحزاب السياسية في أديس أبابا، مارو جاني أن اتساع الفضاء السياسي في إثيوبيا أتاح للأحزاب السياسية والمواطنين المشاركة بفاعلية في الانتخابات العامة السابعة.

وأوضح مارو أن المجلس يشارك بصورة نشطة في العملية الانتخابية، ويدعم الجهود الرامية إلى ضمان مشاركة المواطنين، إلى جانب تشجيع الأحزاب السياسية على عرض برامجها الانتخابية بما يتوافق مع القوانين واللوائح المنظمة. وأضاف أن تحسن المناخ السياسي أسهم في تعزيز مشاركة الأحزاب والمواطنين في مختلف مراحل العملية الانتخابية. وقال "الجهود المبذولة لتوسيع الفضاء السياسي خلال الانتخابات العامة السابعة، مقارنة بالسابقة، تمثل خطوة مهمة إلى الأمام"، موضحاً أن عدداً أكبر من المواطنين تمكنوا هذه المرة من الحصول على بطاقات التصويت، مما يعكس اتساع مساحة المشاركة السياسية. وبين أن "مجلس الأحزاب بالتعاون مع المجلس الوطني للانتخابات، يواصل تنفيذ حملات توعية عامة في شأن قوانين الانتخابات، إلى جانب دعم الأحزاب السياسية في الترويج لبرامجها السياسية وعرض رؤاها الانتخابية"، مؤكداً أن المجلس سيواصل تكثيف جهوده لضمان استكمال العملية الانتخابية بصورة سلمية، ومشيداً بـ"البيئة المواتية التي أتيحت للأحزاب والمواطنين للمشاركة الفاعلة في هذه الانتخابات".

تبعات عالقة

يشارك في العملية الانتخابية السابعة 47 من الأحزاب الوطنية والإقليمية، في مقدمها حزب الازدهار الحاكم، إلى جانب الأحزاب الأخرى ذات الوزن السياسي المنافس، والتي تمثل جانب المعارضة كجبهة تحرير أرومو، ومؤتمر أرومو الفيدرالي، وحزب المواطنين الإثيوبيين من أجل العدالة الاجتماعية، وائتلاف الوحدة الإثيوبي، وحزب الأم، وحزب النهضة، وحزب الإثيوبيين (الشعوب) الثوار، وغيرها.

في المقابل، تكتنف العملية الانتخابية السابعة سلبيات منها استبعاد بعض المناطق من العملية الانتخابية كإقليم تيغراي وبعض مناطق إقليم أمهرا، بدعوى الظروف غير المواتية في هذه المناطق، بخاصة إقليم تيغراي في حربه السابقة ضد الحكومة، والتي لا تزال تبعاتها ماثلة.

على مستوى أهلي، أكد مجلس منظمات المجتمع المدني الإثيوبي (غير حكومي) أنه يكثف جهوده لضمان إجراء الانتخابات العامة السابعة في إثيوبيا بصورة سلمي وشفاف وديمقراطي. وفي تصريح لوكالة الأنباء الإثيوبية، قال المدير التنفيذي للمجلس جيتنيت كابا، إن المؤسسات النزيهة والمعلومات الموثوقة أساسيتان لضمان الثقة في الانتخابات.

 

ويجري المجلس حالياً أنشطة للتوعية المدنية ومراقبة الانتخابات بالتنسيق مع المجلس الوطني للانتخابات في إثيوبيا، لتعزيز الشفافية وتشجيع المشاركة العامة الواعية. إضافة إلى ذلك كشف جيتنيت عن استحداث آلية جديدة لتوثيق ومتابعة الوعود التي قطعتها الأحزاب السياسية خلال فترة الحملات الانتخابية. ومن المتوقع أن تعزز هذه المبادرة المساءلة السياسية من خلال تمكين المواطنين من تقييم مدى وفاء الأحزاب بالتزاماتها، ومساعدة الناخبين على اتخاذ قرارات مستنيرة في الانتخابات المقبلة.

ووفقاً للمدير التنفيذي، يلتزم المجلس بالحياد السياسي ويعمل حصرياً لتحقيق المصلحة العامة، مؤكداً "نحن لا نمثل الحكومة، ولن نمثل أي حزب سياسي. نحن نتوسط فقط ونعمل من أجل المصلحة العامة".

وتعكس تجربة إثيوبيا الديمقراطية السابعة، التي يخوض الشعب استحقاقها، على رغم تحدياتها المتعددة، مسعى أفريقي نحو ديمقرطية المجتمعات وتحقيق السلام والتنمية، في ظل استمرار التحديات الداخلية والخارجية التي تتطلب مرونة سياسية واستراتيجيات فعالة لضمان نجاح الخيار الديمقراطي. وتأتي هذه الانتخابات المرتقبة في أعقاب سنوات من الإصلاح السياسي الذي يهدف إلى توسيع المشاركة الديمقراطية، وتعزيز المؤسسات الانتخابية، وتنمية المشاركة المدنية.

 نموذج ديمقراطي صاعد

الأكاديمي المتخصص في الشؤون الأفريقية علي حسين يمر يرى أن الانتخابات السابعة في إثيوبيا تتجاوز مجرد استحقاق دستوري دوري، وترتبط بسؤال أعمق يتعلق بمستقبل الدولة وقدرتها على تثبيت نموذج سياسي مستقر في بيئة أفريقية وإقليمية معقدة. فإثيوبيا، بحكم ثقلها السكاني والسياسي والجيوسياسي في القرن الأفريقي، لا تقاس تجربتها الانتخابية فقط بعدد صناديق الاقتراع أو نسبة المشاركة، وإنما بقدرتها على تحويل التنافس السياسي إلى أداة للاستقرار الوطني، لا إلى مدخل للصراع والانقسام".

ويستدرك، "صحيح أن المشهد السياسي الإثيوبي ما زالت تظله تحديات كبيرة، من بينها التوترات الداخلية، والاستقطاب السياسي، والتحديات الاقتصادية والأمنية، إضافة إلى تعقيدات التنوع الإثني والسياسي، لكن في المقابل، استمرار المسار الانتخابي للمرة السابعة يحمل دلالة مهمة، وهي أن الدولة لا تزال متمسكة – في الأقل مؤسسياً - بخيار الشرعية الدستورية والتداول السياسي عبر الآليات المدنية، لا عبر الانقلابات أو الانهيارات التي شهدتها دول عديدة في القارة". ويضيف أن "نجاح أية تجربة ديمقراطية لا يقاس بالكمال، بل بقدرتها على الاستمرار والتطور التدريجي على رغم التحديات. فالديمقراطيات الكبرى نفسها مرت بمراحل اضطراب وصراعات طويلة قبل أن تصل إلى حال الاستقرار النسبي، ومن هنا يمكن القول إن الانتخابات السابعة تمثل اختباراً حقيقياً لمدى نضج المؤسسات السياسية الإثيوبية ومدى قدرتها على إدارة الاختلاف ضمن إطار الدولة الواحدة". ويرى أن "المجتمع الدولي والأفريقي ينظر إلى إثيوبيا باعتبارها دولة محورية في الأمن الإقليمي والتكامل الاقتصادي وقضايا القرن الأفريقي والبحر الأحمر، لذلك فإن استقرارها السياسي لم يعد شأناً داخلياً فحسب بل قضية ذات أبعاد إقليمية وقارية. أما مسألة تصنيف أديس أبابا ضمن الديمقراطيات الأفريقية المستقرة فيمكن القول إنها لا تزال في مرحلة انتقال ديمقراطي متقدم، وليست ضمن الديمقراطيات المستقرة بالكامل، ولكنها بالتأكيد قطعت مسافة مهمة مقارنة بسنوات سابقة، بخاصة من حيث ترسيخ المؤسسات وتوسيع المشاركة السياسية واستمرار المسار الدستوري على رغم الأزمات". ويوضح "يبقى التحدي الأكبر أمام الدولة الإثيوبية في كيفية تحويل الانتخابات من مجرد حدث سياسي موسمي إلى ثقافة وطنية دائمة تقوم على قبول الاختلاف وسيادة القانون وضمان الحقوق وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع، فالديمقراطية الحقيقية لا تقاس فقط بإجراء الانتخابات، بل بقدرة النظام السياسي على إنتاج الاستقرار والعدالة والتنمية والشعور الوطني الجامع، وفي تقديري فإن مستقبل الاستقرار الديمقراطي في إثيوبيا سيعتمد على ثلاثة عناصر أساسية: تعزيز الوحدة الوطنية الجامعة فوق الانقسامات الضيقة، وتقوية المؤسسات القانونية والدستورية بما يضمن العدالة والشفافية، وإدارة التنوع الإثني والسياسي باعتباره مصدر قوة لا سبباً للصراع. وإذا نجحت إثيوبيا في ذلك، فإنها لن تكون فقط نموذجاً ديمقراطياً صاعداً في أفريقيا، بل قد تتحول إلى إحدى أهم القوى السياسية والاستراتيجية المؤثرة في القارة خلال العقود القادمة".

لو رجعنا للماضي

الباحث في شؤون القرن الأفريقي عبدالرحمن أحمد يقول إن "العملية الديمقراطية في إثيوبيا مرت بمراحل عديدة، ولو رجعنا إلى الماضي سنجد أنها كانت تحكم بنظام ملكي إمبراطوري لم يكن فيه انتخابات حرة، بل يتم تنصيب القيادة، إما من طريق الوراثة للحكم، أو أن ينقلب أحد القادة على سلفه فيتولى السلطة. وفي عام 1931 كانت هناك أولى التجارب الدستورية، وتم فيها وضع دستور لإثيوبيا خلال ملك الإمبراطور هيلاسلاسي، ثم دخلت إثيوبيا فترة الحرب مع إيطاليا، وبعد عودة الإمبراطور هيلاسلاسي من منفاه الاختياري عام 1955 تمت صياغة دستور معدل للبلاد تضمن هذه المرة نوع من الحريات للشعوب والقوميات الإثيوبية، ولكنها لم تكن بمستوى تطلعات الشعب الإثيوبي، ثم بعد الانقلاب على هيلاسلاسي تم إلغاء الدستور تماماً، وأصبح ما يسمى الحكم الثوري الاشتراكي الذي استمر لمدة 17 عاماً". ويضيف "بعد سقوط الرئيس منقستو هيلا ماريام وحكومته الشيوعية بواسطة تحالف الجبهة الثورية الديمقراطية، واستيلاء ملس زيناوي على السلطة، وضع الدستور الحالي للبلاد عام 1994، ودخل حيزة التنفيذ عام 1995، وجرت أولى الانتخابات التعددية في مايو (أيار) عام 1995، وشهدت حضور أحزاب المعارضة، وكان الفوز حليفاً للحزب الحاكم (الجبهة الثورية الديمقراطية للشعوب الإثيوبية)". ويضيف "ثم جاءت انتخابات عام 2000 بعد انتهاء الحرب مع إريتريا، وانتخابات عام 2005 التي حققت المعارضة فيها نجاحاً ببعض المناطق، وبخاصة العاصمة أديس أبابا، وأعقب ذلك نوع من التضييق على الحريات وقادة الأحزاب المعارضة، ثم أجريت انتخابات أخرى في 2010، وبعد رحيل رئيس الوزراء ملس زيناوي في أغسطس (آب) 2012، كان ترشيح الائتلاف الحاكم لهيلا ماريام ديسالين رئيساً للوزراء، وحصلت أثناء رئاسته أزمة سياسية خانقة في البلاد، وتم نقل الرئاسة عبر الاتلاف الحاكم (الجبهة الثورية) إلى رئيس الوزراء آبي أحمد في 2018، وبعد بسنتين تم إجراء الانتخابات خلال ظروف دقيقة في يونيو (حزيران) عام 2021 (تأخر تاريخها بسبب كورونا)، وفاز فيها حزب الازدهار الحاكم بغالبية ساحقة، وكان هناك فوز لبعض أحزاب المعارضة أيضاً وشخصيات مستقلة بمقاعد في البرلمان".

 

من جهته يقول الباحث في الشؤون الأفريقية عبدالصمد حسن "على رغم الظرف السياسي الداخلي الذي تشهده إثيوبيا، والأوضاع الإقليمية والدولية، فإن الدولة ظلت حريصة وملتزمة احترام الاستحقاقات السياسية، ومنذ عام 1995 تجري الانتخابات العامة بانتظام، ولم يتم التأجيل إلا عام 2020 لظروف كورونا ولسنة واحدة فقط". ويشير إلى أنه "مع وجود أوجه قصور في بعض الأحيان لغياب أحزاب معارضة ترقي لمستوى التحدي على المستوى الفيدرالي، فإن الاستمرار في ممارسة العملية الانتخابية وتطويرها كفيل بتحقيق الرشد والنضج بما يخدم ويتوافق مع حاجات وتطلعات الشعوب الإثيوبية. فمثلاً يتنافس في انتخابات هذا العام 47 حزباً قدمت 10934 مرشحاً، منهم 2198 سيتنافسون على مقاعد البرلمان الفيدرالي، والباقون على مقاعد مجالس الأقاليم، مع نحو 73 مرشحاً مستقلاً، مما يوضح حجم التفاعل الذي يعطي إشارات إيجابية نحو مستقبل العملية الديمقراطية في إثيوبيا، والتي ترتقي بتعاقب السنين إلى الأفضل".

عن الحرية والشفافية

الأستاذ الجامعي المتخصص في الشؤون الأفريقية محمد حسب الرسول يقول "تشير التحضيرات الخاصة بدورة الانتخابات السابعة في إثيوبيا إلى أن التجربة الديمقراطية التي تأسست بعد سقوط نظام منقستو الماركسي، تمضي بثبات يمكن أن يبنى عليه في تطويرها، فالانتخابات استحقاق أساسي يتعين ترسيخه لتمكين الشعب من اختيار ممثليه وحكامه بحرية كاملة وإرادة حرة ومسؤولة، بخاصة في بلد عانى لعقود النظام الشمولي إبان الحقبة الماركسية. وهذا الاستحقاق يرد الأمر للشعب صاحب الحق الحقيقي في الاختيار، والذي يلزم أن يكون واعياً ليكتسب صحته ويضمن استمراريته، بعيداً من أية وصاية أو توجيه قسري.

وتمثل تجربة الحكم الفيدرالي نموذجاً ملهماً من نماذج الحكم في الدول الكبيرة والمتعددة الهويات، ومثلت تجربة الفيدرالية في إثيوبيا حال نجاح واضحة، بخاصة أنها تمكنت من بسط السلطة بقدر معقول على ولايات تجسد التنوع الهوياتي. فهذه التجربة أوجدت حلولاً جيدة لإشكالات سياسية وهوياتية كانت قائمة، واستطاعت أن تحول التعدد الإثني من مصدر صراع إلى أساس لترتيب الحكم المحلي والإقليمي. إنها تجربة ناجحة تستحق أن تدرس وتطور لتقديم نموذج أفريقي أصيل في إدارة الاختلاف داخل دولة واحدة". ويضيف "أما بالنسبة إلى إجراء هذه الدورة السابعة في ظل ظروف داخلية دقيقة، فإن السلطة لم تتخذها ذريعة للتأجيل وهذا أمر يحمد لها، لكن يجب عدم استخدام تلك الظروف كغطاء للتأثير في حقوق المعارضة والناخبين. إن أية انتخابات تفقد شرعيتها إذا لم تتوفر فيها الحرية والعدالة والشفافية، ولذلك فإن التحدي الحقيقي يبقى في ضمان تكافؤ الفرص بين جميع الأطراف، وكسر القيود التي تعوق وصول المعارضة لوسائل الإعلام والتمويل والتنظيم. والناخب الإثيوبي ينتظر أن تكون هذه الدورة نقطة تحول نحو ديمقراطية أكثر نضجاً، لا مجرد إجراء شكلي يكرس واقعاً قائماً".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير