ملخص
لا يمكن فصل السياق الانتخابي عن الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها إثيوبيا. فمع سياسات التحرير الاقتصادي التي اعتمدها آبي أحمد أملاً في استقطاب الاستثمارات، جاءت التداعيات الاجتماعية وخيمة، إذ يعاني ملايين الإثيوبيين من ارتفاع حاد في كلف المعيشة، مصحوباً بتراجع ملموس في القدرة الشرائية.
ثمة لحظات في تاريخ الدول تتكثف خلالها التناقضات وتتقاطع الأزمات لتنتج مشهداً يتجاوز في دلالاته مجرد الحدث السياسي المفرد، والانتخابات الإثيوبية العامة السابعة المقررة في الأول من يونيو 2026 واحدة من هذه اللحظات بامتياز. فهذه الانتخابات لن تكون مجرد صناديق اقتراع تعد وأصوات تحصى، بل هي في جوهرها اختبار وجودي لدولة تمتلك من عناصر القوة كثيراً، وتعاني في الوقت ذاته انقسامات عميقة تكاد تهدد النسيج الذي تقوم عليه.
ما الذي يجعل هذه الانتخابات مختلفة؟
لا يكفي أن نقول إن إثيوبيا تجري انتخاباتها في ظرف استثنائي، فكل انتخابات إثيوبية منذ سقوط المنغستو عام 1991 جرت في ظروف عسيرة. وما يجعل السابعة مختلفة هو تراكم الأزمات وتشابكها على نحو غير مسبوق في التاريخ السياسي للبلاد.
فمنذ أن صعد رئيس الوزراء آبي أحمد إلى السلطة عام 2018 حاملاً رياح الإصلاح ووعوداً بالانفتاح الديمقراطي، فاز بجائزة نوبل للسلام عام 2019، ثم سرعان ما انزلقت البلاد إلى حرب أهلية مدمرة في إقليم تيغراي خلال الفترة بين عامي 2020 و2022 خلفت أكثر من 600 ألف قتيل، وباتت واحدة من أشد النزاعات المسلحة وطأة في القرن الـ21.
اليوم، تتجه إثيوبيا نحو هذه الانتخابات بجملة من الأعباء الثقيلة التي تثقل كاهل العملية الانتخابية وتعوق صدقيتها. فعلى الصعيد الأمني، لا تزال ثلاثة أقاليم كبرى تعيش على وقع الحرب، إذ تشهد مناطق واسعة من إقليم أوروميا معارك مستمرة بين قوات الدفاع الوطنية وجيش تحرير أوروميا، فيما لا تزال ميليشيات "فانو" في إقليم أمهرة تمثل تحدياً أمنياً حاداً يجعل إجراء الانتخابات في المناطق الريفية أمراً بالغ الصعوبة، وفق تقديرات المراقبين.
وفي تيغراي، تبقى شروط اتفاق بريتوريا لعام 2022 حبيسة الورق، إذ لا يزال نحو مليون نازح يرزحون في مخيمات التهجير، بينما أقدمت هيئة الانتخابات الوطنية على سحب الاعتراف القانوني بجبهة تحرير شعب تيغراي في مايو (أيار) 2025، ضمن خطوة وُصفت بأنها تمييز سياسي وإقصاء انتخابي.
وفي هذا السياق فإن الأرقام التي تُنشر لافتة للأنظار، إذ أعلن المجلس الوطني للانتخابات عن تسجيل نحو 46.7 مليون مواطن للتصويت، وهو رقم كبير ولكنه تحت سيطرة الحزب الحاكم "حزب الازدهار" الذي اكتسح انتخابات عام 2021 بـ485 مقعداً من أصل 502، أي بنسبة 96.7 في المئة، في غياب أي معارضة سياسية ذات وزن.
وهو الأمر أيضاً الذي يستمر في هذه الانتخابات، إذ يُضيق على الإعلام المستقل ومنظمات المجتمع المدني عشية الانتخابات، وسُجنت شخصيات معارضة بارزة ووُظفت قوانين مكافحة الإرهاب وقوانين الجرائم الإلكترونية كآليات لتضييق الفضاء السياسي وتجريم خطاب المعارضة.
ولا يقتصر الأمر على ذلك، فالمعارضة التي تمكنت من الصمود وعدم الانكسار تحت وطأة القمع وجدت نفسها أمام خيار صعب، إذ دعت أحزاب بارزة كالمؤتمر الفيدرالي الأورومي وجبهة تحرير أوروميا إلى مقاطعة الانتخابات كما فعلت عام 2021، مشككة في إمكانية إجراء انتخابات حرة ونزيهة في ظل النزاعات المسلحة الجارية وانعدام الشروط الدنيا للمنافسة العادلة.
ولعل أهم التحديات التي تواجهها حالياً وتتجلى كقضايا انتخابية هي مدى قدرة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد على حل الاحتقان الإثني المترتب على محاولته إنجاز اندماج وطني بوسائل قصرية كبديل لنظام الفيدرالية الإثنية الذي أسسه ملس زيناوي (رئيس الوزراء السابق).
ولفهم الانتخابات الإثيوبية، لا بد من فهم المعضلة البنيوية التي تقوم عليها الدولة الإثيوبية ذاتها. فمنذ صياغة دستور عام 1995 الذي أرسى نظام الفيدرالية الإثنية تحت قيادة الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية، أصبحت الهوية الإثنية وليس المواطنة الجامعة هي المحور الذي تدور حوله السياسة في إثيوبيا. وهذا النظام الذي أتاح نوعاً من إدارة التنوع القومي البالغ تعقيده، تحول في الوقت ذاته إلى مصدر رئيس للاحتقان السياسي والاحتراب الإثني.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وهو ما يتجلى بوضوح في قضية الدوائر الانتخابية الخمس المتنازع عليها بين تيغراي وأمهرا، والتي أصدر مجلس الاتحاد الفيدرالي قراراً بإجراء الانتخابات فيها خارج الإشراف التيغراوي، وهو قرار يمثل في حد ذاته دليلاً على أن الدولة الفيدرالية الإثيوبية لم تستوعب بعد طبيعة التحدي الجد الذي تواجهه.
الاقتصاد ليس ببعيد من المشهد
وبطبيعة الحال لا يمكن فصل السياق الانتخابي عن الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها إثيوبيا. فمع سياسات التحرير الاقتصادي التي اعتمدها آبي أحمد أملاً في استقطاب الاستثمارات، جاءت التداعيات الاجتماعية وخيمة، إذ يعاني ملايين الإثيوبيين من ارتفاع حاد في كلف المعيشة، مصحوباً بتراجع ملموس في القدرة الشرائية. والأثقل من ذلك أن قرار الإدارة الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترمب بخفض المساعدات الخارجية كان له وقع بالغ على إثيوبيا، التي ظلت تاريخياً من أكبر متلقي المعونات الأميركية داخل القارة الأفريقية، إذ أشارت تقارير منظمة هيومن رايتس ووتش لعام 2026 إلى أن أكثر من 9 ملايين طفل إثيوبي باتوا خارج المنظومة التعليمية، جراء تداعيات النزاعات والكوارث الطبيعية والأزمة المالية.
وفي هذا السياق يلعب الضغط الاقتصادي الشديد دوراً في خلق أرض خصبة لتغذية التمردات الإقليمية وتجنيد المقاتلين في صفوف الجماعات المسلحة، ذلك أن الفقر والبطالة وغياب الأفق عند الشباب تفضي حتماً إلى إضعاف الولاء للدولة وتعزيز الانتماءات الضيقة الإثنية والعشائرية، وهذا ما يجعل الانتخابات المقبلة ليست مجرد استحقاق سياسي، بل اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على الصمود.
على المستويين الإقليمي والدولي فإن ما يجري في إثيوبيا يتجاوز حدودها، وهذه المعادلة لا تزال سارية اليوم بل ربما أصبحت أكثر إلحاحاً. فإثيوبيا لم تكن يوماً مجرد دولة أفريقية عادية، إنها بثقلها الديموغرافي البالغ نحو 130 مليون نسمة، وموقعها الجيوسياسي الاستراتيجي الرابط بين السودان وجنوب السودان وإريتريا والصومال، تمثل متغيرا محورياً في معادلة أمن منطقة القرن الأفريقي بأسرها.
وفي ضوء التحولات الراهنة في الديناميات الإقليمية، ثمة إشكاليات دقيقة ينبغي استحضارها عند قراءة الانتخابات الإثيوبية. فالتراجع التدريجي للحضور الأميركي في القرن الأفريقي في ظل السياسة الخارجية التي ينتهجها الرئيس ترمب، والصعود الصيني المتنامي، ودور دول الخليج العربي كلاعب محوري في اقتصادات المنطقة، والصراع المصري - الإثيوبي في شأن سد النهضة، كلها معطيات تعيد رسم خريطة التوازنات الإقليمية.
سيناريوهات ما بعد الانتخابات
القراءة الموضوعية للمشهد الراهن تدفع إلى استشراف ثلاثة سيناريوهات محتملة.
يتمثل السيناريو الأول في إعادة إنتاج الهيمنة الحزبية، وهو الأرجح ظهوراً وفق المعطيات الراهنة والمتكررة في أكثر من دولة، إذ يكرس حزب الازدهار سيطرته البرلمانية الساحقة في غياب معارضة فاعلة، مما يمنح آبي أحمد ولاية ثانية في منأى عن أي مساءلة سياسية حقيقية. غير أن هذا السيناريو لن يحل الأزمات، بل سيعمقها في غياب الشرعية التمثيلية الحقيقية.
أما السيناريو الثاني فهو تفاقم الانهيار الأمني، إذ قد يشعل إجراء انتخابات في ظل حروب جارية مزيداً من الاحتقان، لا سيما إذا ظل ملايين الناخبين في مناطق النزاع محرومين من حق التصويت. ذلك أن الشعور بالإقصاء هو أكثر ما يغذي التطرف ويديم الصراعات، ويجعلها مؤثرة في مجمل التفاعلات الإقليمية.
في حين يبقى السيناريو الثالث وهو سيناريو التسوية والحوار الوطني الشامل رهين إرادة سياسية غائبة حتى الآن، إذ تستلزم هذه التسوية الإفراج عن المعتقلين السياسيين والانخراط الجدي في مسار العدالة الانتقالية، وإتاحة فضاء إعلامي ومدني حقيقي، وهي شروط لا يبدو أن حكومة آبي أحمد مهيأة للقبول بها في المرحلة الراهنة، وليس هناك ضغط دولي في شأنها في هذا العالم الذي تراجعت فيه القيم لمصلحة مبدأ القوة والسيطرة.
الديمقراطية ليست صناديق فارغة
في تقييم انتخابات إثيوبيا السابعة، ينبغي أن يتجاوز الباحث الاستراتيجي الجدل الظاهر حول ما إذا كانت ستُجرى في موعدها أم لا، وما إذا كانت التقنيات الإجرائية للاقتراع ستكون محكمة أم مثقوبة. المسألة الأعمق أن الديمقراطية ليست صناديق اقتراع، بل منظومة شاملة من الحرية السياسية والمساءلة والتمثيل الحقيقي وسيادة القانون التي لا تعمل في ظل حروب قائمة وقمع ممنهج. حين أعلنت أحزاب المعارضة الرئيسة في إثيوبيا أن "أي انتخابات تُجرى دون استيفاء الشروط التأسيسية لن تكون سوى ديمقراطية شكلية لا تعبر عن الإرادة الشعبية الحقيقية"، فإنها لم تضع حجة سياسية بل وضعت تشخيصاً موضوعياً.
المفارقة الكبرى هي أن إثيوبيا التي تحتضن مقر الاتحاد الأفريقي وتستضيف مؤسساته الرمزية تجري انتخابات يصفها مراقبون دوليون بأنها اختبار للاستبداد أكثر منها احتفاءً بالديمقراطية. وما لم تقدم الحكومة الإثيوبية على خطوات جريئة وحقيقية في اتجاه الانفتاح السياسي ووقف النزاعات وتحقيق العدالة الانتقالية، فإن الانتخابات السابعة ستُضاف إلى سجل طويل من الاستحقاقات التي أجريت لتأبيد السلطة لا لتحقيق تداولها، ولتعمق أزمة الشرعية بدلاً من أن تحلها.
الرهان الحقيقي إذاً ليس على نتائج صناديق الاقتراع في يونيو 2026 بل على ما سيأتي بعدها، هل ستنتهج إثيوبيا مساراً للمصالحة الوطنية الشاملة أم أنها ستمضي في نهج يقرب أكثر فأكثر من شفير الانهيار؟ ذلك هو السؤال الذي يقلق ليس الإثيوبيين وحدهم، بل القارة الأفريقية بأسرها، والعالم الذي يتابع بقلق بالغ مصير هذه الدولة المحورية.