ملخص
حوّل "بريكست" الفنون البريطانية من فضاء مفتوح على أوروبا إلى شبكة من التصاريح والرسوم والقيود التي تعرقل جولات الموسيقيين والراقصين والكتّاب والمعارض. الأثر الأكبر يقع على الفنانين الشباب والمستقلين، إذ لم تعد السوق البريطانية تكفيهم، بينما صارت أوروبا أقل استعداداً لتحمل عبء التعامل مع مواهب بريطانية محاصرة بالبيروقراطية.
كان من الممكن تماماً عزل الموسيقى والرقص والكتب والفنون البصرية عن الآثار البائسة لـ "بريكست"، ففي النهاية لا يحتاج الناس إلى اتحاد سياسي كي يستمعوا إلى حفلة موسيقية أو يزوروا معرضاً فنياً.
لكن مفاوضي التجارة ما إن دخلوا على الملف حتى غلبت أجواء التوتر، وانتهى الأمر بقواعد يغلب عليها الطابع العقابي، قيّدت حركة البضائع والفنانين، ويقال إن الجانب البريطاني عُرض عليه استثناء خاص بالقطاع الثقافي، لكنه نسي ببساطة تضمينه الاتفاق النهائي.
حاولت المؤسسات الكبرى على جانبي القنال الإنجليزي مواصلة العمل كالمعتاد، لكن وسط طبقات إضافية من البيروقراطية، فهي تملك الكوادر والموارد التي تتيح لها ابتكار حلول للتعامل مع قواعد النقل الداخلي، وتصاريح العمل، والتزامات الضمان الاجتماعي، والضرائب، لكن هذه العملية تستهلك الوقت بلا طائل، ولا يزال في الإمكان رؤية "أوركسترا لندن السيمفونية" و"أوركسترا الحجرة الأوروبية" اللتين تُداران من لندن، وهما تقدمان عروضاً في جولات خارجية ولكن بكلفة أعلى، وباتت المهرجانات الأوروبية تميل بقوة إلى البحث عن بديل للمواهب المقيمة في المملكة المتحدة، ممن لا يأتون محملين بهذا العبء البيروقراطي.
وينطبق الأمر نفسه على المعارض، فالرسوم الجمركية وضريبة القيمة المضافة المدفوعة مقدماً يستطيع متحف "تيت مودرن" أو متحف "غوغنهايم بلباو" التعامل معها، لكن هذه الكُلف مرهقة وتفتقر إلى المنطق.
أما المشكلات الحقيقية فتظهر لدى من يحاولون كسب عيشهم من أعمالهم، فبالنسبة إلى معظم العاملين في الفنون، ليست السوق البريطانية وحدها واسعة أو ثرية بما يكفي، وكلما كان الفنان أصغر سناً أو أقل رسوخاً ازدادت الصعوبة، فلن تتحمل مؤسسات الاتحاد الأوروبي عناء التعاقد مع عازف بيانو أو عازف كمان غير معروف نسبياً، من المملكة المتحدة، إذا كان في وسعها أن تختار فناناً بالمستوى نفسه من رومانيا أو إستونيا، من دون كل تلك المعاملات الورقية.
والأمر نفسه ينطبق في الاتجاه المعاكس، فلدي أصدقاء في الثلاثينيات من العمر بنوا مسيرات مهنية مزدهرة ومزدحمة بالعمل في أنحاء أوروبا، لكنهم نادراً ما يزورون بريطانيا، وتدريجاً بدأت معاهدنا الموسيقية تفقد جاذبيتها أيضاً، على رغم أنها ظلت تُعد في القمة خلال الأعوام الـ 50 الماضية، فما جدوى الدراسة في لندن أو مانشستر بكلفة باهظة، إذا كان في الإمكان الحصول على التعليم نفسه في "أكاديمية سيبيليوس" في هلسنكي، أو في "المعهد الملكي للموسيقى في لاهاي"Conservatory، في مقابل جزء يسير من المبلغ؟
ولهذا أثر تراكمي مدمر في تشكيل الفرق الفنية، ففرق الموسيقى القديمة، والرباعيات الوترية، وفرق الرقص المعاصر، غالباً ما تتشكل من تلقاء نفسها، أو يتعارف أعضاؤها عبر أساتذتهم في الكلية، ومنذ دخول قواعد "بريكست" حيز التنفيذ، لم يعد ذلك يحدث بالقدر نفسه، بل أصبح من غير العملي أصلاً أن تضم الفرق الأوروبية أعضاء بريطانيين، فالقيد الساري على مواطني الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، والذي لا يسمح لهم بزيارة القارة لأكثر من 90 يوماً، خلال أية فترة تمتد لـ 180 يوماً، يعرقل عمل الفرق التي تضم فنانين بريطانيين، ولا يمكن لأي عرض أن يقام إذا تعذر على راقص واحد، أو عازف تشيلو، أو مغن، أو عازف لوت، أن يشارك فيه، وبذلك يضيع الإحساس كله بالتكامل التعاوني والفرقة التي جرى بناؤها بعناية.
وكثيراً ما لا يُستدعى مغنو الأوبرا الشباب من المملكة المتحدة إلى اختبارات الأداء أصلاً، فحين تتوزع العروض على مواسم عدة، يصبح من الصعب ضمان حضورهم جميع التدريبات والعروض، ولا سيما إذا كانت لديهم مشاركات موسيقية أخرى في الفترات الفاصلة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولم يسلم الكتّاب من هذا التراجع، فبيع الكتب لم يكن يوماً سهلاً إلا بالنسبة إلى الكتّاب الأكثر مبيعاً الذين تنشر أعمالهم دور نشر عالمية كبرى، أما الآن فلم يعد في وسع المرء حتى أن يرسل كتاباً إلى صديق عبر البريد، من دون أن يتحمل ذلك الصديق رسوماً جمركية، ومع رسوم البريد الجديدة ترتفع الكلفة إلى ما يتجاوز قيمة الكتاب نفسه بكثير، وفوق ذلك يواجه الكتّاب الذين يشاركون في جولات وفعاليات المشكلة نفسها التي يواجهها الموسيقيون، إذ لا يستطيعون حمل كتبهم لبيعها كسلع مرافقة، وكذلك لا يستطيع الموسيقيون حمل أقراصهم المدمجة، ولا يمكنهم كذلك أن يطلبوا من دور النشر أو شركات الأسطوانات إرسال هذه المواد إذا شاركوا في مهرجان داخل الاتحاد الأوروبي، أما دور النشر الأصغر فليست لديها مرافق التوزيع والتخزين التي تتيح لها الطباعة داخل الاتحاد الأوروبي للالتفاف على المشكلة.
ولأضرب مثالاً شخصياً، أتعاون هذا الشهر مع فنانَين، أحدهما إسباني والآخر فرنسي، استلهما أفكاراً من إحدى قصائدي، ومع ذلك لا يمكنني بيع دواويني الشعرية في المعرض، ولا تقاضي أجر في مقابل قراءة شعرية في السفارة الإسبانية في بروكسل، وكذلك لا يستطيع زميلاي جلب أعمالهما، من لوحات ومنسوجات، لعرضها في بريطانيا من دون المخاطرة بتحمل كُلف باهظة، حتى لو لم تكن لديهما نية لبيعها، والأهم أن هذا العبث كله يجعل مجرد محاولة العمل معاً أمراً غير مشجع، فالأمر برمته يبدو سخيفاً، ولطالما قيل إن الفنون لا تعرف حدوداً، غير أن الحكومات تحرص، على النقيض من ذلك، على فرض هذه الحدود بأكبر قدر ممكن من العبث، وانعدام الجدوى.
سايمون موندي مؤلف ستة دواوين شعرية، وعدد من الكتب في السياسات الثقافية، إضافة إلى روايات وسير ذاتية، وشارك قبل 35 عاماً في تأسيس "المنتدى الأوروبي للفنون والتراث"، الذي يُعرف اليوم باسم ""Culture Action Europe، وهو مستشار لدى "جمعية المهرجانات الأوروبية"، ويكتب عن الموسيقى الكلاسيكية في "اندبندنت".
© The Independent