ملخص
وفقاً لأرقام مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، فإن العام الحالي يعد واحداً من أكثر الأعوام عنفاً حتى الآن بكل المقاييس، مع بلوغ متوسط عدد هجمات المستوطنين الإسرائيليين ست هجمات يومياً، أسفرت عن ضحايا أو أضرار وأثرت في أكثر من 230 منطقة في أنحاء الضفة الغربية، وتسببت في نزوح أكثر من 2200 فلسطيني.
بين سنابل القمح الذهبية المتمايلة في سهل الساوية جنوب مدينة نابلس شمال الضفة الغربية، وبينما ينهمك الرجال بالحصاد، تتولى الحاجة دلال العبد (85 سنة) مهمة ترديد الأغاني الشعبية الخاصة بموسم الحصاد، ليس فقط لشحذ الهمم والترويح عن النفس، بل تعبيراً عن الامتنان للأرض وخيراتها. فالموسم الذي يمتد من أواخر مايو (أيار) ويستمر حتى نهاية يونيو (حزيران)، يعتبر لدى معظم الفلسطينيين أحد أهم الفترات السنوية التي تعكس ارتباطهم بالأرض. وعلى رغم دخول الحصادات الميكانيكية التي غيرت معالم الحصاد في معظم دول العالم، لا تزال العبد وأبناؤها السبعة يصرون على الاحتفاظ ببعض الطقوس القديمة، إذ يحصدون جزءاً من الأرض يدوياً باستخدام المناجل، ليس لجمع القمح فقط، بل لاستعادة صلة مفقودة مع أرضهم التي تحيطها ثلاث مستوطنات إسرائيلية. ووسط ضحكات أحفادها الذين يركضون لجمع باقات صغيرة من السنابل المتساقطة، تفاجأت العائلة بمجموعة من المستوطنين الذين حاولوا منعهم من العمل في أراضيهم، وأضرموا النار في مساحات واسعة من الأراضي المزروعة بالقمح، فيما هم آخرون بسرقة أدواتهم الزراعية من معدات الحراثة وخزانات المياه، وسط مواجهات شهدتها المنطقة بحماية من قوات الجيش الإسرائيلي.
ووفقاً لأرقام مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، فإن العام الحالي يعد واحداً من أكثر الأعوام عنفاً حتى الآن بكل المقاييس، مع بلوغ متوسط عدد هجمات المستوطنين الإسرائيليين ست هجمات يومياً، أسفرت عن ضحايا أو أضرار وأثرت في أكثر من 230 منطقة في أنحاء الضفة الغربية، وتسببت في نزوح أكثر من 2200 فلسطيني. كذلك تظهر بيانات وزارة الزراعة الفلسطينية حتى اليوم، قتل المستوطنين أو سرقة 8 آلاف رأس من الماعز أو الغنم في الضفة الغربية، إضافة إلى تضرر 41 ألف شجرة زيتون بأيدي المستوطنين أو الجيش الإسرائيلي.
حريق متعمد
وتشير الأرقام الرسمية للحكومة الفلسطينية إلى أن المساحة المزروعة بالمحاصيل الحقلية في الضفة الغربية تبلغ نحو 217.2 مليون متر مربع منها نحو 101 مليون متر مربع مزروعة بالقمح، وهي تشكل نحو 46.5 في المئة من إجمالي المساحة المزروعة بالمحاصيل الحقلية في فلسطين، بحيث تتركز معظم هذه المساحات بنسبة 91.2 في المئة في الضفة الغربية، بينما تتوزع النسبة الباقية على قطاع غزة. وعلى رغم تقلص الأراضي المزروعة بالمحاصيل الحقلية بصورة كبيرة في الضفة الغربية، جراء تصاعد اعتداءات المستوطنين والجيش بما يشمل الحرق والتجريف ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، بخاصة في المناطق القريبة من المستوطنات والبؤر الاستيطانية، لا تزال الحقول المتبقية تشكل صموداً أساسياً للمزارعين الفلسطينيين، ليس فقط لأنها مصدر رزق لكثيرين منهم، بل لكونها تمثل مصدر الغذاء الأول لماشيتهم.
ووفقاً للمتحدث باسم وزارة الزراعة الفلسطينية محمود فطافطة، فقد أشعل المستوطنون في الآونة الأخيرة خلال موسم حصاد القمح ما لا يقل عن 127 حريقاً متعمداً استهدفت سهولاً وحقولاً زراعية في نابلس والأغوار ورام الله والخليل، مما أدى إلى تلف مئات الدونمات من محاصيل القمح والشعير الجاهزة للحصاد، كذلك تعمد المستوطنون حرمان مئات المزارعين الفلسطينيين من الوصول الى أراضيهم عبر تحويل المحاصيل المزروعة في المساحات القليلة المتاحة طعاماً لأبقارهم، وهو ما جعل مصدر رزق العائلات مهدداً بصورة دائمة، وأشار فطافطة إلى ضرورة استدعاء تدخل دولي لإنقاذ ما تبقى من هذا القطاع. وبحسب بيانات الوزارة، فقد تجاوزت خسائر المزارعين المباشرة جراء الحرائق خلال الأسابيع الأولى للحصاد في الضفة الغربية 600 ألف دولار.
تفكيك الأرض
وبحسب جمعية حماية المستهلك الفلسطينية، يبلغ متوسط استهلاك الفلسطينيين من القمح سنوياً بين 400 و450 ألف طن، بينما يتجاوز معدل استهلاك الفرد الواحد من القمح نحو 125 كيلوغراماً سنوياً، في حين لا يتجاوز الإنتاج السنوي من القمح بين 38 و42 ألف طن سنوياً. ووفقاً لبيانات الحكومة الفلسطينية، فقد وصلت نسبة العجر بين إنتاج واستهلاك القمح في السوق الفلسطينية بين 88 إلى 92 في المئة سنوياً. ويرى مراقبون أن توسع الاستيطان الرعوي الذي أحكم سيطرته على نحو 90 في المئة من مساحة الأغوار الفلسطينية، وقضم مساحات متزايدة من الأرض لصالح الاستيطان، كانا لهما دور كبير وحاسم في فقدان مساحات هائلة من الأراضي البعلية في الضفة الغربية، التي أدت إلى فقدان القمح وخسارة القش وحبوب الشعير التي يعتمد عليها مربو الثروة الحيوانية لتأمين الأعلاف طوال العام.
وكشفت دائرة شؤون المفاوضات في "منظمة التحرير الفلسطينية" العام الماضي، عن خريطة تظهر أن 44.5 في المئة من أراضي الضفة الغربية باتت خاضعة للسيطرة الإسرائيلية. فيما أشارت وزارة الزراعة إلى أن كثيراً منها أراض مروية أو عالية الإنتاجية، وهو ما أدى إلى تراجع مساهمة الزراعة بالناتج المحلي الفلسطيني، من نحو سبعة إلى قرابة خمسة في المئة. ووفقاً لما وثق لدى جهات رسمية، فإن الخسائر المباشرة جراء مصادرة الأراضي في الأغوار الشمالية والوسطى، ومحيط رام لله وسلفيت وبيت لحم العام الماضي بلغت 103 ملايين دولار. وعلى رغم أن مساحة الأراضي البعلية القابلة للزراعة في الأغوار الشمالية تصل إلى 50 مليون متر مربع، إلا أن الفلسطينيين لا يزرعون سوى 20 مليون منها بسبب التدريبات العسكرية للجيش الإسرائيلي في المنطقة، التي يتخللها إطلاق الذخيرة الحية وقنابل دخانية تتسبب على الدوام بإتلاف المزروعات وإحراقها.
تحرك عالمي
وفي الوقت أعلن فيه وزراء خارجية أستراليا وكندا وفرنسا والنرويج وبريطانيا فرض عقوبات على شبكات تمكن لعنف المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية، أكدت منظمة العفو الدولية في بيان نشر أخيراً أن التسارع الحاد في وتيرة "التطهير العرقي الذي تمارسه إسرائيل في حق الفلسطينيين في الضفة يجب أن يدفع إلى تحرك عالمي عاجل لوقف ضم الضفة الغربية، وقطع الدعم عن إسرائيل ونظامها العنصري".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في حين أفادت حركة "السلام الآن" اليسارية الإسرائيلية بأن حكومة بنيامين نتنياهو مررت أخيراً مخططات لبناء 69 مستوطنة بالضفة الغربية، وخصصت لها 51 مليون دولار. وبحسب رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان مؤيد شعبان، فإن اعتداءات المستوطنين منذ مطلع عام 2026 بلغت 2567 اعتداء، وأسفرت خلال مايو (أيار) عن مقتل فلسطينيين اثنين، وهو ما يرفع عدد الفلسطينيين الذين قتلوا على يد مستوطنين منذ بداية العام إلى 17، مشيراً إلى أن اعتداءات المستوطنين خلال الشهر الماضي شملت 380 عملية تخريب وتجريف للأراضي، و78 عملية مصادرة وسرقة لممتلكات فلسطينية، إلى جانب اقتلاع وتخريب وتسميم 7222 شجرة، بينها 3317 شجرة زيتون. كذلك أفاد بأن المستوطنين حاولوا إقامة 12 بؤرة استيطانية جديدة خلال الشهر الماضي، معظمها ذات طابع زراعي ورعوي، تركزت في محافظات نابلس وسلفيت والخليل وبيت لحم ورام الله وقلقيلية.
ويرى مراقبون أن سياسة المستوطنين في الضفة الغربية خلال الأعوام الأخيرة هي استراتيجية ممنهجة لفرض واقع ديموغرافي واقتصادي جديد ومعقد أمام الفلسطينيين وليس مجرد اعتداءات متفرقة، تهدف بصورة أو بأخرى لإضعاف قدرة المزارعين الفلسطينيين الذين يعتمدون على الزراعة والرعي، وتحديداً في المناطق المصنفة (ج)، فخسارة ما تبقى من محاصيل الزراعة البعلية لا يتبعها خسارة في القمح فحسب، بل خسارة في القش والشعير اللازمين لإعالة الثروة الحيوانية، وهو ما يعني تفريغ الأرض من الوجود الفلسطيني والتضييق على المزارعين في مصادر رزقهم الوحيدة.