Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا ماتت إسبرطة وعاشت أثينا؟

عوامل عديدة أفقدت المدينة الإغريقية الأكثر قوة وعدوانية مكانتها ودورها وذكرها

إسبرطة مساواة على الطريقة الطبقية (الموسوعة التاريخية)

ملخص

لعل في مقدورنا منذ الآن أن نحدد فارقاً أساسياً بين المدينتين اللتين عاشتا طوال تاريخهما القديم تنافساً عسكرياً غير متكافئ، ولكن يقابله تفاوت معاكس تماماً، في المسار الأكثر معنوية: في المسار الفكري.

سؤال بسيط: مقابل ألوف المرات التي تذكر فيها مدينة أثينا وحتى في الحياة اليومية للناس العاديين، وحتى أيضا في أيامنا هذه، كم عدد المرات التي تذكر فيها المدينة الإغريقية الأخرى التي كانت منافستها الرئيسة في زمن بات يفصلنا عنه الآن ما لا يقل عن ألفيتين ونيف من السنين: ونعني بها طبعاً إسبرطة التي كانت في تلك الأزمنة نوعاً من بعبع مخيف، في الأقل بالقسم الشرقي من البحر الأبيض المتوسط؟.

الجواب أكثر بساطة: بالكاد تذكر إسبرطة وبالكاد يهتم أحد بموقعها وتاريخها وإجازاتها. فأثينا عاشت بكل ما للكلمة من معنى، وبالكاد يذكر أحد اليوم غريمتها وقاهرتها التي تبدو اليوم منسية تماماً. ولعل حسبنا أن ننقل دائماً، على سبيل المثال عن الفيلسوف ألفريد نورث وايتهيد ما قاله يوماً من أن كل فلسفة العالم منذ أزيد من ألفي سنة تبدو وكأنها هوامش على ما كتبه الأثيني أفلاطون، لكي ندرك لب الحكاية.

ونفهم لماذا لا تزال أثينا ماثلة بيننا بينما تغيب إسبرطة تماماً. ومن هنا إذ يعد صدور مؤلف جديد عن أثينا حدثاً عادياً، ينظر إلى صدور ما يماثله عن إسبرطة بوصفه أمراً استثنائياً قد يدعو إلى العجب وطرح التساؤلات.

وهكذا كانت الحال قبل ما يزيد على عقد من السنين حين فوجئت الحياة الثقافية الفرنسية بصدور كتاب يحمل عنواناً بسيطاً هو "إسبرطة" فظنت أن ثمة خطباً ما أو مناسبة أغلقت على البسطاء، لكن الأمر لم يعد كونه تذكيراً بتاريخ ما، لم يعد أحد في حاجة لتذكره خارج إطار الحلقات الضيقة من المؤرخين الجامعيين.

بين الفضيلة والقسوة

أتى الكتاب حينها يحمل عنواناً ثانوياً هو "التاريخ الاجتماعي والسياسي لمدينة إغريقية حتى الاحتلال الروماني". ولعل الغريب في الأمر أن الرومانيين كما يخبرنا الكتاب، قد تمكنوا من احتلال تلك المدينة ذات يوم وهي التي كانت تعتبر حاضرة منيعة لا يمكن لأية قوة في تلك المنطقة من العالم أن تقهرها، على عكس أثينا التي كانت تبدو دائماً، بضعفها العسكري و"ضلالها" الأخلاقي، وكأنها دعوة للآخرين للنيل منها.

ولعل في مقدورنا منذ الآن أن نحدد فارقاً أساسياً بين المدينتين اللتين عاشتا طوال تاريخهما القديم تنافساً عسكرياً غير متكافئ، ولكن يقابله تفاوت معاكس تماماً، في المسار الأكثر معنوية: في المسار الفكري.

 

ومن هنا، إذا كانت إسبرطة قد حرصت دائماً على أن تكون منيعة، فما هذا إلا لأن انفراط صمودها يوماً كان معناه زوالها، في الأقل ككيان مستقل ذي سيادة يرعب الآخرين، فيما نعرف في المقابل أن أثينا كانت على العكس من ذلك تماماً: كان لديها من المكانة الفكرية والمناعة العقلية ما يجعلها غير مبالية بأن تقدم قوات أجنبية، بما فيها القوات الإسبرطية، على غزوها لأن عملية الغزو نفسها كان من سماتها أن تنقلب تماماً ما إن تنجز، فيصبح المغزو غازياً بالفكر والعقل، ويتحول الغازي إلى مستعمَر - بفتح الميم - لأن سلاحه القوة والقسوة والضراوة، وهو سلاح يستنفد بسرعة حتى ولو زينته كل أنواع الفضائل مقابل ضلال البلد والشعب اللذين جرى احتلال أرضهما ولكن ليس عقولهما. وذلكم هو جوهر الحكاية كلها. وربما كذلك الدرس التاريخي الذي من فضائل الكتاب الذي نحن في صدده هنا أنه يعيد التذكير به عبر مثلين متجابهين فيهما الإجابة القاطعة على السؤال الذي افتتحنا به هذا الكلام: أثينا وإسبرطة اللتان تمثلان "الفضيلة" مقابل "الانحراف"، والعضلات مقابل العقل... وبالتالي التاريخ المتحرك مقابل الماضي المنقرض!

درس لكل الأزمنة

ذلكم هو، إذاً، جوهر هذا الكتاب كما صاغه مؤلفه المؤرخ الفرنسي إدموند ليفي، فهو ينظر إلى الزمن الحديث، ولكن منطلقاً مما سماه أمثلة المؤرخين لذلك الكيان السياسي الذي يفيدنا أولئك المؤرخون، كذلك يخبرنا في الصفحات الأولى من كتابه، أن النموذج السياسي الذي بنت عليه إسبرطة كيانها كان قائماً على المساواة. ولكن على أية مساواة؟

ببساطة على "مساواة" توزع المجتمع طبقياً إلى ثلاث فئات وراثية أولها الإسبارطيون الأقحاح الذين يحق لهم وحدهم أن يحكموا ويتمتعوا، بالتساوي، بالخيرات والحقوق السياسية وتكون لهم كلمة في ما يحدث، والبيريون وهم رجال أحرار لكنهم لا يمارسون أية سلطة، وأخيراً الهيلوت وهم أقرب إلى أن يكونوا عبيداً يقومون بالأشغال الشاقة والحراسة والحروب من دون أن تكون لهم أية حقوق أو كلمة. والمهم أن كلاً من تلك الطبقات أو الفئات الثلاث، تعرف في داخل صفوفها نوعاً من المساواة، وتعيش إجمالاً نوعاً من التوازن تضمنه سلطة المدينة التي كانت من الرسوخ بحيث أن هذه لم تحتج إلى بناء أسوار من حولها ولا إلى أن تعرف منافسة تجارية. فهي كانت لا تخشى غزواً ولا منافسة. تحصل على ما تريد حتى من دون أن تخوض حروباً حقيقية. ومن دون أن يكون لديها فلاسفة أو مفكرون. فإذا أنتجت الصدفة واحداً من هؤلاء نراه يرحل إلى أثينا أو غيرها للعيش حيث يمارس تفكيره و"انحرافه".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولقد عرفت إسبرطة بالتالي ازدهاراً قائماً على توازن رعب لا مثيل له في تلك الأزمنة. لكنه حتى وإن كان قد تواصل عدة قرون فإن الأمر انتهى به.

ثمن التناقضات

ففي نهاية الأمر كان على إسبرطة أن تدفع ثمن الازدهار والقسوة والفضيلة مع مجيء أزمنة جديدة لم يعرف ملوكها كيفية التعامل معها. أو ربما كيفية إقامة التأقلم بين منظومة الحكم فيها وبين ما بدأ يغزوها من أفكار آتية من الخارج سرعان ما اكتشفت نقاط ضعفها فاشتغلت عليها من دون أن تكون المدينة مهيأة لمجابهتها فكرياً في وقت بدا واضحاً أن المجابهة باتت فكرية.

هنا التفتت إسبرطة فلم تجد أفلاطوناً واحداً ولا أرسطو جاهزاً للتفكير محل سياسيين استرخوا أمام ثقتهم الزائدة بأنفسهم وبقوتهم العسكرية. ولم يكن ذلك لوهن أصاب تلك القوة بل لأن المسألة باتت مسألة صمود فكري لا بد منه. ومن أين كان يمكن لإسبرطة أن تنهل ذلك الصمود وقد تغير العالم وتغيرت أرضية المعركة؟.

صحيح أن إسبرطة تمسكت بنوعية المساواة التي كانت قد صنعت مجدها وقوتها بتقسيمها الثلاثي، لكن المعركة وأسلحتها لم تعد من خلال تلك التقسيمات، بل من خلال التماشي مع عصور متبدلة. ذلك التماشي نفسه الذي سوف يتحدث عنه ابن خلدون لاحقاً وإنما في مجالات اخرى.

ومن هنا، بينما كانت أثينا تتمادى مع انحرافاتها وهي تملك ضمانة فكرية وتاريخاً عقلياً، راحت إسبرطة تتدهور، من دون أن يعني ذلك زوالها من الوجود. كان يعني نسيانها التام في زاوية من ذلك الوجود فيما عرفت أثينا كيف تحافظ على حصتها فيه ولو بفضل نتاجاتها الفكرية المنحرفة الضالة في عالم لا يمكن للفضيلة، مهما كانت قوتها أن توجد مكاناً فيه لمن لا يملكون لفرضه سوى عضلاتهم.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة