Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

زراعة الصمود في غزة: ري تقشفي وتبادل البذور لضمان استمرارية الغذاء

تواجه النساء أخطار الاستهداف المباشر أو التعرض لخطر الأجسام المشبوهة فالأرض مليئة بمخلفات الحرب والقذائف التي لم تنفجر

 اضطرت نساء غزة إلى العمل في القطاع الزراعي بسبب الظروف القاسية التي خلفتها الحرب (أ ف ب)

ملخص

المزارعات يتبادلن بذور الجرجير مقابل بذور البقدونس أو البصل لضمان تنوع المحاصيل في مساحاتهن الصغيرة، ويؤكدن أن هذه العملية حولت كل حبة بذر إلى كنز حقيقي يحافظ عليه لضمان استمرارية الغذاء.

قبل أن يظهر الخيط الأبيض في سماء غزة، تستيقظ فخرية في جو بارد ورطب وعلى وقع صوت طائرة الاستطلاع الإسرائيلية التي لا تهدأ، تخرج من خيمتها وبيدها إبريق بلاستيكي مكسور جمعت فيه مياه غسل وجوه أطفالها، ونحو مشتلها الصغير الذي غرست خضاره بيدها تشق طريقها.

بين أنقاض مدينة خان يونس جنوب غزة استصلحت فخرية مساحة صغيرة وقررت أن تزرعها الملفوف بنفسها، وكل يوم قبل بزوغ الفجر في وقت يلفه الحذر والهدوء المشوب بصوت الزنانات، تخرج من خيمتها وهي تلف شالها بإحكام، وتحمل بيدها غالون ماء صغيراً وفأساً قديمة.

داخل الحقل

في زجاجة صغيرة مثقوبة الغطاء، فرغت فخرية القليل من الماء وبدأت تروي الشتلات قبل أن تشتد الشمس وتتبخر المياه الشحيحة. وتستغل هذا الوقت لأن التحرك في المشتل يكون أقل عرضة للرصد المباشر، لا تسكب الماء عشوائياً بل تضع الغطاء المثقوب لزجاجة الماء فوق كل نبتة، وتسقيها بقطرات محسوبة كأنها تسقي طفلاً رضيعاً. تخاطب ملفوفها الذي نبت بجانبه جرجير وبقدونس "اشربي يا يما، هاد اللي قدرنا نوفره اليوم".

في التربة غرست السيدة أم سامر أصابعها المتشققة لتزيح شظية زجاج صغيرة من جانب شتلة الجرجير، وعلى عجالة تحمل المنكاش اليدوي لتقليب التربة الممزوجة بالغبار والأسمنت، تضيف "أفعل ذلك لإيجاد مسام تتنفس منها النبتة"، لتكمل عملها في الزراعة بعينين غائرتين وأذنين ترصدان وتتحسبان لأي صوت غريب في السماء.

إذا وجدت السيدة فخرية أم سامر بقايا طعام أو قشور خضراوات من معلبات المساعدات تطحنها وتدفنها حول الشتلات كسماد عضوي بديل، في محاولة يائسة لتعويض غياب الأسمدة الكيماوية، توضح أن العمل في الزراعة مهمة شاقة على نساء غزة بخاصة في الظروف الحالية بعد الحرب.

عودة ليست غريبة

بسبب الظروف القاسية التي خلفتها الحرب، اضطرت نساء غزة إلى العمل في القطاع الزراعي، ليس كمساهمات فقط، وإنما كمعيلات أيضاً، وتعد هذه الجهود النسائية جزءاً من اقتصاد الصمود الذي يحاول الحفاظ على ما تبقى من الأمن الغذائي في القطاع.

طاول الدمار الهائل الذي خلفته الحرب الإسرائيلية على غزة نحو 87 في المئة من الأراضي الزراعية. وعلى رغم كل ذلك فإن المزارعات عدن لإحياء الأرض كفعل صمود لمواجهة انعدام الأمن الغذائي، إذ عملن على استصلاح الأراضي بعدما دمرتها القوات الإسرائيلية، في محاولة لإعادة الحياة للمشاريع الزراعية الصغيرة، كذلك برزت مبادرات لزراعة عتبات المنازل واستخدام الأصيص لمواجهة سياسة التجويع وتوفير الحد الأدنى من الغذاء.

ولا يعد لجوء نسوة غزة للزراعة غريباً، إذ تعد السيدات جزءاً أصيلاً من القطاع الزراعي في غزة تاريخياً، وليس فقط بعد الحرب، إذ تشير بيانات جهاز الإحصاء الفلسطيني إلى أن 40 في المئة من النساء يسهمن في العمالة الزراعية، ويعملن في المناطق الريفية حيث تعتمد العائلات كلياً على النساء في زراعة المحاصيل الموسمية مثل البندورة والبطاطس.

لكن الفرق الجوهري في عمل لجوء المرأة للزراعة بعد الحرب أن عملهن انتقل من كونه مساهمة في دخل الأسرة إلى المصدر الوحيد للبقاء، وبدلاً من الزراعة في مساحات واسعة وآمنة، أصبحن يزرعن وسط الركام وفي ظروف أمنية بالغة الخطورة.

تعلم جديد لأسباب الحرب

ما إن تبدأ الشمس بالبزوغ، ومعها يبدأ غبار المدينة المدمرة بالتصاعد، تفتح هداية سحارة بلاستيكية قديمة زرعت فيها الفجل، وتبدأ بقطف الأوراق العريضة بعناية من دون أن تقتلع الجذور، وبينما تستنشق رائحة الفجل الطازج تنكسر في أنفها رائحة المعلبات والحرائق المحيطة وتغسل روحها لثوانٍ معدودة.

تقول "بسبب الحرب أصبحت كثير من النساء هن المسؤولات الوحيدات عن توفير لقمة العيش بعد فقدان المعيل، وهي من تقود العمل الميداني الزراعي الشاق، وتتحمل عبء تسويق الخضراوات البسيطة في الأسواق الشعبية لتوفير سيولة نقدية للأسرة".

لم تكن هداية تعلم أي شيء عن الزراعة من قبل، تضيف وهي تضرب المنجل بالأرض "تعلمت بالتجربة، بعد مقتل زوجي في الحرب شعرت أن الأرض أصبحت مسؤوليتي مثل أطفالي، وعندما بدأت في الفلاحة كنت أستيقظ وأنا خائفة، لكن إن لم أعمل لن يجد أطفالي طعاماً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

قبل الحرب تدور حياة هداية بين تربية الأطفال ومتابعة دراستهم، بينما يتكفل الزوج بكل ما يتعلق بالأرض والزراعة، لكن ذلك تغير تؤكد الأم المثابرة أن عمل المرأة المزارعة في غزة هو خط الدفاع الأول ضد المجاعة ورسالة صمود لإثبات أن الأرض لا تزال تنبض بالحياة على رغم الدمار.

في حقل صغير آخر زرعته نجاح بالبقدونس والنعنع والجرجير والريحان، تبدأ الفلاحة قطف الأوراق الخضراء التي نضجت، وتضع ضمات الخضرة في حجر ثوبها المطرز الذي بهت لونه من النزوح، تقول السيدة "هذا وقت الفرح الممزوج بمرارة، فكل ورقة خضراء هي انتصار على الجوع والحرب والدمار".

محاصيل بسيطة

تركز نجاح حالياً ومعظم النسوة المزارعات في غزة على المحاصيل الورقية السريعة النمو، وتعزو نجاح السبب لأنها لا تحتاج إلى مساحات شاسعة أو فترات انتظار طويلة، تضرب مثالاً "الجرجير والفجل ينموان خلال 20 إلى 30 يوماً فقط، وهما الأكثر طلباً لتعويض نقص الخضراوات الأساسية".

وتشرح "البقدونس والجرادة تستخدمان بكثرة في المطبخ الغزي، وهي نباتات تتحمل الظروف البيئية الصعبة ونقص الأسمدة، وكذلك البصل الأخضر لأنه يزرع بسهولة ويشكل مصدراً غنياً بالفيتامينات في ظل غياب الفواكه".

في الواقع، هذه المحاصيل تسمى حالياً بزراعة الصمود، لأنها تعتمد على بذور مستخلصة يدوياً ومياه قليلة جداً، وها هي نجاح تأخذ بذور الفلفل التي استخلصتها من غذائها، وتضعها فوق قطعة قماش لتجف وتهمس للأرض: "صامدين يا أرضنا".

ثمة طرق أخرى غير استخلاص البذور يدوياً تلجأ إليها نجاح للحصول على البذور، مثل مقايضة البذور حيث تتبادل المزارعات بذور الجرجير مقابل بذور البقدونس أو البصل لضمان تنوع المحاصيل في مساحاتهن الصغيرة، تؤكد أن هذه العملية حولت كل حبة بذر إلى كنز حقيقي يحافظ عليه لضمان استمرارية الغذاء.

الري التقشفي

حرفة الزراعة للنسوة معقدة ومليئة بالتحديات، ولعل البحث المضني عن المياه من أكثر الصعوبات التي تواجه سميرة، فهي تضطر إلى نقل المياه يدوياً لمسافات طويلة لري المزروعات الصغيرة بسبب تدمير شبكات الري والآبار بالكامل.

تقول سميرة "تعتمد النساء في غزة على طرق تقشفية ومبتكرة لري محاصيلهن في ظل الانقطاع التام للمياه، أنا أعيد تدوير المياه الرمادية، إذ أعمل على تجميع مياه غسل الخضراوات أو حتى مياه الاستحمام واستخدامها لري المزروعات".

تحمل سميرة إبريق ماء في يدها وتسحب منه القليل بواسطة حقنة طبية وتروي بها جذر النبتة لضمان عدم إهدار أي قطرة. توضح أن تلك المياه عملت على تجميعها من الأمطار إذ استخدمت شوادر الخيام والأسطح المائلة لتجميع مياه الشتاء في أوعية بلاستيكية كبيرة لاستخدامها لاحقاً في الزراعة، مشيرة إلى أن هذه العملية الشاقة تجعل من كل ورقة خضراء تنبت بمثابة معجزة تحتاج إلى مجهود ضخم.

بعد تقليص مساحة غزة عقب سيطرة الجيش الإسرائيلي على 58 في المئة من أراضيها، اضطرت النساء إلى الزراعة في كل شبر متاح، وقد تحولت أماكن الزراعة من الحقول المفتوحة إلى مساحات اضطرارية تفرضها ظروف الحرب.

طريقة اختيار مكان الزراعة

وسام مزارعة استصلحت أكثر من مكان لغرس الأرض، تقول "أزرع في محيط الخيام، أستغل المساحات الضيقة جداً بين الخيام لزراعة أحواض صغيرة من الورقيات. زرعت فوق الركام في المناطق المدمرة، وغرست فوق الأسطح والشرفات والأخطر بالقرب من الخط الأصفر، هذا على رغم خطر القصف المباشر".

تتبع وسام استراتيجية ذكية لاختيار أماكن الزراعة، تضيف "يجب أن يجمع المكان بين توفير البيئة المناسبة للنبات وتأمين الحماية الشخصية. عادة أختار الزوايا المحمية بالركام حيث توفر مصدات للرياح القوية وحماية نسبية من الشظايا، وفي الوقت ذاته تضمن وصول ضوء الشمس لساعات عدة يومياً".

وأيضاً تغرس وسام بالقرب من مصادر المياه الرمادية لتقليل مسافة حمل أوعية المياه الثقيلة المستخدمة في الري، لكنها تتجنب المساحات المكشوفة تماماً باعتبار أنها تكون هدفاً سهلاً للطائرات المسيرة أو القناصة.

ولتحويل الأنقاض إلى مساحات صالحة للزراعة تقوم وسام بخطوات شاقة تبدأ بإزالة الأنقاض يدوياً إلى حين استخراج التربة الأصلية، وفي حال كانت الأرض غير قابلة للإصلاح، يقمن بنقل كميات بسيطة من التربة الصالحة من أماكن بعيدة وتعبئتها في أوعية بلاستيكية.

أما التسميد فهو طبيعي بسبب انعدام الأسمدة الكيماوية، تعتمد وسام على السماد العضوي المحضر من بقايا الطعام القليلة أو فضلات الطيور والمواشي ويتم خلطها بالتربة لزيادة خصوبتها، كذلك يعملن على بناء حواجز بحجارة الركام لتحديد مملكة صغيرة خضراء وسط السواد. تؤكد السيدة أن هذه العملية تستغرق أياماً من الجهد البدني المرهق لتهيئة مساحة لا تتجاوز بضعة أمتار مربعة.

أدوات بدائية وتسويق عشوائي

تعتمد نساء غزة على أدوات بدائية ومبتكرة لتسيير عملهن الزراعي، تستخدم هند الفأس والمنكاش اليدوي لقلب التربة وإزالة الحشائش، والحقن والزجاجات المثقوبة للري الدقيق، وشباك الصيد الممزقة والنايلون لتحويلها لدفيئات لحماية المزروعات من الطيور وحرارة الشمس العالية، ولقطف المحاصيل الورقية تستخدم المقصات اليدوية والسكاكين، وأيضاً عربات الجر اليدوية.

في غزة عدد كبير من المزارعات، قبل الحرب كان القطاع الزراعي من أهم المشغلين للنساء، إذ قدرت منظمة الأغذية والزراعة "الفاو" وجود نحو 13 ألف مزارعة يمتلكن أراضي أو يعملن بأجر في المزارع، بينهن 3 آلاف ريادية مزارعة يقدن مشاريع زراعية صغيرة ومتوسطة، أما بعد الحرب فلا تتوفر أرقام دقيقة حول النسوة المزارعات.

تسوق الفلاحات المنتجات الزراعية البسيطة في خيام النزوح وعن طريق البيع المتجول للأطفال أو في الأسواق العشوائية. ويعد هذا اقتصاداً شعبياً، فهذا النشاط ليس مجرد تجارة بل هو دورة حياة متكاملة تحاول النساء من خلالها كسر الحصار المفروض على الغذاء.

التحديات لا تنتهي

يقول رئيس الاتحاد العام للفلاحين في غزة خالد أبو زر "الحرب الأخيرة خلفت واقعاً جديداً على النساء العاملات في القطاع الزراعي، فقد ارتفع عدد المنخرطات في هذا المجال بصورة كبيرة، لذلك عملنا خلال تلك الفترة على صقل مهارات النساء من خلال مشاريع نسوية لدمجهن وتعزيز دورهن الاقتصادي".

ويضيف "تواجه المزارعات أخطاراً هائلة عند العمل في الزراعة، فهن عرضة للاستهداف المباشر أو التعرض لخطر الأجسام المشبوهة، إذ تمتلئ الأراضي الزراعية بمخلفات الحرب والقذائف التي لم تنفجر، مما يجعل حرث الأرض أو تنظيف الركام مغامرة قد تؤدي إلى الموت أو بتر الأطراف".

ويوضح أن المزارعات يعانين استنشاق الغازات السامة الناتجة من القصف، وتلوث التربة والمياه الجوفية بمواد كيماوية ضارة أثرت في جودة المحاصيل وصحة المزارعات، وأيضاً غياب المدخلات الزراعية، فهناك انعدام تام للأسمدة والمبيدات والبذور المحسنة.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير