ملخص
تواصل "الدعم السريع" انتهاكاتها بحق المواطنين العزل في مدينة النهود كبرى مدن غرب كردفان، وبث حال من الرعب داخل المدينة وقطع الطرقات حولها، والاعتداء المباشر على السكان بالضرب بالسياط في الشوارع والأسواق.
بعدما كان يُعرف تاريخياً لدى السودانيين بـ"كردفان الغرة أم خيراً جوة وبرة"، أي الغنية بالخيرات في باطن الأرض وظاهرها، في إشارة إلى وفرة أرضها ومواردها وكرم أهلها، تبدو اليوم في صورة معكوسة تماماً بعد أن تحول الإقليم على مدى أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب إلى واحدة من مناطق العالم الأعلى مستويات من حيث انعدام الأمن الغذائي الحاد والنزوح القسري، ليظهر سؤال ملح حول كم تبقى من مقومات الحياة في إقليم كان يفترض أن يكون واحداً من سلال غذاء السودان، وكيف تحول إلى منطقة جائعة خائفة ومشردة نتيجة مئات الاشتباكات وعشرات المعارك الكبيرة التي لا تزال تدور هناك؟
مئات المعارك
وثقت تقارير أممية ودولية نحو 300 إلى 400 حدث قتالي كبير من المعارك والاشتباكات في ولايات الإقليم الثلاث، مع عدد أكبر بكثير من الحوادث الصغيرة والهجمات المتفرقة، وتقدير أعداد القتلى بنحو 3 إلى 5 آلاف قتيل كحد أدنى.
وباتت حياة مئات الآلاف في الإقليم وفق تحذيرات أممية، على المحك في ظل عرقلة وصول الإمدادات والمساعدات الإنسانية وعدم وصول إنساني عاجل وآمن ومستدام، بعد أن حولت الحرب المستمرة الإقليم من مركز استراتيجي للإنتاج الزراعي والحيواني والصمغ العربي، إلى ساحة للقتال دمرت فيها البنية التحتية والمرافق الحيوية وتعطلت سلاسل الإمداد، وحولت بلدات ومدناً كانت تعج بالحركة التجارية إلى ساحات للقتال أو بقع محاصرة بآلة الحرب.
لم تقتصر مأساة إقليم كردفان بحسب متخصصين ومراقبين، على عدد القتلى والنازحين فقط، بل بفقدان قدرته على الإنتاج بعد أن ضربت الحرب دورة الحياة الأرض والإنسان والإنتاج والأسواق وطرق التجارة، مع غرق السكان في دوامة النزوح والفرار، وعجز المزارعين عن الوصول إلى حقولهم وفقدان الرعاة لمواشيهم، فضلاً عن خسارة الإقليم لأحد أهم موارده الاقتصادية بعد توقف إنتاج محصول الصمغ العربي وتراجع عمليات حصاده.
إفراغ من السكان
مع اتساع دائرة المواجهات خلال الفترة بين عامي 2025 و2026، كشفت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن القتال في ولايات الإقليم أفرغ مناطق النزاع تماماً من السكان، بفرار نحو 90 في المئة من المدنيين من بعض المناطق، مع توثيق حالات حرق متعمد لقرى بكاملها في شمال كردفان.
وسجلت المنظمة الدولية للهجرة ما يقارب 294 حادثة عنف أسفرت عن نزوح أكثر من 219 ألف شخص، خلال فترة التصعيد الأخيرة منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إلى 23 يونيو (حزيران) الماضي وحدها.
وحذر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في السودان "أوتشا"، من أن القتال في كردفان أدى إلى نزوح واسع النطاق وقطع وصول المساعدات الإنسانية، فيما أدى القصف المكثف في الأسابيع الأخيرة إلى تفاقم الأزمة الإنسانية ليجد آلاف المدنيين أنفسهم محاصرين من دون طعام أو مياه أو رعاية طبية، ليصبح الإقليم واحدة من مناطق أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي الحاد والنزوح القسري في العالم.
تعقيدات تقاسم السيطرة
في السياق، يرى الباحث الأمني والعسكري عزالدين أبوطالب، أن تكرار تبادل السيطرة الميدانية وتوزعها بطريقة معقدة بين الجيش و"الدعم السريع" و"الحركة الشعبية/ شمال" بقيادة عبدالعزيز الحلو داخل ولايات الإقليم، شكل دوامة العنف والدمار في مناطق تكررت فيها دورة القتال والنهب والتخريب أكثر من مرة، مثل ما حدث في مناطق بارا وما حولها من القرى التي دمرت وهجرت تماماً وانتهت كل أسباب الحياة فيها.
وبذلك وفق أبوطالب، يسهم تشتت خريطة السيطرة وتحركها في ولايات الإقليم ما بين سيطرة الجيش على الأجزاء الشمالية من ولاية شمال كردفان، ووجود "الدعم السريع" بمناطق متفرقة من نفس الولاية، إلى جانب استمرار نيران الغارات الجوية للطيران التقليدي والمسير من الجانبين، في إغراق جغرافيا المنطقة بموجات متصلة من المعارك والعنف وما يتبعه من عمليات قصف وتدمير لم تنج منها المرافق الخدمية أو الأعيان المدنية.
يوضح الباحث الأمني أنه مع سعي قوات "الدعم السريع" لتوسيع سيطرتها على مناطق حيوية واستراتيجية في غرب كردفان لجعلها نقطة ارتكاز لعملياتها في الإقليم، لجأت لمهاجمة القرى والتحصن داخل المزارع وقطع الطرق في أجزاء واسعة من غرب كردفان، بينما تتقاسم تلك القوات مع حليفتها "الحركة الشعبية/ شمال" النفوذ مع الجيش في مناطق متعددة من ولاية جنوب كردفان.
معاناة ممتدة
لا يتوقف الأمر عند معاناة وأخطار النزوح من مناطق غرب كردفان، فحسب، إذ تتواصل المعاناة وتمتد إلى داخل معسكر النزوح بمدينة الأبيض التي تضم أكثر من مليوني شخص كأحد مظاهر مأساة الإقليم، في الوقت الذي يتخوف ناشطون من تفاقم الأزمة بسبب الأعداد الكبيرة للنازحين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبحسب متطوعين داخل مدينة الأبيض، فإن الأوضاع داخل معسكر النزوح في المدينة لا تزال تواجه موجة كبيرة من الوافدين في ظل الأمطار وفصل الخريف ومساعدات غير كافية مقارنة مع كثافة أعداد النازحين، بينما لا تزال انتهاكات الميليشيات في مناطق غرب كردفان تدفع بالآلاف إلى الفرار والنزوح هرباً من بطشها المتواصل بهم.
وأشارت مصادر ولائية إلى اتساع مستمر لمعسكر النازحين الرئيس في العاصمة الولائية (الأبيض) خلال الأسبوعين الماضيين، نتيجة تواصل موجات تدفقات النزوح عقب التصعيد والمعارك الأخيرة في جنوب غربي المدينة.
قسوة المأساة
على صعيد متصل، يوضح المتخصص في "بناء السلام والتنمية"، عادل عبدالله حسين، أن إقليم كردفان اليوم بات في قلب واحدة من أكثر المآسي الإنسانية قسوة في السودان، إذ لم تكتفِ الحرب بتدمير المدن والقرى، بل أصابت مصادر الحياة نفسها، بتدمير الحقول والأسواق وطرق التجارة ومصادر المياه ومرافق الصحة وشبكات الإمداد، ومع اتساع رقعة القتال، تحول الإقليم تدريجاً من مساحة لإنتاج الغذاء إلى مسرح تتقاطع فيه أخطار الجوع والنزوح والعنف وانهيار الخدمات.
لم تعد أزمة إقليم كردفان كما يرى حسين، أزمة غذاء عابرة، بل تجذرت في منظومة الحياة نفسها، فحين تُغلق الطرق وتتوقف الأسواق ويُهجر المزارعون وتنهار الخدمات الصحية، يصبح الجوع نتيجة طبيعية للحرب، وليس حدثاً منفصلاً عنها بأي حال. بل حتى في المدن المحاصرة تتخذ الأزمة وجهاً أكثر قسوة، ففي مدينة الأبيض مثلاً، أصبح السكان يعيشون تحت تهديد الضربات بالطائرات المسيّرة، بينما تواجه الأسر النازحة نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات الأساسية.
الثمن الباهظ
يتابع: "تشير الأمم المتحدة إلى أن منطقتي دارفور وكردفان أصبحتا الآن من أكثر مناطق السودان تأثراً بانعدام الأمن الغذائي الحاد، فيما أكدت تقاريرها وجود ظروف مجاعة في كادقلي جنوب كردفان، لكن المأساة لا تكمن فقط في نقص الغذاء، وإنما في انهيار القدرة على الوصول إليه، فالمزارع الذي فقد أمنه لا يستطيع الوصول إلى حقله، والتاجر الذي تعطلت الطرق لا يستطيع نقل السلع، والأسرة النازحة التي فقدت مصدر دخلها تصبح أكثر اعتماداً على المساعدات".
يشير المتخصص في "بناء السلام والتنمية" إلى أن التصعيد في كردفان أدى إلى موجات جديدة من النزوح، بحيث أصبح النزوح المتكرر جزءاً من حياة آلاف الأسر يتنقلون عبر طرق محفوفة بالأخطار بحثاً عن مناطق أكثر أمناً. فالإقليم يدفع اليوم ثمناً باهظاً لحرب لم يبدأها، وتتشكل فيه مأساة إنسانية صامتة في أرض قادرة على إطعام الملايين، لكن أهلها أُجبروا على ترك منازلهم ويواجهون الآن الجوع والنزوح.
ويقول حسين في الختام "السؤال لم يعد حول كم شخص بات يحتاج إلى الغذاء في كردفان؟ بل عما تبقى من مقومات الحياة في أرض هذا الإقليم التي كان يفترض أن تكون واحدة من سلال غذاء السودان، ولطالما ارتبط اسمها في الوجدان السوداني بالأرض الخصبة والقدرة على إنتاج الغذاء على رغم قسوة المناخ".
معاناة وعبث
على نحو متصل، يصف أحد الناشطين من داخل مناطق سيطرة "الدعم السريع" في غرب كردفان، تحفظ على ذكر اسمه، أن الأوضاع الإنسانية هناك وصلت مرحلة متأخرة من السوء لكنها مغيبة عن الإعلام بسبب التعتيم، حيث بات وضع معظم النازحين، الذين سبق أن وفدوا إلى المنطقة، سيئاً بصورة لا توصف، ومنهم أسر تعيش في غرف القش وتغمرها مياه الأمطار ويرتجف أطفالها من البرد، في ظل انتشار الالتهابات الرئوية وانعدام تام للأدوية ومجاعة ماثلة بسبب شح الغذاء.
يضيف "لم تعد حبوب الذرة في المتناول، وفي حال تأخر موسم الأمطار أكثر من ذلك، فإن المجاعة واقعة لا محالة في المناطق التي تقع تحت سلطة حكومة (تأسيس) الموازية التي تعاني فوضى أمنية، بينما لا تصل قوافل المساعدات إلى مستحقيها"، مطالباً بوضع رقابة صارمة تمنع الفساد والعبث بمواد الإغاثة وتأمين وصولها إلى المحتاجين.
وفي المناطق التي لا تزال تحت سيطرة "الدعم السريع"، تشكو غرفة طوارئ دار حمر من ازدياد حالات النزوح والفرار من مدينة النهود كبرى مدن غرب كردفان، نتيجة مواصلة "الدعم السريع" انتهاكاتها بحق المواطنين العُزّل وبث حالة من الرعب داخل المدينة وقطع الطرقات حولها، والاعتداء المباشر على السكان بالضرب بالسياط في الشوارع والأسواق، فضلاً عن اعتقال العشرات منهم بناء على مجرد الاشتباه فقط واتهامهم بمساندة الجيش، والحرمان من الاتصالات وخدمة الإنترنت الفضائي (ستارلينك) باستثناء أتباعها والمتعاونين معها.
كردفان زمان
ويُعد إقليم كردفان أحد أهم الأقاليم الجغرافية والتاريخية في وسط السودان، ذات التنوع الطبيعي والقبلي، بمساحة نحو 376.145 كيلومتراً مربعاً مقسمة إدارياً حالياً إلى ثلاث ولايات هي (شمال وجنوب وغرب)، وتمثل مدينة الأبيض عاصمة شمال كردفان المركز الحضري التاريخي الرئيس للإقليم.
اقتصادياً قبل اكتشاف حقول النفط في الأعوام الأخيرة، ظل الإقليم يعتمد ولا يزال بصورة أساسية على الموارد الطبيعية والزراعية والحيوانية، وعلى رأسها محصول الصمغ العربي الذي يُعد الإقليم أكبر مركز لإنتاجه وتصديره في العالم عبر أسواق محاصيل مدينة الأبيض الأكبر في السودان.
ويحتل الإقليم تاريخياً المركز الأول في السودان من حيث أعداد الثروة الحيوانية، ويتميز بسلالات من الماعز والضأن والإبل، كذلك يعد من أهم مناطق إنتاج النفط التي تتركز في ولاية غرب كردفان، ومنها حقول نفط بليلة وهجليج الرئيسة التي كانت تغذي مصفاة الخرطوم للنفط.