Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

في معادلة السكان... الرهان المفيد على النوع أم العدد؟

الوزير السابق عبدالعزيز الخضيري في حوار مع "اندبندنت عربية": تراجع الخصوبة في السعودية حقيقي... والخشية من مصير دول "أصبحت غنية بالمال فقيرة بالأبناء"

عدد المواليد لكل ألف نسمة تراجع من 44 مولوداً عام 1980 إلى 16 مولوداً فقط عام 2023 (اندبندنت عربية)

ملخص

ناقش الكاتب عبدالعزيز الخضيري أخيراً تحديات تراجع المواليد في السعودية، محذراً من "خطورة اختزال التنمية في مؤشرات اقتصادية ضيقة". وأكد أن التنمية الحقيقية لا تقتصر على رفع الناتج المحلي ونسب التوظيف، بل تشمل أيضاً بناء مجتمع قادر على إنجاب أجيال جديدة وتربيتها تربية صحية، وهو الطرح الذي أثار تفاعلاً واسعاً بين الكتاب والمفكرين حول دلالات الأرقام والإحصاءات الرسمية.

في وقت تتجه فيه أنظار صناع القرار حول العالم إلى تداعيات الشيخوخة السكانية وانخفاض معدلات الإنجاب، يتصاعد في السعودية نقاش مماثل حول مستقبل الهرم السكاني، ومدى قدرة المملكة على الحفاظ على ميزتها الديموغرافية مقارنة بدول سبقتها إلى مرحلة الانكماش السكاني.

وفي هذا السياق، يرى الوزير السابق والكاتب السعودي عبدالعزيز الخضيري أن التعامل مع القضية يجب أن يكون بعيداً من التهويل وكذلك الاطمئنان المفرط، لأنها تمس أحد أهم مقومات التنمية والاستقرار على المدى الطويل.

ولدى سؤاله عما إذا كانت المملكة تواجه أزمة ديموغرافية حقيقية أم مجرد حالة من التأثر بالمخاوف التي تشغل دولاً أخرى، أجاب الخضيري بأن "الأزمة حقيقية، وليست مجرد قلق نقلناه عن غيرنا".

من 44 مولوداً إلى 16 فقط!

 واستشهد بأرقام تظهر أن عدد المواليد لكل ألف نسمة تراجع من 44 مولوداً عام 1980 إلى 16 مولوداً فقط عام 2023، معتبراً أن ما يدعو إلى الانتباه ليس التراجع نفسه فحسب، بل سرعة حدوثه. وأوضح أن دولاً مثل اليابان وكوريا الجنوبية استغرقت نحو قرن للوصول إلى التحولات الديموغرافية، التي شهدتها السعودية خلال نحو 40 عاماً فقط.

لكنه يرى في حوار مع "اندبندنت عربية" أن القضية أعمق من مجرد مؤشرات رقمية، مضيفاً أن "السبب الأعمق ليس في الأرقام وحدها، بل في تراجع مكانة الأسرة في حياتنا، فحين تصغر قيمة الأسرة عند الناس، يقل الإنجاب من تلقاء نفسه".

 

وعن العلاقة بين النمو السكاني والموارد الطبيعية المحدودة، ولا سيما المياه، رفض الخضيري النظر إلى المسألة باعتبارها معادلة جامدة بين عدد السكان والموارد المتاحة. وقال إن "الإنسان المتعلم المنتج يحسن استعمال القليل، والإنسان غير المؤهل يهدر الكثير"، معتبراً أن جودة رأس المال البشري هي العامل الحاسم في قدرة أي مجتمع على إدارة موارده بكفاءة. وأضاف أن المجتمعات التي تستثمر في تعليم أبنائها وتربيتهم قادرة على استيعاب نموها السكاني وإدارة مواردها بحكمة، مؤكداً أن النمو السكاني "يستحق تخطيطاً واعياً، لا أن يترك للصدفة، تخطيطاً يبني الإنسان ويعمر المكان معاً، من دون أن نضحي بأحدهما".

وجاءت الأرقام السكانية التي استوقفت المراقبين، في أعقاب إصلاحات رؤية 2030، التي فرضت على الجهات الإحصائية نشر المؤشرات الإحصائية، من دون تردد، حتى وإن تظهر تحديات في أرقامها على المدى القريب أو البعيد.

"الذكاء الاصطناعي لا يربي جيلاً"

وفي ما يتعلق بالتحولات التقنية المتسارعة وصعود الذكاء الاصطناعي، رأى الخضيري أن الجدل القائم حول أهمية العدد السكاني لم يفقد أهميته، لكنه يحتاج إلى إعادة صياغة. وقال إن "العبرة لم تكن يوماً بالعدد وحده، بل بنوعية الإنسان"، محذراً من الوقوع في ثنائية مضللة تضع العدد في مواجهة النوعية. وأضاف أن الذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من التطور، "لا ينجب، ولا يربي جيلاً، ولا يحمل هوية وطن"، مؤكداً أن النوعية لا يمكن أن توجد إلا عبر إنسان حقيقي، والإنسان لا يأتي إلا من خلال الولادة والتربية. ولذلك، فإن المجتمعات تحتاج في نظره إلى "العدد الذي يحفظ استمرار المجتمع، والنوعية التي تصنع قيمته، ولا غنى لأحدهما عن الآخر".

وعند الحديث عن المشاريع العملاقة التي تشهدها المملكة، وكيفية الموازنة بين الحاجة إلى كتلة بشرية قادرة على تشغيل هذه المشاريع وبين الحفاظ على جودة الحياة، شدد الخضيري على أن القضية ليست قضية أرقام سكانية مجردة.

 

وقال إن المشاريع الكبرى "لا تحتاج إلى أعداد فقط، بل تحتاج إلى إنسان أعد منذ صغره إعداداً جيداً، متعلماً، مستقراً نفسياً، وقادراً على العطاء".

متى يكون عدد السكان عبئاً؟

 وأضاف أن الاستثمار في الطفولة المبكرة من أكثر الاستثمارات الوطنية جدوى، لأن "ما ينفق على الطفل في سنواته الأولى يعود على الوطن بأضعاف ما ينفق عليه لاحقاً". ويرى أن كثرة السكان لا تتحول إلى عبء إلا عندما تكون "عدداً بلا تربية أو بناء إنساني سليم"، مؤكداً أن جودة الحياة ليست نقيضاً للنمو السكاني، بل هي ثمرة مباشرة للاستثمار في الإنسان منذ بداياته الأولى.

وتطرق الخضيري إلى العلاقة بين النمو السكاني للمواطنين واحتياجات سوق العمل للعمالة الوافدة، معتبراً جواباً على سؤال "اندبندنت عربية" أن الخلط بين الملفين يقود إلى استنتاجات خاطئة. وأوضح أن هناك فرقاً جوهرياً بين "نمو المواطنين" و"حاجة السوق إلى العمالة"، فالأول يتعلق ببناء الإنسان والهوية الوطنية والأجيال المستقبلية، بينما الثاني يرتبط بمتطلبات اقتصادية قد تتغير مع الزمن.

 وقال "إن العمالة الوافدة، مهما بلغ حجمها، لا يمكن أن تكون بديلاً عن نمو المواطنين، لأنها تعمل ثم ترحل، ولا تحمل هوية البلد ولا تربي جيله القادم". ولهذا يرى أن النظر إلى النمو السكاني للمواطنين يجب أن يكون باعتباره مشروعاً لبناء الإنسان، لا مجرد استجابة لحاجات السوق الآنية.

وكان الخضيري ناقش في مقالة أخيراً، تحديات تراجع المواليد في السعودية، محذراً فيها من "خطورة اختزال التنمية في مؤشرات اقتصادية ضيقة. فالتنمية الحقيقية لا تعني رفع الناتج المحلي ونسب التوظيف فحسب، بل تعني قبل ذلك بناء مجتمع قادر على إنجاب أجيال جديدة وتربيتها تربية صحية"، وسط تفاعل واسع بين الكتاب والمفكرين، بشأن قراءة دلالات الأرقام الاحصائية الرسمية، التي أثارت النقاش.

بناءً على تقرير التقديرات السكانية الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء لعام 2024، الذي اطلعت "اندبندنت عربية" على تفاصيله، تشير البيانات إلى أن "معدل الخصوبة الإجمالي للسعوديين، سجل معدل 2.7 مولود لكل 1,000 امرأة. كما سجلت البيانات ارتفاعاً في متوسط العمر للسكان السعوديين ليصل إلى 78.0 سنة".

رد الاعتبار لـ"الأسرة"

وحول جدوى الحوافز المالية في معالجة تراجع الخصوبة، رفض الخضيري تبني مقاربة أحادية الجانب. وقال إن "الحوافز المالية وحدها لا تكفي، كما أن ترك الأمر للصدفة لا يكفي أيضاً". وأشار إلى أن الدعم المادي للأسرة أثبت نجاحاً نسبياً في بعض الدول عندما أسهم في تخفيف أعباء المعيشة ورفع معدلات الإنجاب، لكنه شدد على أن المال لا يستطيع بمفرده خلق الرغبة في تكوين أسرة أو إنجاب الأطفال.

 وأضاف أن النجاح يتطلب وجود "ثقافة تكرم الأسرة وتعيد لها مكانتها ومعناها"، وتمنح عمل المرأة داخل المنزل ما يستحقه من تقدير باعتباره إسهاماً حقيقياً في بناء المجتمع، لذلك يدعو إلى الجمع بين الدعم المادي والسياسات الثقافية والاجتماعية التي تعزز مكانة الأسرة في الوعي العام.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولم تسن الرياض أي سياسات صريحة تستهدف تقليل المواليد فيها بخلاف دول عالمية عدة، إلا أن التحولات التي تشهدها، أفضت إلى تراجع ملاحظ في سن الزواج وحالات الإنجاب، مما حرك مخاوف بعض المهتمين.

وفي هذا الصدد قدر باحثون آخرون أن سياسات تملك المساكن الميسرة، وإجازات الأمومة المطورة، وانتشار الحضانات على نحو أوسع، إجراءات من شأنها أن تقلل من تسارع المؤشر نحو المعدلات الحرجة.

 

أما في شأن السؤال الأكثر حساسية، والمتعلق بما إذا كانت السعودية لا تزال تمتلك الوقت الكافي لتجنب الوقوع في الفخ الديموغرافي الذي تعانيه بعض الدول المتقدمة وبعض دول الخليج ، رد الخضيري بأنه "ما زال أمامنا وقت، وهذا بالضبط سبب الإلحاح لا سبب الاطمئنان".

وأوضح أن بلاده لا تزال في مرحلة تسمح لها بالتحرك "قبل أن تتسع الفجوة بين أعداد الشباب وكبار السن، وقبل أن يصبح تصحيح المسار أكثر صعوبة وكلفة".

 لكنه حذر في الوقت نفسه من أن هذه الفرصة ليست مفتوحة إلى ما لا نهاية، مشيراً إلى أن كثيراً من الدول "حاولت بعد استقرار التحولات الديموغرافية فيها عكس الاتجاه وإعادة رفع معدلات الإنجاب، لكنها لم تحقق نجاحاً يذكر".

ولذلك، فإن المملكة في نظره ليست "في أمان مضمون، ولا في خطر محتوم"، بل في مرحلة تتطلب اتخاذ قرارات مبكرة ومدروسة.

تحديات بناء الإنسان متشعبة

وخلص المسؤول السعودي السابق الذي ألف كتباً عدة حول التنمية وتقلد مناصب حكومية عدة، إلى أن القضية السكانية في جوهرها ليست قضية أرقام أو معدلات خصوبة فقط، بل قضية بناء إنسان.

ويقول إن "الأمم لا تقاس بما تبنيه من عمران، بل بما تبنيه من إنسان"، معتبراً أن هذا الإنسان لا يصنع في الأسواق ولا في المصانع، بل يبدأ تكوينه داخل الأسرة.

 ويرى أن الأم والأسرة المستقرة هما الأساس الذي تقوم عليه التنمية الحقيقية، محذراً من أن بعض الدول نجحت في بناء الثروة، لكنها أهملت بناء الإنسان، "فأصبحت غنية بالمال، فقيرة بالأبناء".

من هذا المنطلق، يدعو الخضيري إلى النظر في ملف الخصوبة والأسرة بوصفه "جزءاً من مستقبل التنمية الوطنية، لا مجرد ملف اجتماعي معزول، لأن ما يصنع قوة المجتمعات على المدى البعيد هو الإنسان الذي تنجح في تنشئته قبل أي شيء آخر".

كانت السعودية حققت أخيراً تقدماً بارزاً بحلولها في المرتبة الـ37 عالمياً والـ10 بين دول مجموعة الـ20 في مؤشر التنمية البشرية بـ 0.900 نقطة، لتصنف ضمن فئة التنمية المرتفعة جداً. ويعاد هذا التحول إلى برامج وإصلاحات 2030 في تطوير مجالات التعليم بدخول جامعاتها قائمة أفضل 100 جامعة عالمياً، ودعم الاقتصاد بنمو الناتج المحلي بنسبة 3.0 في المئة، وتحسين جودة الحياة والصحة، إلى جانب ريادتها الرقمية عالمياً كصدارتها للأمن السيبراني والمرتبة السادسة في الحكومة الإلكترونية.

اقرأ المزيد

المزيد من حوارات