ملخص
شروط مستعصية وضمانات دولية… ماذا تطلب الفصائل الفلسطينية قبل فتح ملف السلاح المعقد؟
دخلت محادثات التهدئة وتسوية الصراع في قطاع غزة مرحلة مفصلية حاسمة، عقب تسليم الفصائل الفلسطينية ردها المكتوب والنهائي إلى الوسطاء الدوليين في العاصمة المصرية القاهرة، والموجه مباشرة إلى مجلس السلام المشرف على تطبيق الخطة الدولية.
حمل رد الفصائل الفلسطينية تعديلات جوهرية وشروطاً مشددة على "البند الثامن" الخلافي المتعلق بملف السلاح في خريطة الطريق التي أعدها المبعوث الدولي نيكولاي ملادينوف، إذ أعلنت الفصائل رفضها القاطع لمصطلح نزع السلاح وفق الرؤية الإسرائيلية، مستبدلة إياه بصيغة حصر السلاح وتخزينه وتجميد استخدامه.
شروط مستعصية
تضمن الرد الفلسطيني شروطاً مستعصية إذا نفذتها إسرائيل والمجتمع الدولي ستقبل "حماس" تنفيذ البند الثامن الناظم لملف السلاح، فما هي الأثمان السياسية والعسكرية والضمانات الدولية التي تشترطها الفصائل قبل فتح هذا الملف المعقد؟
اشترطت الفصائل الفلسطينية التنفيذ الكامل لكافة استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار قبل بدء أي خطوة في المرحلة الثانية من خطة السلام والازدهار.
أما لتنفيذ مهمة نزع السلاح، وضعت سلسلة من الشروط الميدانية والإنسانية المسبقة، وصاغت محددات وضوابط لآلية حصر السلاح، وأيضاً كان لها شروط سياسية.
استحقاقات المرحلة الأولى
وفي التفاصيل، اشترطت حركة "حماس" التنفيذ الكامل لكافة استحقاقات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، وحددت ذلك شرطاً أساسياً وإلزامياً وضعته الفصائل الفلسطينية للانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة السلام والازدهار والبدء بأي خطوة تخص السلاح.
ترفض "حماس" وبقية القوى المسلحة البدء في مناقشة أو تطبيق "البند الثامن" الخاص بالترتيبات الأمنية قبل أن تفي إسرائيل بكامل التزامات المرحلة الأولى، وتشترط تلازماً زمنياً، بحيث لن تبدأ اللجان الداخلية بجرد أو حصر السلاح الثقيل إلا بعد التحقق من الانسحاب الإسرائيلي الشامل وتثبيت وقف إطلاق النار وتنفيذ البروتوكول الإنساني بالكامل من دون تجزئة.
عندما توصلت الولايات المتحدة لخطة السلام والازدهار والتي بموجبها توقف القتال العنيف بين "حماس" وإسرائيل، وبدأ تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق، التزمت الفصائل الفلسطينية بما هو مطلوب منها وسلمت جميع الرهائن الأحياء والأموات وكل المتطلبات المطلوبة منها.
لكن إسرائيل، أعادت اجتياح مناطق في غزة بعد انسحابها منها، ولم تلتزم في إدخال الكميات المتفق عليها من المساعدات الإنسانية، ولم توقف إطلاق النار بالكامل وتواصل يومياً خرقه، هذا السلوك جعل "حماس" تشعر وكأن تل أبيب تتهرب من التزاماتها.
ويرى مراقبون سياسيون أن الهدف من شرط التنفيذ الكامل لكافة استحقاقات المرحلة الأولى هو منع إسرائيل من المماطلة في بنود التهدئة والإغاثة، وتجنب تقديم أي تنازل أمني مجاني من دون ضمانات ميدانية دولية ملموسة على الأرض.
يقول المستشار الإعلامي لحركة "حماس" طاهر النونو "أبلغنا الوسطاء بضرورة إلزام إسرائيل أولاً باستحقاقات المرحلة الأولى، وعلى رأسها الانسحاب الكامل من المناطق المتفق عليها وتكثيف تدفق الإغاثة قبل الانتقال لأي مرحلة تالية".
ويضيف "لن نقبل بأي مسار يتحول إلى استنزاف أمني وسياسي من دون مقابل فعلي ملموس على الأرض، لا يمكن البدء في مناقشة آليات أو تطبيق حصر السلاح إلا بعد استكمال المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار باستحقاقاته كافة الميدانية والإنسانية والسياسية".
تضمنت الوثيقة المكتوبة المرفوعة عبر الوسطاء المصريين والقطريين والأتراك، بنوداً صريحة تقيد الانتقال للمرحلة الثانية، وجاء فيها "ربط أي جدول زمني خاص بحصر السلاح بإحراز تقدم موثق وقابل للتحقق في التزامات إسرائيل، كالانسحاب التام حتى الحدود وتطبيق البروتوكول الإنساني من دون تسويف ودخول اللجنة الوطنية لإدارة غزة لمباشرة مهامها المدنية فور استكمال متطلبات المرحلة الأولى، كشرط أساسي لبدء الترتيبات الأمنية الداخلية وحصر السلاح تحت عهدتها".
الانسحاب من غزة
تبدو "حماس" متشددة وترى أن تنفيذ هذه الشروط الميدانية والإنسانية هو المدخل الإلزامي والوحيد لأي حديث يتعلق بالترتيبات الأمنية وحصر السلاح. يقول الباحث السياسي إياد نصار "تريد الفصائل تراجع الجيش الإسرائيلي الكامل من كافة أراضي قطاع غزة، لإنهاء أي مظاهر للاحتلال العسكري قبل البدء بآليات حصر السلاح".
في شرط الانسحاب من غزة، تشترط "حماس" أن يكون إلى حدود ما قبل السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وترفض بصورة قاطعة الخط الأصفر الحالي الذي تحاول إسرائيل تثبيته كحدود جديدة.
ويضيف نصار "لا تطالب الفصائل بمجرد التراجع إلى الخط الأصفر الموقت، بل تريده منطلقاً وصولاً إلى الانسحاب الكامل والتام من كافة أراضي قطاع غزة بحدوده التاريخية المعروفة قبل الحرب، ويشمل ذلك إخلاء محور فيلادلفي والمنطقة العازلة والمعابر كافة".
بدوره، يصرح المتحدث باسم حركة "حماس" حازم قاسم "تعمد الجيش الإسرائيلي تحريك الخط الأصفر والتوسع بالسيطرة على أراض جديدة، يهدف إلى تفجير مسار المفاوضات. نؤكد لمجلس السلام أن الفصائل لن تقبل بإنشاء أي خطوط أمنية دائمة تقتطع شبراً واحداً من القطاع، والالتزام الكامل بالانسحاب الشامل والكامل حتى حدود ما قبل أكتوبر هو القاعدة الوحيدة غير القابلة للنقاش للانتقال نحو أي ترتيبات أمنية مستقبلية".
مباشرة جاء الرد الإسرائيلي بالرفض، إذ قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو "كما قلت سابقاً، أصدرت توجيهاتي المباشرة للجيش بزيادة السيطرة الميدانية وتوسيع النطاق العازل في قطاع غزة ليرتفع إلى 70 في المئة من إجمالي مساحة أراضي القطاع".
وقف الاستهدافات
تشترط الفصائل الفلسطينية أيضاً وقف الاستهدافات الميدانية والالتزام الصارم بإنهاء العمليات العسكرية والقصف الجوي والمدفعي وعمليات الاغتيال الممنهجة ضد الكوادر القيادية والميدانية لضمان بيئة آمنة ومستقرة.
تعتبر "حماس" أن أي حديث عن حصر السلاح أو الانتقال للمرحلة الثانية هو انتحار عسكري ما لم تلتزم إسرائيل بإنهاء كامل لجميع أشكال العدوان، يقول القائم بأعمال رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" خليل الحية "أبلغنا الوسطاء وممثلي مجلس السلام بصيغة واضحة، لا يمكن أن تبدأ لجاننا الداخلية بفرز أو حصر قطعة سلاح واحدة طالما أن طائرات إسرائيل ومسيراتها الاستخبارية تنتهك أجواء غزة وتستهدف كادرنا، وقف الاغتيالات والعمليات العسكرية بصورة كاملة وشاملة هو الضمانة الأساسية والاختبار الحقيقي لجدية تل أبيب قبل الانتقال لأي خطوة أمنية تالية".
لكن وزير الدفاع يسرائيل كاتس رفض ذلك الشرط، يقول "لن نمنح أي حصانة لقادة الفصائل المسلحة في غزة، ولن نقبل بتقييد حرية عمل الجيش الإسرائيلي أو سلاح الجو في إحباط أي تهديدات أمنية، الاحتفاظ بحرية العمل العسكري الكاملة ومواصلة ملاحقة من خططوا ونفذوا الهجمات ضد مواطنينا، هو خط أحمر غير قابل للتفاوض، وأي تهدئة لن تمنعنا من تصفية التهديدات المباشرة".
البروتوكول الإنساني
ومن بين شروط استحقاقات المرحلة الأولى، تطلب "حماس" تنفيذ البروتوكول الإنساني والذي ينص على الإنهاء الكامل للحصار عبر إدخال 600 شاحنة مساعدات يومياً بشكل مستدام منها 50 شاحنة وقود وغاز طهي، وتشغيل جميع المعابر الحيوية المؤدية إلى قطاع غزة من دون عوائق.
يقول مدير المكتب الإعلامي الحكومي إسماعيل الثوابتة "نطالب الوسطاء والضامنين بضرورة إلزام إسرائيل بتنفيذ كامل بنود المرحلة الأولى من دون انتقائية أو تسويف، والتطبيق الفوري والكامل للبروتوكول الإنساني، نؤكد أن الفصائل الفلسطينية لن تنتقل إلى أي خطوة أمنية مستقبلية في خريطة الطريق ما لم يلمس المواطن الغزي كسر الحصار واقعاً عملياً على الأرض".
لكن إسرائيل راوغت في هذا الشرط، إذ أكد منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق يورام هليفي بأنه لن يسمح بتدفق شاحنات المساعدات من دون إخضاعها لتفتيش أمني دقيق ومطول لضمان عدم وصول مواد مزدوجة الاستخدام إلى الفصائل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الالتزام يعني الانتقال إلى ملف السلاح
في حال أوفت إسرائيل في الالتزامات المطلوبة منها والتي اشترطتها الفصائل الفلسطينية، فإن "حماس" لا تعارض البدء في حصر سلاحها، ولكن هذه الخطوة ليست مجانية، بل لها شروط ومتطلبات كثيرة.
تريد الفصائل الفلسطينية أن تكون عملية حصر السلاح شأناً داخلياً خالصاً تحت إشراف هيئة وطنية وبضمانات دولية، وترفض بصورة قاطعة أي إملاءات إسرائيلية تتحدث عن تسليم السلاح أو تفكيكه الفوري.
تصر الفصائل على أن الترتيبات الأمنية يجب أن تحصل مع هيكل حكم فلسطيني متوافق عليه مثل اللجنة الوطنية لإدارة غزة، لضمان الحفاظ على السلم الأهلي ومنع حدوث أي فراغ أمني أو فوضى.
وتضع الفصائل خطاً أحمر يحظر خروج أي قطعة سلاح خارج حدود القطاع، أو تسليمها للجانب الإسرائيلي أو لأي طرف دولي، لكونه يمثل تجريداً كاملاً من عناصر القوة.
وتريد تشكيل لجنة فنية متخصصة تضم ممثلين عن الأجنحة العسكرية للفصائل نفسها، لتتولى هي بصورة ذاتية جرد وتسجيل الأسلحة وتخزينها، تجنباً لعمليات الاختراق الأمني الإسرائيلي، وأيضاً تسعى لآلية زمنية تمتد من ستة أشهر إلى سنة لعملية حصر سلاحها.
في الواقع، تشترط الفصائل الفلسطينية أن تنظم عملية حصر وتخزين السلاح عبر آلية زمنية متدرجة تمتد من ستة أشهر إلى عام كامل، وتعتمد هذه الآلية على مبدأ خطوة مقابل خطوة لضمان عدم غدر إسرائيل.
في المرحلة الأولى من الشهر الأول إلى الثالث، تبدأ الفصائل بحصر وتخزين السلاح الثقيل جداً مثل الصواريخ بعيدة المدى والمسيرات الكبيرة، مقابل انسحاب إسرائيل من الخط الأصفر وخطوط الفصل الموقتة والسماح بعودة كافة النازحين لبيوتهم.
أما في المرحلة الثانية من الشهر الرابع حتى السادس، تنتقل "حماس" لحصر المدفعية وقذائف الهاون والمنظومات الدفاعية، مقابل التطبيق الكامل للبروتوكول الإنساني ورفع الحصار وتشغيل كافة المعابر تجارياً.
أما في المرحلة الثالثة من الشهر السابع حتى الشهر 12، تحصر "حماس" وتجمد استخدام الأسلحة المتوسطة وتفكك الورش، مقابل تفعيل ملف إعادة الإعمار الشامل وضخ الأموال الدولية.
تعليق "حماس"
يقول القائم بأعمال رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" خليل الحية "الترتيبات الأمنية بخصوص حصر وتخزين هذا السلاح هي شأن فلسطيني داخلي خالص، يحصل بالتوافق الوطني وعبر جهة فلسطينية حصرية كاللجنة الوطنية لإدارة غزة. أبلغنا الوسطاء ومجلس السلام بصيغة مكتوبة وقاطعة: لن تسلم قطعة سلاح واحدة لإسرائيل أو لأي طرف خارجي، ومن يعتقد أن الفصائل ستنزع سلاحها واهم".
ويضيف "حددنا بوضوح خريطة طريق وطنية للتعامل مع السلاح الثقيل تقوم على التدرج الزمني المتوازي الممتد بين ستة أشهر حتى عام، بحيث تقابل كل خطوة داخلية خطوة التزام إسرائيلية موثقة".
ويوضح الحية أن "حماس" لن نقبل بأي لجان جرد أو حصر لا تكون مكونة من الفصائل المسلحة ذاتها، وأي رقابة دولية من مجلس السلام يجب أن تقتصر على الإشراف الإداري والفصل بين الطرفين، من دون أي تدخل مباشر أو إملاءات من تل أبيب".
ويتابع الحية "وافقنا بوضوح على دور إشرافي ورقابي للدول الوسيطة وقوات الاستقرار التابعة لمجلس السلام لتوثيق عمليات حصر وتخزين السلاح، ولكننا وضعنا خطاً أحمر مكتوباً بأننا لن نسمح لإسرائيل بالتدخل المباشر أو غير المباشر في هذه العمليات، ولن نقبل بأن يتحول مجلس السلام إلى أداة استخباراتية لمصلحة تل أبيب، الرقابة الدولية يجب أن تحمي السيادة الفلسطينية".
رفض إسرائيل
رفضت إسرائيل جميع شروط "حماس"، يقول وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر "لن نقبل بأي صيغ لالتفاف أو مناورة تحت مسمى حصر السلاح أو إبقائه في عهدة لجان داخلية تشارك فيها ‘حماس‘، شروطنا واضحة ومسجلة: النزع الكامل والشامل والتفكيك الموثق للبنية التحتية العسكرية، والتسليم الفوري للسلاح إلى جهة دولية محايدة، لن نسمح ببقاء غزة مخزناً بارودياً تحت أي غطاء أو مسمى سياسي".
ويضيف ساعر "الجداول الزمنية الطويلة التي تطرحها الفصائل وتمتد لعام كامل مجرد مناورة مكشوفة للمماطلة، واستغلال التهدئة لإعادة بناء الأنفاق والقدرات العسكرية تحت الأرض. إسرائيل لن تقبل بأي تسويف ونطالب بجدول زمني قصير ومحدد وصارم لا يتجاوز أسابيع قليلة يجري فيه النزع الكامل والعلني للسلاح، وأي ربط بين السلاح وبين التزامات إسرائيل الأمنية في غزة هو أمر مرفوض جملة وتفصيلاً".
ويتابع "لن نقبل بوجود قوات دولية تعمل كمجرد واجهة إدارية أو شاهد زور يغطي على بقاء سلاح الفصائل في غزة، شروطنا تتطلب نظام رقابة دولياً صارماً، يمتلك صلاحيات تفتيش ميدانية واسعة وفورية لكافة المنشآت والأنفاق، مع ضمان مشاركة إسرائيل المباشرة في الإشراف والاطلاع".
يرى مراقبون سياسيون أن شروط الفصائل الفلسطينية تعد طرحاً واقعياً من الناحية العملياتية، ويقول الباحث السياسي عماد عمر "نجحت القوى الفلسطينية في تحويل معضلة نزع السلاح التي كان يتذرع بها نتنياهو إلى صيغة حصر السلاح الثقيل والأنفاق تدريجاً، ليكون في عهدة جهة فلسطينية توافقية أو جهاز الشرطة الذي سيتولى الأمن".
ويضيف "هذا المسار يحاول إعادة صياغة المشكلة بدلاً من حلها الجذري، بحيث يرى أن تحييد السلاح لا يعني تدميره، بل التزام الفصائل بعدم استخدامه في صراعات داخلية أو مواجهات تعطل مسار الإعمار، لكن مع بقاء الأولوية القصوى لمعالجة الأوضاع الإنسانية الكارثية في القطاع".