ملخص
يذهب المحللون إلى أن توزيع الصلاحيات والمسؤوليات على مجلس قيادي أضحى المخرج المنطقي والوحيد الباقي أمام الحركة، كآلية دفاعية تهدف إلى حماية من بقي من الكادر القيادي الثقيل، وتحرير اتخاذ القرار من ارتهانه بحياة فرد واحد.
مع تحول اغتيال قيادات "حماس" إلى استراتيجية إسرائيلية، تجد الحركة نفسها أمام استحقاق حاسم يجبرها على عدم تعيين قائد عام لجناحها العسكري بعد أن أصبح كل من يتسلم هذا المنصب عرضة للاستهداف.
ويعتقد المراقبون السياسيون بأن "حماس" تتجه إلى اعتماد نظام المجالس الجماعية المصغرة لإدارة شؤونها العسكرية، كخيار اضطراري لحماية بنية الحركة التنظيمية من الاستهداف. وهذا بمثابة المناورة التنظيمية الأخيرة لمواجهة تدمير بنية الحركة التنظيمية.
اغتيال يعقبه اغتيال
على رغم اتفاق لوقف إطلاق النار بين الحركة وإسرائيل يجبر الطرفين على وضع حد للأنشطة العسكرية، فإن تل أبيب كثفت أخيراً من تصفية كل من تولى منصب قيادة الأركان والميدان لـ"حماس" في غزة.
وفي غضون أسابيع، أسفرت الغارات الموجهة عن اغتيال قائد أركان "كتائب القسام" عز الدين الحداد، وبعد 11 يوماً فقط نجحت إسرائيل في تصفية خليفته محمد عودة، قبل أن تنتهي السلسلة المتلاحقة بتصفية قائد لواء غزة عماد اسليم.
هذا التآكل السريع في بنية الصف الأول العسكري لـ"حماس"، جعل المراقبين السياسيين يؤكدون أن أي رأس تنظيمي سيسمى لإدارة المشهد سيكون هدفاً فورياً مكشوفاً، مما يدفع الحركة الفلسطينية إلى تبني خيار القيادة الجماعية اللامركزية لإدارة شؤونها ميدانياً.
إرث أمني قديم
فكرة القيادة الجماعية لـ"حماس"، هي إرث أمني شهير، إذ لجأت الحركة إليه قبل نحو عقدين من الزمن، فعام 2004 تحديداً عقب الضربات القاسية التي تعرضت لها بعدما اغتالت إسرائيل مؤسسها أحمد ياسين، ومن بعده بأقل من شهر خلفه عبدالعزيز الرنتيسي، اتخذت الحركة قراراً تاريخياً بعدم الإعلان عن اسم رئيس الحركة الجديد في قطاع غزة، وأوكلت الإدارة لمجلس قيادي جماعي سري لحماية الأشخاص من الاغتيالات الإسرائيلية المستمرة، وظل هذا الأسلوب متبعاً حتى انتخاب إسماعيل هنية لاحقاً في سياقات سياسية مختلفة.
واليوم، يعتقد المراقبون السياسيون بأن الحركة تكاد تكرر المناورة الدفاعية ذاتها التي اختبرتها بنجاح في الماضي، لكن مع فارق جوهري تفرضه معطيات الحاضر، فالقيادة الجماعية المطلوبة اليوم ليست سياسية لإدارة تنظيم، بل إنه مجلس عسكري مطلوب منه إدارة وضبط خطوط النار في غزة وسط بيئة استخباراتية إسرائيلية لا تقارن بظروف عام 2004.
في الواقع، عقّدت الاغتيالات الإسرائيلية المتتابعة لقيادات "كتائب القسام" ظروف إدارة الحركة، وباتت محاولات ملء الفراغ في رئاسة الأركان العسكرية أكثر صعوبة، بخاصة أن هذه المرحلة الأخطر في مسار "حماس" منذ تأسيسها عام 1987.
وفي تفكيك المشهد الراهن، تبرز مفارقة زمنية وأمنية بالغة التعقيد، فبينما كان يفترض في اتفاق وقف إطلاق النار أن يمنح قطاع غزة تهدئة شاملة تلتقط فيها الأطراف أنفاسها، تحولت مظلة السلم الموقت هذه إلى جبهة اغتيالات.
استهداف ذكي
وفي هذا السياق، يرى الباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية هاني الغرابلي أن إسرائيل استبدلت نمط العمليات العسكرية الكبرى والدمار الواسع بآلية سمتها "الاستهداف الذكي والمنتقى"، مستغلة حال هدوء الميدان وفك الاشتباك التقليدي.
ويقول الغرابلي "تركز إسرائيل على تصفية الرؤوس القيادية لـ’كتائب القسام‘، مما جعل فترة التهدئة في عمقها الأمني بيئة أكثر خطورة على الصف القيادي الأول من حقبة المواجهة العسكرية المفتوحة. وإصرار تل أبيب على مواصلة الاغتيالات يعكس قراراً استراتيجياً بعدم السماح للجناح العسكري لـ’حماس‘ بإعادة ترتيب أوراقه أو ترميم بنيته الهرمية خلال فترة الهدوء، فباتت تصفية قادة الميدان والأركان هي الهدف الفعلي الذي يقاس به النصر".
ويضيف أن "استمرار النزيف في الهرم القيادي قد يدفع حركة ’حماس‘ واقعياً ومن دون إعلان رسمي نحو تبني خيار القيادة الجماعية اللامركزية كخيار اضطراري لا بديل عنه، وقد تلجأ إلى ذلك من أجل تشتيت بنك الأهداف الاستخباراتي الإسرائيلي وجعله يبحث عن سراب".
ويشرح الغرابلي أن "تل أبيب تحاول تل اقتناص صورة نصر عبر اغتيال رأس الهرم، لكن غياب قائد موحد يحرمها من هذه الورقة، إضافة إلى ذلك فإن القيادة الجماعية تعني استمرارية القرار العسكري والميداني في غزة عبر منح المجالس العسكرية المناطقية تفويضاً كاملاً ومستقلاً لإدارة شؤونها، وإذا جرى استهداف أي عضو في هذه القيادة الجماعية، فلا تتأثر ديناميكية السيطرة، وتستمر المنظومة في العمل بمرونة بعيداً من كابوس الفراغ القيادي المفاجئ".
استنزاف البدلاء
تسارع وتيرة التصفيات الإسرائيلية أحدث حالاً من استنزاف البدلاء داخل الصف الأول لـ"كتائب القسام"، ويشرح الباحث في شؤون الفصائل الفلسطينية عثمان ياغي قائلاً "حين يغتال القائد، ثم يلحق به بديله، وبديل بديله في غضون أسابيع قليلة، يصبح الإصرار على تعيين شخصية واحدة تحمل لقب القائد العام بمثابة توقيع على حكم إعدام مؤجل بحق تلك الشخصية أمام قدرات الرصد الشرسة".
ومن هنا، يذهب المحللون إلى أن توزيع الصلاحيات والمسؤوليات على مجلس قيادي أضحى المخرج المنطقي والوحيد الباقي أمام الحركة، كآلية دفاعية تهدف إلى حماية من بقي من الكادر القيادي الثقيل، وتحرير اتخاذ القرار من ارتهانه بحياة فرد واحد.
ويقول ياغي "خلافاً للبروتوكول التنظيمي المعتاد تاريخياً عقب الاغتيالات الكبرى، التزمت ’حماس‘ هذه المرة بصمت إعلاني مطبق، ولم تصدر أية بيانات رسمية تسمي أشخاصاً لخلافة قادتها الذين اغتيلوا. وهذا التكتم الصارم يفسر في شؤون الحركات المسلحة بأنه ليس دليلاً على الإرباك، بل هو مؤشر قوي على انتقال الحركة الفعلي والميداني إلى طور العمل الجماعي غير المركزي الصامت".
تغيير العقيدة الإدارية
سياسياً، الانتقال نحو القيادة الجماعية لن يكون مجرد تغيير في المسميات، بل إعادة صياغة كاملة للعقيدة الإدارية للحركة، إذ يتوقع خبراء عسكريون أن تتجه "حماس" نحو اللامركزية العنقودية عبر تفويض المجالس العسكرية في المناطق (الشمال والوسط والجنوب) ويمتلك كل مجلس صلاحية اتخاذ القرار الميداني الكامل من دون الحاجة لانتظار إشارة من قائد عام قد يكون مستهدفاً.
وبعد اغتيال الحداد وعودة واسليم لم يعُد هناك قائد أركان يرسل الأوامر من الأعلى إلى الأسفل، ويقول الباحث العسكري العميد مصعب تايه "القيادة الجماعية تعني التشاور وتشارك القرار، بخاصة أن التحرك فوق الأرض في زمن التهدئة قد يكون أكثر خطورة من البقاء في الأنفاق، لأن العيون الاستخباراتية أصبحت أكثر تركيزاً على رصد التحركات السياسية والعسكرية".
ويضيف أن "خيار القيادة الجماعية يعتمد بالأساس على فكرة اللامركزية العنقودية من خلال تقسيم القطاع إلى مربعات أمنية وجغرافية مستقلة ذاتياً. وبموجب هذا التكتيك، يلغى المفهوم التقليدي لمكتب القائد العام الذي يرسل الأوامر، ويستعاض عنه بمجالس عسكرية مناطقية مصغرة تمنح صلاحيات كاملة ومستقلة لاتخاذ القرارات الميدانية، مما يحول الجناح العسكري من هيكل هرمي إذا ضُرب رأسه ارتبك جسده، إلى شبكة أفقية مرنة يصعب تقويضها دفعة واحدة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
صعوبات في الميدان
يصطدم خيار القيادة الجماعية بعقبات لوجستية وأمنية، ويشرح الباحث الأمني مازن العطار أن "القيادة الجماعية بطبيعتها تتطلب تشاوراً مستمراً وتوافقاً بين الأعضاء لاتخاذ القرارات المصيرية، وهو أمر بالغ الصعوبة في ظل بيئة استخباراتية إسرائيلية تترصد وتخترق شبكات الاتصال السلكية واللاسلكية كافة".
ويردف أن "التحرك فوق الأرض لإدارة شؤون التنظيم أو عقد الاجتماعات التنسيقية في زمن التهدئة الموقتة قد يكون أكثر خطورة على القادة من البقاء في الأنفاق، حيث تصبح التحركات تحت مجهر المسيّرات وأدوات الرصد التكنولوجي التي لم تتوقف".
رأي "حماس" وإسرائيل
تاريخياً، لا تعترف "حماس" بوجود أزمات قيادية أو فراغ في الأركان، وتدير هذا الملف بخطاب إعلامي وسياسي موحد. في هذا الشأن، يقول متحدث الحركة سامي أبو زهري "الجناح العسكري يمتلك بنياناً مؤسسياً صلباً لا يرتهن بشخصيات بعينها، آلية الإحلال والتعاقب القيادي جرى ضبطها وتطويرها على مدى العقود الماضية لتجري تلقائياً وبسلاسة فائقة فور غياب أي رمز ميداني".
ويضيف أن "استراتيجية إسرائيل القائمة على قطع الرأس أثبتت عقمها تكتيكياً على مدى تاريخ الصراع. فالبنية العسكرية لـ’حماس‘ صممت لتكون قادرة على العمل والترميم الذاتي تحت أشد الظروف تعقيداً، والحديث عن القيادة الجماعية كحال اضطرار أو ارتباك يجافي حقيقة أن الشورى والمؤسسية الجماعية هي الأصل في اتخاذ القرار داخل أروقة الحركة منذ التأسيس، سواء في زمن السلم أو الحرب".
على الجانب الآخر، لا تبدو المنظومة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية غافلة عن احتمالات تحول "حماس" نحو نموذج القيادة الجماعية اللامركزية، إذ يقول متحدث الجيش الإسرائيلي آفي ديفرين "تفكيك الهرم القيادي لـ’كتائب القسام‘ واغتيال الصف الأول والثاني كان هدفاً استراتيجياً لتقويض بنية الحركة، وإجبارها على الانكفاء نحو قيادات مناطقية معزولة هو دليل على نجاح استراتيجية الضغط المستمر".
ويتابع ديفرين أن "لجوء الحركة المفترض إلى تجهيل هوية القائد العام أو توزيع الصلاحيات على مجالس عسكرية لن يغير من واقع الملاحقة شيئاً، ننظر إلى هذا التكتيك على أنه علامة على الضعف البنيوي وفقدان السيطرة المركزية".