Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف اهتزت تجربة الحكم الذاتي الكردية شمال العراق في التسعينيات؟

تفاصيل الصراع على السلطة وسقوط أكثر من ألفي قتيل والاقتتال بين حزب بارزاني واتحاد طالباني والمخاوف البريطانية والتركية من تنامي النزعات الاستقلالية

تقدم الوثائق تقييماً بريطانياً رسمياً للأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية والإنسانية في شمال العراق (اندبندنت عربية)

ملخص

تكشف الوثائق عن المخاوف البريطانية والتركية من تنامي النزعات الاستقلالية الكردية، وعن التحديات المرتبطة باستمرار العقوبات الدولية على العراق، فضلاً عن الجدل الدائر آنذاك حول مستقبل الوجود العسكري الغربي في شمال العراق. وتقدم كذلك قراءة مبكرة للهواجس الغربية المتعلقة بإمكان التوصل إلى تسوية بين القيادات الكردية وبغداد، وحدود قدرة الإقليم على الاستمرار ككيان منفصل وقابل للحياة على المدى الطويل.

تكشف وثائق دبلوماسية بريطانية سرّية محفوظة ضمن سجلات وزارة الخارجية والكومنولث البريطانية، وتحمل المرجع الأرشيفي FCO 160/339، والمودعة لدى الأرشيف الوطني البريطاني في كيو، عن تقرير سنوي أعدّه السفير البريطاني لدى أنقرة جون غولدن بتاريخ الخامس من يناير (كانون الثاني) عام 1995، ورفعه إلى وزير الخارجية البريطاني آنذاك دوغلاس هيرد تحت عنوان "شمال العراق: المراجعة السنوية لعام 1994".

وتكتسب هذه الوثائق أهمية خاصة لأنها تقدم تقييماً بريطانياً رسمياً للأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية والإنسانية في شمال العراق بعد ثلاثة أعوام من فرض منطقة الحظر الجوي وإنشاء الإدارة الكردية شبه المستقلة في أعقاب حرب الخليج الثانية، وتكشف أيضاً عن نظرة الدبلوماسية البريطانية إلى واقع الإقليم الذي وجد نفسه بين الحماية الدولية والصراعات الداخلية، في وقت كانت القوى الكردية الرئيسة تخوض مواجهات دامية على النفوذ والسلطة.

وتسلط الوثائق الضوء على الاقتتال بين الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال طالباني، وتأثير ذلك في استقرار المنطقة ومستقبل التجربة الكردية الناشئة، وتستعرض العلاقات المعقدة التي ربطت أكراد العراق بكل من تركيا وإيران والحكومة العراقية، والدور الذي قامت به عملية "توفير الراحة" (Provide Comfort) والقوات الدولية في إدارة الوضع الأمني والسياسي خلال تلك المرحلة الحساسة.

تنامي النزعات الاستقلالية الكردية

وتكشف الوثائق أيضاً عن المخاوف البريطانية والتركية من تنامي النزعات الاستقلالية الكردية، وعن التحديات المرتبطة باستمرار العقوبات الدولية على العراق، فضلاً عن الجدل الدائر آنذاك حول مستقبل الوجود العسكري الغربي في شمال العراق. وتقدم كذلك قراءة مبكرة للهواجس الغربية المتعلقة بإمكان التوصل إلى تسوية بين القيادات الكردية وبغداد، وحدود قدرة الإقليم على الاستمرار ككيان منفصل وقابل للحياة على المدى الطويل.

وتوفر هذه الوثائق مادة مهمة لفهم طبيعة التوازنات الإقليمية والدولية التي حكمت شمال العراق خلال منتصف تسعينيات القرن الـ20، كما تتيح للباحثين الاطلاع على رؤية صانعي القرار البريطانيين لأحد أكثر الملفات حساسية في مرحلة ما بعد حرب الخليج الثانية.

وتقول الوثائق البريطانية إنه بعد ثلاثة أعوام، نجح المجتمع الدولي في إنشاء إطار كان من الممكن، بل كان ينبغي، أن يتمتع فيه أكراد العراق بعام من الازدهار والأمن النسبيين، إلا أن البنية السياسية الداخلية الأساسية ظلت معيبة، وخيّم الصراع الداخلي على مجريات العام.

 

وأكدت الوثائق أن المعارك بين الحركة الإسلامية والاتحاد الوطني الكردستاني (PUK) بزعامة طالباني التي بدأت في ديسمبر (كانون الأول) 1993، توقفت في منتصف يناير. وفي مايو (أيار)، تحولت نزاعات متفرقة حول الأراضي بين الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني (KDP) بزعامة بارزاني بسرعة إلى صراع على السلطة شمل المنطقة بأكملها.

وأدى اتفاق سلام توسط فيه الأتراك في يوليو (تموز) إلى وضع حد موقت للقتال، لكن خطة سلام مثيرة للجدل جرى التفاوض في شأنها بباريس نهاية يوليو (تموز)، ونصت على تعيين "رئيس" موقت بانتظار إجراء تعداد سكاني وانتخابات جديدة، أثارت استياء الأتراك وجرى تجميدها. واندلع قتال جديد في أغسطس (آب) ولم يتوقف إلا بعد اجتماع "البرلمان" الإقليمي في الـ25 من أغسطس وبعد سقوط أكثر من ألفي قتيل.

كذلك نص اتفاق وُقع في صلاح الدين في الـ23 من نوفمبر (تشرين الثاني) على توسيع الإدارة الإقليمية للسماح للأحزاب الأصغر بالمشاركة، إلا أن فشل الأحزاب الرئيسة في تنفيذ الاتفاق ورفض الحزب الديمقراطي الكردستاني تسليم عائدات الجمارك إلى الإدارة أديا إلى تجدد القتال نهاية العام.

حافة الإفلاس

وأشارت الوثائق إلى أن التضخم وانخفاض قيمة العملة ظلا أقل بكثير مما هو عليه في بقية أنحاء العراق، واستطاعت الإدارة مواصلة تقديم الخدمات الاجتماعية الأساسية. لكن شمال العراق ظل يعتمد بصورة شبه كاملة على المساعدات حتى أواخر العام عندما خفف الأتراك القيود الجمركية عند معبر الخابور. وأدت المقاطعة المزدوجة التي فرضتها الأمم المتحدة وبغداد، إضافة إلى القتال الداخلي ورفض الحزب الديمقراطي الكردستاني تحويل الإيرادات الكبيرة المتأتية من الرسوم الجمركية، إلى دفع الإدارة الإقليمية لحافة الإفلاس.  وحالت هذه العوامل أيضاً دون أية محاولات جادة لإعادة الإعمار الصناعي كان من الممكن أن تدفع نحو انتعاش اقتصادي جزئي.

وكشفت الوثائق عن أن طائرتين مقاتلتين أميركيتين من طراز "أف-15" أسقطتا في الـ14 من أبريل (نيسان) مروحيتين من طراز "بلاك هوك" تابعتين لـMCC، مما أدى إلى مقتل 26 فرداً من قوات الحلفاء، من بينهم ضابطان بريطانيان. وتسببت هذه الحادثة، فضلاً عن تنامي الحساسية التركية، في فرض حظر على اتصالات MCC مع القادة السياسيين وعلى السفر خارج المنطقة الأمنية.

كذلك أدت الغارات الجوية التركية المتكررة عبر الحدود إلى تعطيل عمليات "توفير الراحة" فوق شمال العراق التي ظلت فاعلة بخلاف ذلك. واستمرت بغداد في قصف القرى والحقول الواقعة على طول خط الفصل وفي تنفيذ هجمات إرهابية متفرقة، إلا أن الوضع الأمني الداخلي تحسن خلال النصف الثاني من العام بعد مقتل صحافي ألماني في أبريل، واعتقال العملاء العراقيين المسؤولين عن ذلك لاحقاً.

 

وذكرت الوثائق أن الحكومة التركية والحزب الديمقراطي الكردستاني تقاربا إلى حد ما خلال العام. وعلى رغم غضب الأكراد من القصف التركي العرضي للقرى المدنية، فقد تعاون الحزب الديمقراطي الكردستاني عموماً مع الغارات التركية عبر الحدود ضد حزب العمال الكردستاني (PKK)، كما جرت زيارات متبادلة على مستوى كبار المسؤولين. وساعد في ذلك الإدراك المتزايد لدى أكراد العراق بأن الاستقلال ليس خياراً عملياً، على رغم أن الأتراك أصيبوا بقلق شديد إزاء محاولة السعي إلى الاستقلال التي وردت في اتفاق باريس. وتحسن المزاج العام لاحقاً.

لكن الأتراك ما زالوا متشككين، ولا سيما في شأن علاقات طالباني مع حزب العمال الكردستاني. وشعر الأتراك بشيء من الاطمئنان منذ ذلك الحين، إلا أن أكراد العراق كانوا قلقين من تغير السياسة التركية خلال عهد صويلسال، ولا سيما من الضغوط التركية عليهم للتفاوض مع بغداد. وكان برنامج المساعدات التركي تراجع بحلول منتصف العام، لكن هناك بعض المؤشرات على أنه سيُستأنف عام 1995.

وتبين من الوثائق أن العلاقات مع إيران تحسنت أواخر العام عندما وافق الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني على التعاون ضد جماعات المعارضة الإيرانية. وفي نوفمبر، توقف القصف وأعيد فتح الحدود، إلا أن الإيرانيين يواصلون سراً تمويل الجماعات الإسلامية في المنطقة، ولا يفوتون أية فرصة لإثارة المتاعب بين الحزبين.

وورد في الوثائق أن المؤتمر الوطني العراقي الذي أصبح مستقراً بقوة في صلاح الدين، قام بدور حاسم في الحد من الاقتتال بين الأحزاب خلال العام. ونتيجة لذلك تحسنت علاقته بالقيادة الكردية العراقية إلى حد كبير، وأصبح يحظى بشعبية واسعة داخل المنطقة. كما أن وجوده في شمال العراق أدى إلى تعزيز التعاون بين العناصر الكردية والعربية داخل المؤتمر الوطني العراقي.

تعاون بريطاني

ووثقت الوثائق أن الاتصالات البريطانية مع القيادة الكردية العراقية ظلت منتظمة ووثيقة. وتجاوز برنامج المساعدات الإنسانية البريطاني 75 مليون جنيه استرليني منذ أبريل  1991، منها 8 ملايين جنيه استرليني قُدمت خلال عام 1994. وضمن سلاح الجو الملكي البريطاني وجوداً بريطانياً واضحاً للغاية، إذ إن طائرات الهارير كانت الطائرات الوحيدة التي تنفذ بانتظام مهمات طيران منخفضة الارتفاع. وقد أدى مقتل الضابطين البريطانيين في حادثة الـ14 من أبريل إلى إثارة تعاطف واسع النطاق.

وتضمنت الوثائق تقييماً إيجابياً للمساعدات الإنسانية، إذ اعتبرتها نجاحاً كبيراً، فأُنجز بنجاح برنامج واسع لإعادة تأهيل القرى خلال الصيف، على رغم التأخيرات الناجمة عن الاقتتال بين الأحزاب. ونتيجة لزيادة الإنتاج الزراعي وتربية الماشية، أصبح شمال العراق مكتفياً ذاتياً إلى حد كبير من الغذاء، وأصبحت مخزونات الأدوية والعقاقير كافية لمدة ثلاثة أشهر.

ويكاد برنامج الشتاء لذلك العام أن يكتمل، فوصلت جميع المساعدات المخطط لها إلى البلاد، وجرى توزيع أكثر من نصفها. وساعد تحسن الوضع الأمني الداخلي والانتقال من المساعدات الطارئة إلى مساعدات إعادة التأهيل على تعزيز ثقة المنظمات غير الحكومية الدولية، على رغم أن استئناف القتال في ديسمبر أثار بعض القلق. وظلت دهوك من دون كهرباء طوال العام، كما قطعت حكومة العراق الإمدادات عن عقرة في أغسطس. إلا أن الإدارة الكردية العراقية كانت تعمل على ربط المحافظة بمحطة إقليمية للطاقة الكهرومائية.

 

ورجحت الوثائق البريطانية أنه على المدى القصير يستطيع شمال العراق الاستمرار بصورة أو بأخرى في ظروف كان من المستحيل تحملها في أماكن أخرى. أما على المدى المتوسط، فهو ليس كياناً منفصلاً قابلاً للحياة. لكنه اعتاد على الدعم الدولي، وبعد أن أدار شؤونه بنفسه ثلاثة أعوام، فلن يكون من السهل عليه العودة لعراق موحد. ومن شأن رحيل صويلسال وانشغالات تركيا في أماكن أخرى أن يجعل من الأسهل احتواء الضغوط الرامية إلى إنهاء العقوبات المفروضة على العراق، وإنهاء الوضع الخاص لشمال العراق. إلا أن الحكومة التركية تجد صعوبة متزايدة في حشد الأصوات اللازمة لتجديد عملية "توفير الراحة" كل ستة أشهر.

وأضافت الوثائق أنه خلال عام 1995 قد تضطر الحكومة البريطانية إلى اتخاذ قرارات صعبة حول كيفية إيجاد استراتيجية خروج تحفظ ماء الوجه من عملية "توفير الراحة"، بما في ذلك الضمانات التي قد تكون ضرورية لإقناع أكراد العراق بالتفاوض على اتفاق مع بغداد، وكيفية التعامل مع الانتخابات في شمال العراق من دون إحياء الشكوك التركية بأن الغرب يقوم فعلياً بإنشاء نظام منفصل هناك، وكيفية الحفاظ على الضغط الاقتصادي على العراق مع استمرار بغداد في الامتثال لقرارات مجلس الأمن، وفي الوقت نفسه السماح للأتراك بتوسيع التجارة الحدودية التي تمثل لهم متنفساً مهماً.

 

وفي ختام تقريره، أشار السفير البريطاني جون غولدن إلى أن هذه المراجعة السنوية جرى تعميمها على نطاق واسع داخل الدوائر الحكومية والدبلوماسية البريطانية المعنية بالملف العراقي، إذ أُرسلت نسخ منها إلى وزير الدفاع ووزير الدولة في إدارة التنمية الخارجية (ODA)، وممثلي جلالة الملكة في عمان ودمشق والرياض وطهران وباريس وواشنطن، فضلاً عن الممثلين الدائمين لدى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو) والأمم المتحدة وبعثة المملكة المتحدة في جنيف، إضافة إلى القنصل العام في إسطنبول وقائد القوات البريطانية المشاركة في عملية "واردن".

ويعكس هذا التوزيع الواسع حجم الاهتمام الذي أولته الحكومة البريطانية للتطورات الجارية في شمال العراق، وما كانت تمثله من أهمية سياسية وأمنية وإنسانية على المستويين الإقليمي والدولي. واختتم غولدن تقريره بتوجيه عبارات الاحترام الرسمية إلى وزارة الخارجية البريطانية، مذيلاً الوثائق بتوقيعه بوصفه سفير المملكة المتحدة في أنقرة.

اقرأ المزيد

المزيد من وثائق