ملخص
تكشف وثائق بريطانية تعود لعام 1988 تفاصيل اختطاف مهندسين إيطاليين في شمال العراق على يد الاتحاد الوطني الكردستاني، واستخدامهم كورقة ضغط سياسية ومالية مرتبطة بالأجندة الإيرانية خلال الحرب العراقية الإيرانية.
الوثائق توضح أن الإفراج تم عبر مفاوضات سرية معقدة شملت دفع فدية تقارب مليون دولار، إضافة إلى تفاهمات سياسية ومنح دراسية للأكراد، مع مشاركة وسطاء أكراد وتنظيمات موالية لإيران والعراق.
وتكشف الأزمة عن نموذج غير معلن لإدارة الرهائن عبر الشركات الخاصة، وتحذيرات بريطانية من انتقال عمليات الاختطاف لاحقاً إلى الشركات الفرنسية العاملة في المنطقة.
شكّلت قضية الرهائن الإيطاليين في شمال العراق خلال النصف الثاني من ثمانينيات القرن الـ20 واحدة من أكثر ملفات الاختطاف تعقيداً في سياق الحرب الإيرانية العراقية، ليس فقط بسبب تعدد الأطراف المنخرطة فيها، بل أيضاً لأنها كشفت بصورة غير مسبوقة عن طبيعة العلاقة بين الحكومات الأوروبية، والشركات الخاصة، والتنظيمات الكردية المسلحة، والأجهزة الدبلوماسية والاستخباراتية العاملة في المنطقة.
اختطاف أجانب في كردستان
تشير وثائق الملف المرجعي FCO 178/953، المعنون بـ"الإرهاب في العراق" والعائد إلى عام 1988، والمحفوظ في مبنى الأرشيف الوطني البريطاني بلندن، إلى أنه في مارس (آذار) 1988 وردت برقية دبلوماسية مرسلة من السفارة البريطانية في روما إلى مرجعيتها في لندن، تناولت تطورات الإفراج عن ثلاث رهائن إيطاليين كانوا قد اختُطفوا في العراق على يد الاتحاد الوطني الكردستاني.
وقد أُطلق سراح الرهائن في 27 فبراير (شباط)، وسط ترحيب إعلامي واسع، مع توقع عودتهم إلى إيطاليا في اليوم ذاته، فيما أشارت التقارير إلى أنهم كانوا في حالة صحية مقبولة.
وكان من بين المختطفين سيرجيو كومينيتي الذي يعمل لدى شركة كهرباء تدعى "SAE"، وقد اختُطف في 14 سبتمبر (أيلول)، إضافة إلى روبرتو ديوتاليفي وجوزيبي كارارا العاملين لدى شركة ""GIE، واللذين اختُطفا في الثاني من أكتوبر (تشرين الأول).
وأشارت التقارير الصحافية إلى أن عملية الإفراج نسبت إلى جهد طويل ومعقد قامت به وزارة الخارجية الإيطالية، التي أكدت بدورها أن العملية تمت عبر تحرك سري ومكثف شمل مختلف القنوات الممكنة.
منح دراسية ضمن الصفقة
في الجانب السياسي، كشفت الوثائق أن الخاطفين طرحوا أربعة شروط رئيسة مقابل الإفراج عن الرهائن.
تمثلت هذه الشروط في حظر بيع الأسلحة للعراق، وإدانة استخدام الأسلحة الكيماوية، وسحب السفن الإيطالية من الخليج العربي، وتقديم منح دراسية للطلاب الأكراد في إيطاليا.
وأوضحت الخارجية الإيطالية أن الشرطين الأول والثاني لم يشكلا تنازلاً حقيقياً، لأن روما كانت قد اتخذت هذه المواقف مسبقاً قبل الأزمة.
أما الشرط المتعلق بسحب السفن الإيطالية من الخليج العربي فقد قوبل برفض قاطع، باعتباره يمس السياسة الاستراتيجية الإيطالية ودورها العسكري في المنطقة.
في المقابل، وافقت إيطاليا على تقديم "عدد قليل من المنح الدراسية الصغيرة" للطلاب الأكراد، واعتبرت هذا التنازل جزءاً من عملية "الإقناع الصبور" التي قادت إلى إنهاء الأزمة، إلا أن الوثائق لم تتضمن أي معلومات بشأن هوية الطلاب أو آليات اختيارهم أو التخصصات التي دُرسَت، مما يعكس تركيز المراسلات على الأبعاد السياسية للمنح أكثر من تفاصيلها التنفيذية.
واستُعيدت حادثة سابقة في عام 1985، حين أُفرج عن فني مختطف بعد دفع فدية مالية تقارب مليار ليرة إيطالية إضافة إلى أدوية من قبل الشركة التي يعمل لديها.
وخلال اجتماع دبلوماسي في 29 فبراير، ناقش المسؤول البريطاني هذه القضية مع بوتاي، معرباً عن ارتياحه للإفراج عن الرهائن، وسائلاً عن خلفيات العملية.
أوضح بوتاي أن الإفراج كان نتيجة عملية معقدة تولتها الشركات المعنية تحت إشراف وزارة الخارجية الإيطالية، وشملت نقل الرهائن من مجموعة كردية موالية لإيران (الطالباني) إلى أخرى موالية للعراق (البارزاني)، التي قامت بتسليمهم إلى السلطات العراقية.
الرهائن لخدمة الأجندة الإيرانية
تشير الوثائق إلى أن الاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة جلال طالباني كان الطرف الرئيس الذي قاد عمليات الاختطاف والتفاوض، حيث استخدم التنظيم الرهائن الإيطاليين كورقة ضغط مزدوجة؛ فمن جهة سعى للحصول على موارد مالية لدعم نشاطه العسكري والسياسي، ومن جهة أخرى حاول انتزاع اعتراف سياسي غير مباشر من الحكومات الأوروبية عبر فرض شروط ذات أبعاد استراتيجية مرتبطة بالحرب الإيرانية العراقية.
وأكدت الوثائق أن عمليات الاختطاف في كردستان لم تكن تُدار بمنطق "العصابات التقليدية"، بل ضمن بنية سياسية وعسكرية منظمة، حيث تعامل الخاطفون مع الشركات الأجنبية باعتبارها كيانات ملزمة بدفع "ثمن الامتياز" مقابل العمل داخل مناطق نفوذهم.
وأشارت المراسلات إلى أن الخاطفين كانوا يصرحون صراحة بأن أي شركة أجنبية تعمل في كردستان يجب أن تكون "ملزمة بالدفع مقابل هذا الامتياز"، وهو التعبير الذي تكرر في التقارير البريطانية والإيطالية بوصفه مفتاح فهم سياسة الاختطاف الكردية في تلك المرحلة.
وتكشف الوثائق أن البعد الإيراني كان حاضراً بقوة داخل هذه الأزمة، سواء من خلال طبيعة الفصائل المتورطة أو من خلال المطالب السياسية المطروحة، فقد أوضحت التقارير أن الرهائن نُقلوا خلال عملية الإفراج من أيدي "خاطفين أكراد موالين لإيران" إلى "مجموعة كردية موالية للعراق"، في عملية انتقال ميداني عكست حجم التداخل بين الولاءات الكردية والإقليمية.
وفي هذا السياق، برز اسم عبدالرحمن قاسملو، زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، باعتباره أحد أهم الوسطاء في عملية الإفراج.
توضح الوثائق أن الدبلوماسي الإيطالي "توسكانو" اعتمد على قاسملو كضامن احتياطي لتنفيذ عملية التسليم في حال فشل ترتيبات جلال طالباني، إلا أن المراسلات كشفت لاحقاً أن قاسملو "لم يلتزم بكلمته"، إذ لم يحضر إلى نقطة اللقاء المتفق عليها عندما أحضر رجال طالباني الرهائن إلى موقع التسليم، مما أدى إلى انهيار الخطة الأصلية وتعقيد المرحلة الأخيرة من العملية.
انسحاب قاسملو وفدية مليونية
أوضحت التقارير أن غياب قاسملو لم يكن مجرد تفصيل ميداني بسيط، بل تسبب في تحويل عملية الإفراج من تسليم منظم إلى رحلة بقاء قاسية عبر الجبال، فقد أُجبر الرهائن على السير لمدة تسعة أيام متواصلة وسط تضاريس وعرة، وذكروا لاحقاً أنهم شعروا وكأنهم "يسيرون في دوائر"، في إشارة إلى حالة الضياع والإرهاق والتضليل التي عاشوها أثناء التنقل بين المسارات الجبلية.
وكشفت الوثائق أن بعض المستلزمات التي حاول الإيطاليون إيصالها إليهم عبر القنوات السرية قد فُقدت أثناء الرحلة، على رغم أن الرهائن أكدوا أنهم لم يتعرضوا لسوء معاملة مباشرة من قبل الخاطفين.
وبينت الوثائق أن الرحلة انتهت عندما تُرك الرهائن في منطقة مرتفعة مطلة على منتجع شقلاوة الجبلي قرب أربيل، حيث اضطروا لشق طريقهم بأنفسهم حتى وصلوا إلى المنتجع، وهناك تمكن "توسكانو" أخيراً من العثور عليهم ونقلهم إلى بغداد.
وقد وصفت الخارجية الإيطالية العملية بأنها "عملية طويلة وصعبة" جرت في "كافة الأماكن المناسبة"، في تعبير يعكس حجم الاتصالات السرية والوساطات غير المباشرة التي استخدمت لتأمين الإفراج.
تقسيم للأدوار
تكشف الوثائق أن عملية تحرير الرهائن اعتمدت على تقسيم واضح للأدوار بين الحكومة الإيطالية والشركات الخاصة، فقد تولت الشركات، وعلى رأسها "SAE" و"GIE"، التفاوض المالي المباشر مع الخاطفين، بينما بقيت الخارجية الإيطالية بعيدة من تفاصيل الدفع المباشر لتجنب الإحراج السياسي والقانوني المرتبط بالتفاوض مع جماعات مسلحة.
وأكد الدبلوماسي الإيطالي "توسكانو" أنه لم يتدخل في دفع الفدية، لأن تلك المسألة كانت تُدار مباشرة بين الشركات والخاطفين.
وأشارت الوثائق إلى أن الفدية المدفوعة لتحرير الرهائن الثلاثة بلغت نحو مليون دولار أمريكي، في حين كشفت عن حالات سابقة دفعت فيها الشركات الإيطالية مبالغ ضخمة لتحرير موظفين مختطفين.
وأكدت الوثائق أن الشركات الإيطالية لم تكن تنظر إلى هذه المدفوعات باعتبارها خسائر استثنائية، بل باعتبارها جزءاً من "تكلفة العمل" في بيئة خطرة.
وقد أوضحت المراسلات أن النظام الضريبي الإيطالي كان يسمح للشركات بخصم مبالغ الفدية من الضرائب، مما يعني أن الدولة كانت تتحمل العبء المالي بصورة غير مباشرة من خلال تقليل الوعاء الضريبي للشركات.
وذكرت التقارير البريطانية أن هذا الترتيب جعل الشركات "غير قلقة بشأن حجم المبالغ المدفوعة"، لأنها قادرة على استرداد جزء كبير منها عبر النظام المالي الإيطالي.
وتوضح الوثائق أن هذا النموذج سمح للحكومة الإيطالية بالحفاظ على موقفها العلني الرافض للتفاوض مع الجماعات المسلحة، مع ضمان سلامة مواطنيها عملياً عبر ترك الشركات تقوم بالدفع نيابة عنها. لذلك فضلت الخارجية الإيطالية وصف عملية التحرير بأنها نتيجة "إقناع صبور" و"عملية مكثفة وسرية"، بدلاً من الاعتراف الصريح بدفع فدية.
"الفرنسيون التاليون".. تحذيرات من اختطاف جديد
كشفت الوثائق عن اهتمام بريطاني بالغ بطريقة إدارة إيطاليا للأزمة، فقد لعبت الدبلوماسية البريطانية دور المراقب الاستخباراتي الذي يتابع بدقة كيفية تعامل الحكومات الأوروبية مع ملف الفديات والاختطاف.
وأوضحت التقارير أن السفارة البريطانية في بغداد وثقت تفاصيل التفاوض المالي وقيمة الفدية وآليات الدفع، ورصدت استخدام الوسطاء الأكراد والتنقل بين الجماعات الموالية لإيران وتلك الموالية للعراق.
وأكدت الوثائق أن بريطانيا ركزت على الجانب الأمني والتحذيري أكثر من الجانب السياسي، إذ قام الدبلوماسي البريطاني "كلارك" بتحذير نظيره الفرنسي رسمياً من أن الشركات الفرنسية ستكون الهدف التالي بعد "إعفاء" الإيطاليين، وقد استند هذا التحذير إلى تصريحات مباشرة نقلها "توسكانو" عن الخاطفين، مفادها أن "الفرنسيين سيكونون هم التاليين في عمليات الاختطاف".
وأوضحت الوثائق أن "الإعفاء" الذي حصل عليه الإيطاليون لم يكن ضمانة أمنية رسمية، بل كان بمثابة "صك أمان ميداني" موقت منحته الجماعات الكردية بعد دفع الفدية وتنفيذ التفاهمات السياسية والتعليمية المطلوبة.
الشركات دفعت ثمن الامتياز
بحسب الخاطفين، فإن الشركات الإيطالية كانت قد "دفعت ثمن الامتياز"، وبالتالي لم تعد هدفاً مباشراً للاختطاف، في حين انتقل التركيز نحو الشركات الفرنسية العاملة في المنطقة.
ومن الجوانب المهمة التي أبرزتها الوثائق أيضاً استمرار الشركات الإيطالية في العمل داخل كردستان حتى بعد تعرض موظفيها للاختطاف، فقد عادت شركة "SAE" للعمل في المنطقة رغم تعرض موظفين تابعين لها للاختطاف أكثر من مرة، مستندة إلى "التفاهمات" التي تم التوصل إليها مع الجماعات المسلحة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
توضح المراسلات أن هذا الاستمرار كان مدفوعاً باعتبارات اقتصادية وتجارية، إضافة إلى الثقة التي منحتها الشركات لـ"الإعفاء" الذي حصلت عليه من الخاطفين.
في المقابل، أظهرت الأزمة وجود توتر إداري بين بغداد وروما، إذ ذكرت الوثائق أن السلطات العراقية "كانت تثير صعوبات" في ما يتعلق بإجراءات خروج الرهائن من البلاد بعد وصولهم إلى السفارة الإيطالية. مع ذلك، لم تتحول هذه الصعوبات إلى أزمة سياسية مفتوحة، حيث حرصت إيطاليا على الحفاظ على توازن دقيق بين حماية مواطنيها وعدم الإضرار بعلاقاتها مع العراق.
توضح الوثائق في مجملها أن قضية الرهائن الإيطاليين لم تكن مجرد حادثة اختطاف تقليدية، بل كانت انعكاساً لصراع إقليمي أوسع امتزجت فيه الحرب الإيرانية العراقية بالنفوذ الكردي وبالمصالح الاقتصادية الأوروبية.
وكشفت الأزمة عن نموذج غير معلن لإدارة الأزمات، يعتمد على "خصخصة التفاوض" عبر الشركات الخاصة، واستخدام الوسطاء المحليين، وتوظيف الفدية والمنح الدراسية والتفاهمات السياسية كأدوات لاحتواء النزاعات وتأمين المصالح الغربية داخل بيئة أمنية شديدة التعقيد والهشاشة.