ملخص
يرى كاتب المقالة أن "بريكست" أضعف قدرة بريطانيا على تمويل دفاعها وتعزيز نموها الاقتصادي، وجعلها أكثر اعتماداً على الولايات المتحدة وأقل قدرة على مواجهة تحديات الصين وروسيا. ويخلص إلى أن تعميق الاندماج مع أوروبا لم يعد خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية واقتصادية.
عندما انضممت إلى الحكومة في يوليو (تموز) 2024، بصفتي مستشاراً خاصاً لحزب العمال في وزارة الخارجية في عهد وزير الخارجية آنذاك ديفيد لامي، كنت لا أزال غير واثق حقاً في قرارة نفسي مما إذا كانت بريطانيا في حاجة إلى علاقة أوثق مع أوروبا. أذكر أنني فكرت في أن "إعادة الضبط" التي اقترحها كير ستارمر قد تكون كافية.
لكن حين غادرت، بعدما رأيت من كثب حقيقة علاقات بريطانيا بالولايات المتحدة والصين، لم تعد لدي أي أوهام من هذا القبيل. فواقع العيش مع قوتين عظميين قمعيتين يعني أن بريطانيا في حاجة إلى أوروبا أكثر، وكلما أسرعنا كان ذلك أفضل.
أثناء عملي كمستشار خاص، راقبت مجلس الوزراء وهو يصارع خيارات من شأنها تحديد مسار القرن. كان أولها أننا نواجه مشكلة مع الولايات المتحدة. ما رأيته أن ما يعده الجمهور "علاقة خاصة" غير موجود على أرض الواقع. فنحن لا نحظى بأي معاملة خاصة ولا صفقات تفضيلية في واشنطن. ومن حرب ترمب ضد إيران إلى حروبه التجارية مع الصين، لم نعد ضمن دائرة المطلعين.
إن العلاقة الحقيقية التي تربطنا بالولايات المتحدة هي في الواقع "علاقة اختصاص" مع المملكة المتحدة في ما يتعلق بالمعلومات الاستخباراتية وبعض القدرات العسكرية ونظام ترايدنت النووي. تمنح هذه الأمور مزايا هائلة للمملكة المتحدة لكنها تكلفنا استقلاليتنا، لأنها تشكل مصدر اعتماد كبير لبريطانيا على الولايات المتحدة، وهي تبعية، بالنظر إلى الاتجاه الذي تسير فيه السياسة الأميركية اليمينية، يمكن أن تستخدم كوسيلة ضغط علينا. وقد بدأ هذا بالفعل. لقد استخدم ترمب الإكراه مع أوكرانيا لمحاولة إجبارها على التخلي عن مقاومتها، وهدد باستخدام الأسلوب نفسه معنا من خلال فرض الرسوم الجمركية علينا عندما اعترضنا على مسألة غرينلاند. ولن يكون هذا الأمر مجرد حادثة عابرة.
هل سنستثمر في جيش قادر على مواجهة روسيا، ربما من دون دعم الولايات المتحدة؟ بالنظر إلى النهج الانعزالي الذي يتبعه الحزب الجمهوري في سياساته، فإن هذا الاحتمال حقيقي للغاية. والأسوأ من ذلك، إذا لم يعتقد الروس أننا قادرون على القتال، فذلك يزيد احتمالات إقدامهم على مغامرة خطرة ويرفع خطر اندلاع الحرب.
إن أي توفير مالي على المدى القصير في هذا المجال يحمل أخطاراً هائلة على المدى الطويل. وهذا هو سبب الصراع الشرس الذي دار حول تعهد الاستثمار في شؤون الدفاع بين وزارة الخزانة ومقر رئاسة الوزراء ووزارة الدفاع، والذي بلغ ذروته أخيراً باستقالة وزير الدفاع جون هيلي.
عندما يتعلق الأمر بالتسلح، فإن الخيار يتوقف على المسار المتبع سابقاً. ولهذا السبب أبدى هيلي اعتراضاً شديداً على منحه زيادة لا تتجاوز 0.08 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لتعزيز دفاعاتنا. فإذا لم نستثمر الآن، فلن نكون قد أعدنا تسليح أنفسنا بعد 10 أعوام. ونظراً إلى ضخامة حاجات الجيش ونقص السيولة النقدية، فإن مشكلتنا الأمنية المتعلقة بالتحولات الأميركية لها حل أوروبي. نحن في حاجة إلى الاستثمار وبناء القدرات بالتعاون مع الأوروبيين، لكن انهيار مفاوضاتنا الأخيرة للانضمام إلى برنامج العمل الأمني "سايف" (SAFE) التابع للاتحاد الأوروبي والبالغة قيمته 150 مليار يورو والذي يهدف إلى تمويل حملة إعادة تسليح القارة، يدل على وجود حدود حقيقية لما يمكننا إنجازه بصورة مشتركة دون تجاوز الخطوط الحمراء لحزب العمال. إن تعزيز العلاقات مع أوروبا يعني مزيداً من إعادة التسليح. لكن لمزيد من إعادة التسليح بهذا الحجم، تحتاج حقاً إلى اقتصاد أكبر يمكنه تحمل هذه الكلف دون اللجوء إلى إجراءات التقشف المؤلمة.
لقد زاد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) هذا الوضع سوءاً بصورة كبيرة من خلال خفض معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي لدينا، مما كلفنا ما لا يقل عن 30 مليار جنيه استرليني من الضرائب المفقودة سنوياً، أي ما يعادل الموازنة الرئيسة السنوية لوزارة الدفاع. هذا هو المبلغ الذي كنا في حاجة إليه من أجل إعادة التسلح دون الحاجة إلى تدابير تقشفية وضرائب مؤلمة.
وهذا يقودنا مباشرة إلى مشكلة النمو التي نواجهها. تعاني الحكومة صعوبة في التعامل مع حقيقة أن البلاد في حاجة ماسة إلى النمو، ولكن على رغم الجهود المهمة التي بذلتها في مجال التخطيط أو مراجعة سياسة جون فينغلتون النووية، فإن نتائج هذه الخطوات لن تظهر إلا على المدى البعيد جداً. ولا يمكن تحقيق مكاسب متوسطة الأجل تحدث فارقاً ملموساً في النمو والاستثمار ضمن أي أفق زمني سياسي إلا من خلال تعزيز وصولنا إلى السوق الأوروبية الموحدة. وهي بالمناسبة أكبر المكاسب. لكن المشكلة أن النمو المتاح ضمن الخطوط الحمراء التي وضعها كير ستارمر محدود للغاية، لأنها تحول دون العودة إلى السوق الموحدة أو الاتحاد الجمركي.
لقد فاقم "بريكست" هذه المشكلة بصورة كبيرة من خلال خفض معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي للفرد. كنا نحقق نمواً أسرع من فرنسا وإيطاليا وهولندا، لكننا الآن متخلفون عن هذه الدول. لم يعد الحديث يدور حول آفاق "بريكست" المشرقة، بل فقط عما إذا كان قد كلفنا اثنين إلى ثمانية في المئة من ناتجنا المحلي الإجمالي. إنها أرقام ضخمة من حيث الإيرادات الضريبية المفقودة.
حتى الآن، من المتوقع أن تحقق سياسات رئيس الوزراء تجاه أوروبا زيادة نسبتها 0.3 في المئة في الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2040، في حين تشير تقديرات "بلومبيرغ" إلى أن العودة إلى السوق الموحدة للاتحاد الأوروبي قد تساعدنا على استعادة ثلاثة أضعاف هذا المبلغ. ببساطة، من الواضح جداً في اجتماعات مجلس الوزراء أن زيادة الاندماج مع أوروبا تعني زيادة النمو، وكان الإحباط من عدم قدرة المجلس على التعبير عن هذه الحقيقة أحد الأمور التي لمسناها في [وزير الصحة السابق] ويس ستريتينغ عندما كان في الحكومة. مرة أخرى، إنها مسألة اختيار: ما لم تكسر الحكومة حاجز خطوطها الحمراء في القريب العاجل، فلن يتحسن النمو بصورة ملموسة بحلول الانتخابات المقبلة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكن هذا يعني أيضاً أن نمونا يعتمد على المسار الذي سلكناه، والذي تمثل في إعطاء الأولوية للاستيراد الرخيص على المدى القصير - وهو ما يخفف كلفة المعيشة - على حساب عافية الصناعة البريطانية والأوروبية على المدى الطويل في ما يتعلق بالصين. لقد فرضت كل من الولايات المتحدة والصين حواجز جمركية على السيارات الكهربائية الصينية لحماية صناعات السيارات لديهما وفي الغرب بصورة عامة، لكننا لم نفعل ذلك. هذا خيار سياسي مشروع، لكنه مرة أخرى يعتمد على المسار المتبع. إنه ليس خياراً يمكنك التراجع عنه بعد 10 أو 15 عاماً عندما تجد نفسك تورطت في مجموعة جديدة كلياً من صور التبعية على السيارات الكهربائية والسلع الخضراء والمواد الكيماوية والأدوية الصينية. عليك أن تتخذ الآن خياراً للدفاع عن الصناعات البريطانية والأوروبية.
ومرة أخرى، ضاعف "بريكست" من صعوبة الأمر: عندما يتعلق الأمر بالتجارة، فإننا نواجه الصين بمفردنا وليس كقارة. وقد جعلنا ذلك أكثر ضعفاً، وليس أكثر مرونة.
وما يعنيه ذلك أنه ما لم تكن ترغب في زيادة التعامل مع الصين، فستحتاج إلى زيادة التعامل مع أوروبا، سواء من حيث الوصول إلى السوق الموحدة لسلعنا أو من خلال العمل مع المفوضية الأوروبية لتطوير دفاعات تجارية قارية. إذا ما نظرنا إلى طريقة إخضاع الصينيين للولايات المتحدة في حرب ترمب التجارية عبر قطعهم إمدادات المعادن النادرة الضرورية لمجمعها الصناعي العسكري، فسندرك مدى قوة وسائل الإكراه الصينية بالفعل. وهذا أمر لم يكن الاتحاد السوفياتي ليحلم به قط.
في الحقيقة، هذا عالم ترمب وشي وبوتين، ونحن نعيش فيه فحسب. وكل تحدٍ جيوسياسي تواجهه بريطانيا في هذه المرحلة المخيفة التي تمر بها يجبرنا بالفعل على العمل بصورة أعمق بكثير مع الأوروبيين. لكن المسار الذي نُرغم على سلوكه لعدم وجود بدائل هو المسار الصحيح. فزيادة الانفتاح على أوروبا تعني مزيداً من الأمن ومزيداً من النمو. إن الحل لمشكلاتنا الجيوسياسية هو نفسه الحل لمشكلاتنا الاقتصادية. وسيكون التوصل إلى حل سياسي يعيدنا إلى كنف أوروبا التحدي الرئيس بالنسبة إلى ما يبدو، بعد استقالة جون هيلي، أمراً حتمياً أكثر فأكثر، وهو وصول رئيس وزراء جديد من حزب العمال يدعى آندي بيرنهام، في وقت لاحق من هذا العام.
© The Independent