Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

دروس أورويل السياسية في الحرب الإسبانية

المناضل النزيه يصطدم بسلوك القوى التي تطوع لمساندتها ضد الدكتاتورية وكاد يموت دفاعاً عنها

من مشاهد الحرب الإسبانية (الموسوعة البريطانية)

ملخص

أول وأهم ما يؤكده  جورج أورويل في كتابه عن الحرب الأهلية الإسبانية هو أن الحقيقة هي أول ضحايا الحرب بالنظر إلى أن الوقائع كثيراً ما تشوه أو تمحى لخدمة مصالح القوى السياسية، حزبية كانت أو غير حزبية.

اشتهر كتابا جورج أورويل "مزرعة الحيوانات" و"1984" وطبعا وصدرا وترجما عشرات المرات إلى درجة بات فيها قسم من قرائه يعتقدون أنه لم يؤلف غيرهما على مجرى الحياة الطويلة والغنية التي عاشها.

والحقيقة أن قوة كل من الكتابين في مجاله، كما في المجالات المشتركة بينهما، كانت وتبقى ماثلة في كون الكاتب من خلالهما معاً، أصبح واحداً من كبار الكتاب السياسيين في القرن العشرين، بخاصة أن الرجل لم يخض فقط معارك فكرية ضد الأعداء الذين شاركوا في الحرب الإسبانية، بل خاض كذلك، معارك فكرية ضد الحلفاء والأصدقاء بل حتى الرفاق الذين كان قد توجه أصلاً إلى إسبانيا لمساندتهم بكل صدق وحماسة ما إن اندلعت "حربهم العادلة" ضد فرانكو وفاشييه ودفاعاً عن الجمهورية الديمقراطية، فأذهله أن يجد أن الفساد ينخر من الداخل القوى التي يساندها بأكثر مما يفعل الأعداء الفاشيون.

وهو لئن كان قد عبر في روايتيه الأشهر عما توصل إليه من استخلاصات أيديولوجية جعلته يكرس الكتابين لفضح من ثم محاولة إصلاح، تلك القوى التي لم يشأ على رغم كل شيء أن يقطع معها، فإنه في نصوص له أقل شهرة، رسم خريطة دقيقة لما عايشه ولما دفعه إلى "السكوت" في نهاية حياته عن أعدائه وأعداء حلفائه الحقيقيين، ليركز على من كان يجدر بهم أن يكونوا جماعته.

ونعرف أن هذا الواقع قد فتح نيران جماعته عليه موجهة له اتهامات مزيفة لم يعبأ بها هو على الإطلاق. ولعلنا نجد صورة واضحة لتلك الوجهة من معركته في واحد من كتبه الأخيرة وهو "تأملات حول الحرب الإسبانية" الذي أصدره في عام 1942 ويشكل أصلاً الجزء الثاني من مجموعة كتابات له في السياسة والأدب صدرت بين العامين 1940 – 1943.

ويرى كثر من المهتمين بعمله وكتاباته ومنهم برنارد كوك الذي وضع له خير سيرة تناولت (وترجمها إلى العربية ترجمة بالغة الروعة الشاعر الراحل ممدوح عدوان)، أنها من أهم ما كتب بل تشكل جزءاً أساسياً من النصوص التي تمكننا من فهم بقية كتاباته ومواقفه.

مراجعة فكرية وأخلاقية

بالنسبة إلى المهتمين بجورج أورويل يعتبر هذا الكتاب واحداً من أهم النصوص الفكرية والسياسية التي أصدرها وهو في الأصل مقالة طويلة نشرها للمرة الأولى عام 1943 ثم أدرجت لاحقاً في مجموعات أعماله.

وتكمن أهميتها في أنها، بحسب دارسيه، ليست مجرد شهادته على الحرب الأهلية الإسبانية التي خاضها وقامت بين 1936 1939 بل مراجعة فكرية وأخلاقية عميقة لتجربة عاشها الكاتب بنفسه حين تطوع للقتال إلى جانب الجمهوريين ضد فاشيي فرانكو. ونعرف أن أورويل (واسمه الأصلي إريك بلير) كان قد وصل إلى إسبانيا في نهايات عام 1936 مقتنعاً بأن الصراع هناك "يمثل مواجهة حقيقية بين الفاشية وقوى الحرية". وهناك انضم إلى صفوف حزب العمال الماركسي الموحد وخاض المعارك بخاصة على جبهة أراغون قبل أن يصاب برصاصة في عنقه كادت تودي بحياته.

غير أن التجربة التي عاشها لم تقتصر على أهوال الجبهة بل امتدت إلى اكتشافه، كما سيقول بنفسه "حجم الانقسامات داخل المعسكر الجمهوري، إذ تحولت الصراعات بين الشيوعيين والاشتراكيين والفوضويين المنافسين إلى معارك سياسية وفكرية وإعلامية لا تقل ضراوة عن حربهم المفترضة المشتركة ضد فرانكو".

ومن هنا، في هذا النص لا يكتب أورويل بصفته مؤرخاً، بل شاهداً يسعى إلى الدفاع عن الحقيقة في مواجهة أكاذيب الدعاية.

الحقيقة أول الضحايا

إن أول وأهم ما يؤكده أورويل في نصه هذا هو أن الحقيقة هي أول ضحايا الحرب بالنظر إلى أن الوقائع كثيراً ما تشوه أو تمحى لخدمة مصالح القوى السياسية، حزبية كانت أو غير حزبية.

والكاتب يستعيد هنا أمثلة عديدة رأى فيها الصحف العالمية تنشر أخباراً يعلم هو علم اليقين أنها لم تحدث أبداً بينما تتجاهل الصحف نفسها أحداثاً عايشها بنفسه. ومن هنا نراه يعبر عن تلك المخاوف المبكرة التي رأى من خلالها قدرة الأنظمة الحديثة على إعادة تشكيل الذاكرة الجماعية. وهي نفس الفكرة التي سيوصلها إلى ذروتها المنطقية لاحقاً في روايته الأشهر "1984".

ومهما يكن، فإن أبرز الأفكار التي يعبر عنها أورويل في نصه المذكور، تكمن في رفضه التفسير البسيط للصراعات السياسية. فهو يرى مثلاً أن الحرب الإسبانية لم تكن مجرد مواجهة بين الشر والخير، بل كانت أيضاً ميداناً تتصارع فيه مشاريع ثورية مختلفة لكل منها أفكارها وأهدافها ودعاياتها.

غير أن كاتبنا، على رغم ذلك، لا يتخلى عن إيمانه بأن مقاومة الفاشية كانت ولا تزال واجباً اخلاقياً.. وهو، أي أورويل، يرى من مهمته في السياق ذاته أن ينتقد الوسائل التي لجأت إليها بعض القوى الجمهورية ولا سيما القمع المتبادل وسياقات التكوين والتلاعب بالحقائق. وفي طريقه يضفي أورويل اهتماماً خاصاً بقضية الذاكرة. فهو يدرك أن "الأجيال اللاحقة ستعرف الحرب من خلال الكتب والصحف لا من خلال التجربة المباشرة" ولذلك يشعر بمسؤولية أخلاقية تجاه أهمية تسجيل ما عايشه ورآه بأم عينيه. صحيح أنه لا يدعي امتلاك الحقيقة كاملة، لكنه يرفض أن تحل الروايات "الرسمية" محل الوقائع المعيشة. ومن هنا، تبدو تأملاته "حول الحرب الإسبانية" دفاعاً عن الشهادة الفردية بوصفها مقاومة ضد النسيان والتزييف.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ضد اللغة الأيديولوجية

كما حاله في رواياته يتميز أسلوب أورويل هنا بالموضوعية والبساطة، وعلى الأقل في رأي متابعيه الذي يلحظون ابتعاده عن اللغة الأيديولوجية الثقيلة وأنه "يكتب بلغة مباشرة لكنها مشحونة بالتأمل الفلسفي والقلق الأخلاقي من دون أن يسعى إلى إدانة طرف بعينه بقدر ما يحاول فهم الكيفية التي يمكن أن تدفع الحرب بها الناس إلى تبرير الكذب والفسق باسم القضية التي يؤمنون بها".

ولكن الأهم من هذا أن صفحات هذا النص تكشف حقاً عن التحول الفكري الذي عرفه جورج أورويل بعد إسبانيا. فهو "خرج من التجربة أكثر تشككاً في الأنظمة الشمولية سواء جاءت من اليمين الفاشي أو من اليسار الستاليني. وهذا ما جعل كتاباته الأخرى، وبخاصة روايتيه الكبيرتين، تتجاوز نقد نظام سياسي محدد لتضحي نقداً شاملاً لكل سلطة تدعي احتكار الحقيقة وتسعى إلى السيطرة على الوعي واللغة والتاريخ وكل ما يمت إلى الوجود الإنساني بصلة".

ولهذا ينظر إلى "تأملات حول الحرب الإسبانية" بوصفه نصاً تأسيسياً في فكر جورج أورويل (1903 - 1950) باعتباره عملاً يجمع بين التجربة الشخصية والتحليل السياسي والتأمل الفلسفي، مذكراً قارئه بأن الدفاع عن الحرية لا يقتصر على حمل السلاح، بل يبدأ أيضاً بالدفاع عن الحقيقة والقدرة على مقاومة الأكاذيب التي تزرعها الدعاية أياً كان مصدرها.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة