ملخص
بينما تستعد بريطانيا لمواجهة أزمة غذاء خلال الأسابيع والأشهر المقبلة بسبب الحرب في الشرق الأوسط وتعطل الملاحة في الخليج العربي عبر مضيق هرمز، تسعى حكومة رئيس الوزراء كير ستارمر إلى تسريع إعادة النظر في بعض الاتفاقات التجارية مع الاتحاد الأوروبي.
في خطابه إلى الأمة هذا الشهر، أبدى رئيس الوزراء البريطاني كيير ستارمر توجهاً لاستعادة العلاقات مع أوروبا بعد ستة أعوام من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست).
وقال ستارمر في خطابه إن "بريكست" أصاب اقتصادنا بضرر عميق، ووعد بأن حكومته "أكثر طموحاً لتعزيز العلاقات مع الاتحاد الأوروبي لأن منافع ذلك أكبر من أن يجري تجاهلها".
ومع أن ذلك لا يعني التراجع عن "بريكست" بل إعادة ضبط للعلاقة مع أوروبا، لكن المتشددين يتهمون الحكومة بالنكوص عن الخروج من أوروبا، والعام الماضي عُقدت أول قمة أوروبية - بريطانية ما بعد "بريكست"، وبانتظار عقد القمة الثانية هذا العام بهدف تحسين شروط التجارة التي فُرضت مع اتفاق الخروج عام 2020.
أما سبب التحول في توجه الحكومة البريطانية فهو أنه بعد 10 أعوام الآن من التصويت على استفتاء "بريكست" باعتباره سيحرر بريطانيا من القيود الأوروبية، لتنطلق نحو النمو الاقتصادي وتعزيز التجارة مع مختلف أنحاء العالم، لم يحدث سوى العكس تقريباً، ولم يجدِ التوجه غرباً عبر الأطلسي حيث لم تعد العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة كما كانت، وفشلت كل محاولات التوصل إلى اتفاق تجارة حرة هائل مع أميركا كما كان مأمولاً، بل إن إدارة الرئيس دونالد ترمب لم تستثن بريطانيا من كل إجراءاتها التجارية ضد شركائها.
وبينما وعد ستارمر بأن يعمل على تخفيف القيود التي فرضها "بريكست" على تجارة بريطانيا مع الاتحاد الأوروبي، فإن تحليلاً مطولاً في صحيفة "فايننشال تايمز" أمس الثلاثاء يخلص إلى أن حكومة ستارمر ربما "فوتت فرصة التوجه نحو أوروبا، وأن الوقت تأخر على ذلك بالفعل."
أوروبا وغذاء بريطانيا
بينما تستعد بريطانيا لمواجهة أزمة غذاء خلال الأسابيع والأشهر المقبلة بسبب الحرب في الشرق الأوسط وتعطل الملاحة في الخليج العربي عبر مضيق هرمز، تسعى حكومة رئيس الوزراء كير ستارمر إلى تسريع إعادة النظر في بعض الاتفاقات التجارية مع الاتحاد الأوروبي، وتزيد تجارة بريطانيا مع أوروبا على نصف حجم تجارتها الخارجية كلها، فالاتحاد الأوروبي هو الشريك التجاري الأكبر لبريطانيا، وبعد "بريكست" فقدت بريطانيا كل ميزات عضوية السوق الأوروبية من حيث الوصول إلى أسواق أوروبا أو الاستفادة من السياسات الزراعية والغذائية الأوروبية، ومن أهم المشكلات التي تضاعف تأثير ذلك على بريطانيا تبعات الحرب في الشرق الأوسط، إذ إن القيود التي فُرضت على تجارتها مع أوروبا نتيجة "بريكست" تضر بالقطاع الزراعي من ناحية، وبالأمن الغذائي البريطاني من ناحية أخرى، فبالنسبة إلى الزراعة فقد فقدت بريطانيا مخصصات الدعم الزراعي الأوروبي التي كان مزارعوها يعتمدون عليها، إضافة إلى أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي جعل استقدام العمالة الموسمية من بعض الدول الأوروبية لقطاع الزراعة البريطاني غاية في الصعوبة، خصوصاً مع سياسات الهجرة البريطانية المشددة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وكذلك فإن تحرر بريطانيا من إجراءات السلامة الصحية والغذائية الأوروبية الصارمة جعل انتقال السلع والبضائع بين بريطانيا ودول الاتحاد، بما فيها إيرلندا، يتطلب إجراءات معقدة ومطولة تعرقل الشحن عبر الحدود، فضلاً عن أن سائقي الشاحنات ما عادوا يعبرون الحدود بسلاسة مما تسبب بالفعل في إفلاس عدد من شركات الشحن بين الجزر البريطانية والقارة الأوروبية.
ولا تزال المفاوضات جارية في شأن اتفاق حول سلامة الغذاء والمنتجات الزراعية بين لندن وبروكسل، إضافة إلى اتفاقات أخرى تستهدف تخفيف القيود على التجارة بين الطرفين، وعلى رغم رغبة حكومة ستارمر في إبرام تلك الاتفاقات لكن أوروبا ليست متعجلة ولا تثق تماماً في أن الحكومة الحالية في لندن قادرة على الوفاء بالتزاماتها، كما ذكر تقرير "بي بي سي" قبل يومين.
تخبط السياسات
ليس هناك إجماع في بريطانيا على إعادة ضبط العلاقات مع أوروبا بهدف تحسين شروط التجارة مع الشريك الأكبر لها، فالمعارضة السياسية تتهم حكومة ستارمر بأنها تتجه نحو تفريغ "بريكست" من مضمونه، على عكس نتائج استفتاء الشعب عام 2016، في وقت لا تتحمس أوروبا كثيراً لعودة بريطانيا لبعض الاتفاقات التي تمكنها من تحسين شروط تعاملاتها التجارية والاقتصادية مع القارة، ونتيجة لذلك يدفع المزارعون البريطانيون والمستهلكون عامة كلفة تبعات "بريكست" وخصوصاً في مجال الأمن الغذائي، يضاف إلى ذلك أنه على مدى نحو نصف قرن لم يكن لدى بريطانيا سياسة غذائية خاصة بها، إذ كانت جزءاً من السياسة الزراعية والغذائية الأوروبية، ولم تطور على مدى الأعوام الخمسة الماضية منذ "بريكست" سياسة خاصة بها، وهو ما خلصت إليه دراسة لـ "معهد البيئة والاستدامة."
ويقول مدير "معهد الدراسات المالية" بول جونسون إنه "بالنسبة إلى بريطانيا فإن 50 في المئة من تجارتها مع دول الاتحاد الأوروبي لأنها تعتمد عليه، وإذا لم نتوصل إلى اتفاقات فإنها ستصبح في مشكلة كبيرة".
أما أستاذ السياسات الغذائية في جامعة "سيتي" بلندن البروفيسور تيم لانغ فيرى أن "نظاماً غذائياً لديه مخزونات تكفي فحسب من ثلاثة إلى خمسة أيام لا يمكنه الاستغناء عن الاتحاد الأوروبي الذي يوفر ما نسبته 31 في المئة من غذاء البلاد، ومن يعتقد أن ذلك أمر بسيط فهو يفتقر إلى المعرفة"، ويشير بعض المحللين إلى أن مشكلة بريطانيا أنها تحاول التوجه نحو أوروبا في أوقات الأزمات حين تشعر بأن "بريكست" يضاعف أضرار تلك الأزمات عليها، خصوصاً مع فشل لندن في الحصول على ما أرادت من علاقتها بأميركا، وتلك سياسة ليست بالضرورة ناجعة في استدامة الأمن الغذائي البريطاني، ويضاف إلى ذلك أن أوروبا ليست مستعدة لتغيير اتفاقات "بريكست" لمصلحة لندن دون مصلحة لبروكسل، وهذا ما يضع حكومة كير ستارمر بين فكي التشدد الأوروبي عبر القنال الإنجليزي، والمعارضة السياسية في الداخل البريطاني.