Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التأميم خط الفصل الأوضح بين اليسار واليمين في بريطانيا

المرشح لخلافة ستارمر يتطلع إلى عودة الطاقة والمياه لسيطرة الدولة خلال عقد من الزمن

شهدت بريطانيا حزمة تأميم كبيرة في أربعينيات القرن الماضي (غيتي) 

ملخص

قال عمدة مانشستر الحالم بقيادة حزب العمال والحكومة البريطانية أندي بيرنهام إنه سيسعى إلى إعادة إدارة قطاعي الطاقة والمياه إلى الدولة خلال عقد من الزمن إذا سكن المنزل رقم 10 وسط لندن خلال أشهر، فما قصة "العمال" مع التأميم؟ وما المعارك التي خاضوها ضد "المحافظين" دعاة الخصخصة منذ عام 1945. 

تشكل معركة التأميم والخصخصة أحد أعمق الخطوط الفاصلة في السياسة البريطانية، بين حكومات "عمالية" تربط "دولة الرفاه" بالقطاع العام، وأخرى "محافظة" تفضل القطاع الخاص، وترى في المنافسة ضمانة لجودة السلعة والخدمة.

لم يأخذ التأميم منحاً ثابتاً في التاريخ البريطاني الحديث، إذ شهدت البلاد تأميماً جارفاً خلال الأربعينيات، ثم عرفت عاصفة خصخصة في الثمانينيات، وفي العقد الثالث من القرن الـ21، تجدد الجدل السياسي حول هذه المسألة.  

يعيد حزب المحافظين المعارض اليوم الترويج لمزايا الخصخصة، بينما يقدم أندي بيرنهام نفسه وريثاً لتقليد "عمالي" عريق في التأميم، لكن بلغة أكثر حذراً، السيطرة العامة بدلاً من نقل الملكية، والتدخل التدريجي بديلاً عن الاستحواذ الشامل.

يخطط بيرنهام، عمدة مدينة مانشستر الكبرى، لاستعادة سيطرة الدولة على المياه والطاقة في حال وصوله إلى المنزل رقم 10 وسط لندن، ومثل هذا الخطاب يتردد صداه بقوة بين صفوف "العمال" الحاكم، بخاصة في اليسار المتشدد.

قصة "العمال" مع التأميم بدأت مع فوزه في انتخابات عام 1945، فعمل على سن التشريعات وإعداد قائمة المؤسسات التي يريدها تابعة للدولة، وبحلول 1950 نقل بنك إنجلترا وقطاعات الفحم والاتصالات والنقل والطاقة والصلب إلى القطاع العام.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حزمة التأميم الأولى

عام 1946 كان بنك إنجلترا أول مؤسسة تُؤمَّم على يد "العمال" بقيادة كليمنت أتلي، وفي 1947 جرى تأميم قطاع الفحم، حين انتقل أكثر من 800 منجم في الدولة إلى الملكية العامة مع إنشاء مجلس الفحم الوطني لإدارة القطاع، وبعد عام واحد أُممت السكك الحديد بهدف إعادة بناء البنية التحتية وتجديد المعدات بعد الدمار الذي خلّفته الحرب العالمية الثانية.

هذه الموجة من التأميم إلى ركيزة أيديولوجية راسخة خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، عنوانها التخطيط الوطني انسجاماً مع البند الرابع من الدستور الأصلي لـ"العمال" الذي كان يدعو إلى "الملكية المشتركة لوسائل الإنتاج والتوزيع والتبادل".

ولم تتوقف مسيرة التأميم عند حدود حكومة أتلي، فقد أُعيد تأميم الصلب عام 1967 خلال عهد حكومة هارولد ويلسون، لتُعرف الشركة بعدها باسم "مؤسسة الصلب البريطاني"، لكن خلال عقدين ظهرت مشكلات من نوع التراخي في تحديث المعدات وطاقة إنتاجية غير مستغلة وتقنيات قديمة وضوابط حكومية على الأسعار وتصاعد في المنافسة العالمية.

وذهبت حكومة هارولد ويلسون "العمالية" في منتصف السبعينيات إلى أبعد من ذلك، إذ تضمن برنامجها توسعات واسعة في الملكية العامة، تأميم صناعة السفن والموانئ وأجزاء كبيرة من قطاعات الطيران والأدوية والشحن البري والبناء وأدوات الآلات، فضلاً عن نفط وغاز بحر الشمال والأراضي اللازمة لبناء الإسكان الاجتماعي.

وجاءت زعيمة المحافظين مارغريت تاتشر لتقلب المشهد رأساً على عقب خلال الثمانينيات، فحين فازت تاتشر بانتخابات عام 1979 كانت الصناعات المؤمَمة تمثل 10 في المئة من الاقتصاد و14 في المئة من الاستثمار الرأسمالي، وبحلول 1990 حين أُقيلت من منصبها، كان أكثر من 40 مشروعاً حكومياً بريطانياً يوظف 600 ألف عامل، قد خصص، وانخفضت حصة التوظيف في الصناعات المؤممة من تسعة في المئة إلى أقل من اثنين في المئة.

 

الاتجاه المعاكس لـ"المحافظين"

تحت إشراف تاتشر، انتقلت شركات الخطوط الجوية والغاز والاتصالات إلى الملكية الخاصة، وتشمل قائمة المخصصات أيضاً هيئات المياه الإقليمية الـ10 في إنجلترا وويلز، فضلاً عن شركة الصلب، كذلك بيعت شركات الكهرباء الإقليمية الـ12 عام 1990.

وتجاوز التأثير المالي لعمليات الخصخصة خلال عهد تاتشر حدود التوقعات، ووصلت العائدات التي جنتها الدولة من هذا التوجه في الفترة الممتدة بين عامي 1979 و1990 إلى نحو 34 مليار جنيه استرليني، مما يعادل نحو 70 مليار جنيه بأسعار اليوم.

بعد تاتشر، أكمل "المحافظ" جون ميجور مشوار الخصخصة، وأصدر عام 1993 قانوناً جرى بموجبه تفكيك شركة السكك الحديد وبيعها في عملية اعتُبرت وقتها مثيرة للجدل، إذ مزّق ميجور الشركة إلى أكثر من 100 كيان منفصل، وأنشأ شركة "رايلتراك" الخاصة لإدارة البنية التحتية في القطاع، وهو القرار الذي ستثبت لاحقاً كارثيته.

خلال عهد توني بلير، تحول حزب العمال إلى صيغة وسطية تجنبت خصومة أصحاب المال، فمضى نحو الشراكة بين القطاع العام والخاص، باستثناء "رايلتراك" التي ورثها عن ميجور، إذ أخفقت الشركة في ضمان سلامة السكك الحديد، مما أفضى إلى حادثتين كبيرتين عامي 1999 و2000، ودفع حكومة بلير إلى تأميم البنية التحتية للقطاع تحت مظلة شركة "نتورك ريل" التي لا تزال مملوكة للقطاع العام منذ 2002.

خلال عهد بلير، جرى تحويل 51 في المئة من خدمة مراقبة حركة الجو "ناتس" إلى القطاع الخاص عام 2001، لتصبح شراكة بين مجموعة من شركات الطيران التي تمتلك 42 في المئة، وموظفي الشركة بحصة خمسة في المئة، وشركة مطارات بريطانية بحصة أربعة في المئة، فيما احتفظت الحكومة بـ 49 في المئة و"حصة ذهبية".

المفارقة أن "العمال" عندما كانوا في المعارضة، رفضوا بشدة خصخصة هذه الخدمة، وأثار التحول في موقف بلير بعد وصوله إلى السلطة، انشقاقات واسعة بين النواب "العماليين"، في ما وُصف بأنه أكبر التمردات الخلفية في الحكومة "البليرية" الأولى.

وبعد بلير عاد "المحافظون" للخصخصة، ومضى رئيس الوزراء "المحافظ" ديفيد كاميرون أبعد من الخطوط الحمر لتاتشر نفسها في هذا المجال، و باع 52 في المئة من البريد الملكي الذي كان آخر مشاريع الدولة الكبرى الباقية بعد موجة الثمانينيات.

 

عودة حزب العمال

وبينما كان المحافظون يقودون البلاد نحو تعزيز القطاع الخاص بين أعوام 2010 و2024، ظل التأميم قضية تمييزية تفصل اليسار "العمالي" عن يمينه الذي تراجع كثيراً مع وصول جيريمي كوربين إلى قيادة الحزب في 2015، وتبنى "العمال" عام 2017 تعهداً انتخابياً يقول إن الحكومة المقبلة للحزب ستعيد "المرافق الرئيسة للملكية العامة".

لم ينجح كوربين في الوصول إلى السلطة، وعام 2020 تنحى عن منصبه ليخلفه الوسطي كير ستارمر الذي قاد حزب العمال إلى الفوز في انتخابات 2024 بغالبية ساحقة تسمح بسن التشريعات وتأميم مؤسسات مختلفة، لكن الظروف الداخلية والخارجية لم تفسح المجال أمام حزمة مشابهة لما عرفته البلاد خلال أربعينيات القرن الماضي.

حين خاض ستارمر سباق زعامة حزب العمال عام 2020، وقّع على وثيقة تعهد فيها بـ"الملكية المشتركة للسكك الحديد والبريد والطاقة والمياه"، وبعد وصوله إلى السلطة أمم السكك الحديد، وفعل الأمر ذاته مضطراً مع شركة الصلب التي بيعت إلى القطاع الخاص عام 1988، ثم استعصى إنقاذها بأية صفقات تجارية بعيداً من الدولة.

والصلب هو القطاع الذي شهد أكثر تجارب تأميم وخصخصة في التاريخ البريطاني، إذ أمم عام 1949، وخصص في 1951، وأمم مجدداً عام 1967، وبيع عام 1988، ثم عاد لدائرة الملكية العامة مرة رابعة خلال عهد ستارمر، ليس بدافع أيديولوجي هذه المرة، بل بضغط من الصين وإخفاق السوق ومتطلبات الأمن القومي.

في يونيو (حزيران) الجاري، بات اسم عمدة مانشستر والمرشح المحتمل لقيادة حزب العمال أندي بيرنهام مرتبطاً بخطاب جديد حول السيطرة العامة على المرافق الحيوية.

وأوضح بيرنهام خلال مقابلة مع برنامج "نيوزنايت" أنه سيفرض سيطرة عامة أقوى على قطاع المياه والطاقة والنقل عبر نهج براغماتي، وقال إنه لا يستخدم مصطلح "التأميم" بالضرورة لأن ذلك يتيح مرونة أكبر"، وتبنّى بيرنهام رؤية لتأميم متدحرج، تستحوذ الدولة فيه على شركات المياه حين تفشل أو حين تنتهي امتيازاتها، عبر مسار يمتد لـ10 أعوام. ويتطلع إلى نموذج يقترب من تجربة برلين وباريس، حيث تمتلك الحكومات المحلية للمناطق غالبية الحصص وتقود مجالس إدارة مؤسسات تضم العمال والسكان.

ويعتزم بيرنهام أيضاً توسيع جهوده لتشمل شبكات النقل الإضافية في أرجاء البلاد وأجزاء من قطاع الطاقة، وبحسب المقربين منه، يتركز الاهتمام في قطاع الطاقة على عمليات الشبكة وتوزيع الكهرباء الإقليمي، فـ"العمالي" الحالم بقيادة الدولة بعد أشهر، يقول إن "أساسيات الحياة يجب أن تدار في المقام الأول لخدمة المصلحة العامة، لا المصالح الخاصة".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير