ملخص
قدمت الحرف التقليدية فرصاً لشريحة كبيرة من الناس لإطلاق "مبادرات وأعمال ناشئة" وتطوير الأشغال اليدوية، إذ يعول بعضهم على النوستالجيا وإثارة الحنين لدى كبار السن والمغتربين، فيما أسهم انتشار التراند وثقافة الموضة في الترويج لكثير من الحرف التقليدية التي تقوم على التطريز أو النحت. فيما برزت محاولات لشد المراهقين، وتحريرهم من قيود الهاتف خلال العطلة الصيفية من خلال تعليم فن الكروشيه.
في شوارع العاصمة اللبنانية بيروت ومدن كبيرة منها طرابلس وصيدا، لم تعد الحرف التقليدية مجرد مهن ورثها الأبناء عن الآباء، بقدر ما أصبحت جزءاً من موجة أوسع تستثمر في الحنين إلى الماضي. فكل ما يحمل رائحة الزمن الجميل، من صناعة الصابون اليدوي والنحاسيات إلى القش والتطريز والأطعمة التراثية، بات يحظى بجاذبية متجددة في بلد يبحث سكانه عن ملاذ نفسي وسط الأزمات المتلاحقة.
وخلال السنوات الأخيرة، ازدهر في لبنان ما أطلق عليه كثيرون تجارة "النوستالجيا"، وفيها تحول الماضي إلى سلعة قابلة للتسويق على منصات التواصل الاجتماعي وفي الأسواق والمهرجانات والمتاجر المتخصصة. فالصور القديمة، والأدوات التراثية، والحرف اليدوية التي كانت مهددة بالاندثار، عادت للواجهة بوصفها منتجات عصرية تجذب الزبائن والسياح والباحثين عن تجربة مختلفة.
تختصر شهادة الشاب طالب الحرفي المنتمي إلى الجيل الثالث من الصناعيين التقليديين هذا المشهد، إذ يتحدث عن تجربته داخل مصنع الصابون في مدينة طرابلس اللبنانية، الذي يعود تاريخ تأسيسه لأواخر القرن الـ19، ويقول "يأتينا مغترب من كندا أو فرنسا أو ألمانيا، وهي بلدان تمتلك أفضل مختبرات صناعة أدوات التجميل ليطالب بالصابون المصنوع من الزيت البلدي، لأنه على ثقة بأنه الأكثر جودة، ولأن تلك الصابونة تعيد إحياء ذكريات الطفولة". وينسحب هذا الأمر على عشرات التجارب التي وجدت لدى المغتربين والسياح فرصة لتسويق البضائع في مختلف بلدان العالم، وإظهار مكانة القطع التراثية في حفظ الهوية وإعادة الروابط بين الأجيال الناشئة والجذور.
لن أستسلم
أيام قليلة تفصل الحرفي محمد طالب عيد، مواليد بلدة دير عمار الشمالية، عن إطفاء شمعته الـ92، التي قضى معظمها داخل مصنع صابون يعود تاريخ تأسيسه لعام 1880.
هنا في هذا المكان يستمر "أقدم صانعي الصابون الأحياء في لبنان" بممارسة روتينه اليومي، مدافعاً عن استمرارية المهنة التي يحب. يبدأ نهاره في الصباح الباكر، يتفقد طبخات الصابون البلدي، ويتحقق من الأعمال التي تستمر دورتها لمدة شهرين متتاليين قبل نحتها وبيعها، كما يشارك في أعمال القص والتنشيف والتغليف لتقديم "أحسن صابونة موجودة الآن"، كما يؤكد.
يتحدث الرجل التسعيني عن أكثر من ستة عقود قضاها داخل المصنع، راكم خلالها الخبرات في مهنة ورثها عن والده، ويحاول نقل حذافيرها إلى ابنه الوحيد وحفيده، ويشير إلى أنه "منذ 60 سنة يوجد في ’مصبنة آل عدرة‘ التي تأسست في عام 1880، ويعود تاريخها لزمن الأتراك - العثمانييين. فقد بدأ الوالد العمل فيها حتى قبل قدومي إليها"، ويؤكد "بعد أن تقدم والدي بالسن، اتفقنا إخوتي وأنا على إراحته من العمل، وأن أحل مكانه في المهنة"، و"خلال 60 عام تطورت المهنة، وبدأت عملية إدخال المواد الكيماوية، كما تطورت على ضوء الأيام والسنين حتى وصلت إلى حقبة العمل الأوتوماتيكي بعد أن كانت تعتمد بصورة أساسية على اليد"، مترحماً على تلك الأيام "عندما كان سعر لوح الصابون ربع ليرة، وكان سعر الكيلو ليرتين، أما اليوم فقد ماتت العملة وهناك خوف من المستقبل".
عايش محمد طالب عيد تطور الحرفة من مرحلة التحريك اليدوي وخلط المكونات باستخدام خشبة طويلة إلى الآلات الدائرية، "في طرابلس التي تعتبر مصنعاً للصابون بسبب وفرة الزيت، إذ يستخدم الصابون كهدية للاستعمال" ويستهلكها اللبناني حيث نزل أو ارتحل. ويظن أن "المهنة ستستمر، فقد تعملها ابنه وآخرون لأن صناعة الصابون مستمرة، وهي حرفة لا يمكن أن تنتهي" بسبب الحاجة الدائمة إليها.
يعبر عيد عن ثقته بمنتجاته التي يصنعها بصدق من المواد العضوية، قائلاً "هناك صابون مصنوع من الشحم يعطي رائحة سيئة، أما الصابون الآخر فهو النظيف، لأنه مستخرج من زيت الزيتون، وهو صابون صحي ومفيد"، كما "بدأ بعضهم بغش صابون الغار لأنه لم يعد هناك زيت من الغار، وكل ما هنالك أنهم يأتون بأوراقه ويغلونها ومن ثم يضيفونها إلى الطبخة، أو يزيدون العطر الصناعي ليس أكثر"، إذ يبحث بعض التجارة عن البضاعة الرخيصة وليست الجيدة.
ويقارن بين زمنين من خلال الصابون البلدي والآخر المعطر، إن لناحية السعر أو شريحة الزبائن، جازماً "صابونتي أحسن صابونة، لأنها ما زالت مصنوعة على النمط القديم من الزيت من دون إضافات أو شحم أو مواد أجنبية، وهناك ماركات صابون كثيرة ولكن نحن الأساس"، كما يعرب عن حب كبير لعمله، لأن "اليد العليا خير من اليد السفلى، كما أرفض دعوات التقاعد، ولا يمكنني التوقف عن العمل".
مبادرات شابة
شكلت الحرف التقليدية فرصة لكثير من المواهب الشابة من أجل إطلاق مبادرات ومشاريع صغيرة، والاستثمار بثورة التواصل الاجتماعي والتراند، وراحت الفتيات يفجرن إبداعاتهم في مجال شك الخرز والتطريز والأعمال اليدوية والكروشيه.
تتحدث الشابة حلا فارس عن مبادرة أطلقتها في مجال بناء قطع فنية بواسطة الشمع والجفصين، إذ حاولت إظهار الحرف التقليدية بروح شبابية وعصية، ومناسبة لمختلف المناسبات التي تنتشر عبر مواقع التواصل والهدايا التي تزدان بها الأعياد والحفلات. تلفت الشابة إلى أن تجربتها بدأت من رغبتها في ملء أوقات الفراغ، إذ بدأت متابعة فيديوهات لتنمية المواهب والحرف اليدوية، وراحت تبحث عن المواد اللازمة في تلك الصناعة المنزلية التي كانت تتطور معها بسرعة كبيرة.
وتشير إلى أن نجاح الأعمال الأولى، شكل حافزاً للاستمرار، وازدادات الطلبات من الأصدقاء والأقارب، إذ "حصلت على مكاسب كبيرة، وساعدتها مواقع التواصل لحصد مزيد من الزبائن والوصول إلى شريحة جديدة من الناس". وتؤكد حلا أن "الهدف لم يكن يوماً تحقيق الربح المادي، وإنما الأولوية كانت لتطوير قدراتها والتسلية، وصناعة قطع خالية من العيوب ومواكبة متطلبات التراند".
لا يختلف الأمر لدى الحرفية فاتن الصمد التي اتخذت من الصوف أداة للإبداع، وصناعة قطع نادرة "شبيهة بتلك التي تصنعها الجدات"، وتتحدث فاتن السيدة الأربعينية أنها انتظرت أكثر من 20 عاماً قبل أن تتنشر موهبتها وشغفها في الأعمال اليدوية، وتقول "كنت طفلة صغيرة، وكان يشدني مشهد ابنة جيراننا التي كانت تصنع من الصفوف أشياء أشبه بالخيال، إذ تحول كتل الصوف بواسطة السنارة إلى معاطف مطرزة وشلحات وغيرها من قطع الزينة"، مضيفة "بدأت بالتعلم وتطوير نفسي، وكلما نجحت في قطعة ازداد منسوب الثقة لدي"، مضيفة "انتظرت طويلاً قبل أن يرى الأخرون أعمالي، وبعضهم لم يكن يصدق أنني قمت بإعداد قطع أشبه بتلك التي تصنعها الآلات المتقدمة"، و"قد لاقت مشاركتي في معارض شعبية استحساناً من الناس، وقد رحبوا به إلى أقصى حد".
تتجاوز فاتن في قطعها مسألة تحدي التصميم والعمل اليدوي إلى تحقيق الذات، فهو "شيء يعني لي كثير، ويتقدم على أي عمل آخر في حياتي. وأكاد أجزم أن أسعد أيام حياتي هي تلك الأيام التي قضيتها في تصميم أو صناعة القطع الحرفية"، منوهة "أعلم أنه عمل متعب، واستغرق أحياناً أسبوع أو 10 أيام عمل لإنتاج قطعة ما، ولكن عندما أرى النتيجة أشعر بسعادة عامرة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
إرث العائلة والأجداد
يشكل العمل في الحرف التقليدية فرصة لبعضهم من أجل الحفاظ على تراث الأجداد، كما هو حال "فاخورة أبو جورج" في الميناء طرابلس، التي يفخر أصجابها بأنها ما زالت تحافظ على واحدة من أقدم المهن التي اكتشفها الإنسان صانع الحضارة.
تفتخر جميلة عريرو بالحفاظ على إرث العائلة، ومواصلة عمها جورج "أبو إلياس" العمل في المصنع الذي يعود تاريخ إنشائه لأكثر من ثلاثة قرون. وتقول "تتجاوز تلك الحرف الشق التقني إلى عامل وجداني، ففيه كثير من الحنين إلى الماضي والنوستالجيا والذاكرة الجماعية، إذ يبحث الناس عن الحفاظ على الهوية والاهتمام بالأشياء الأصيلة، ويستعيدون منظر بيت الجد والجدة من خلال شراء الجرار والخوالي، كما يعتبرون أنهم يستخدون مادة صحية وصديقة للبيئة".
كما تعتقد أن "ثمة خط في التصميم الداخلي في الوقت الحالي، يحاول الدمج بين العناصر المعاصرة والحرف التقليدية وبالتالي يسهم في تشجيع الحرف التقليدية"، كما تجزم بوجود دور للثقافة التراند ومواقع التواصل الاجتماعي في إعادة اكتشاف الحرف التي تعكس خصوصية المجتمعات المحلية. كما تتطرق إلى تحول الفاخورة (مصنع للفخار) إلى مساحة لورش العمل، وإتاحة الفرص للزوار من أجل تصنيع الجرة الخاصة بهم، أو تشكيل المنحوتات وفق الأشكال التي يرغبون فيها.
مبادرات منقوصة
تثير موجة التراند المتهمة بالمهن التقليدية خشية الخبراء في مجال إحياء الحرف التراثية والإنسانية، التي تقدم الشكل على حساب المضمون، وإعطاء الأولوية للاستهلاك وتكريس ثقافة "اللايك".
تعارض الدكتورة عاصفة حلاب أستاذة التاريخ والنقد الفني في كلية الفنون الطرح القائم على الاستثمار في النوستالجيا والعاطفة، إذ تعتبر "أننا نشهد عودة للحرف والتراث من بوابة الموضة والتراند واسترجاع الأشياء التقليدية بصورة سطحية، وإعطاء الأولوية للجانب الترويجي والتسويقي، وليس فهماً عميقاً للتراث، إذ لا تنجح المحاولات في فهم العوامل النفسية والاجتماعية، أو الحفاظ على التقاليد والحرف أو تنشيطها من خلال بناء أو تفعيل المحترفات والورش بما يتلاءم مع تطور حاجات الإنسان".
وتطالب بعصرنة الحرف وأن تتماشى مع التطور التكنولوجي، وملاءمتها مع الاستخدام اليومي والحفاظ على استمراريتها، وتضيف "ليست مجرد ذكرى صماء، إذ نجد أن كثيراً من الدول طورت صناعة السجاد والأقمشة، إضافة إلى تمسك شعبها باللباس التقليدي بوصفه جزءاً من الهوية على غرار ما نراه في فلسطين". كما تسلط الضوء على ثقافة "التراند" التي تعكس توجهاً عالمياً في إعادة الاعتراف بخصوصية المناطق، والتوجه إلى تعليم الحرف والخطوط والألوان والزخارف والرموز التي تعكس ماهية المجتمع. وتدعو إلى تطوير تلك الحرف وإدماجها في الحياة اليومية، والترويج لها من دون السقوط في تحدي النسخ المكررة. من ناحية أخرى، تشير عاصفة الحلاب إلى اهتمام المغتربين بحيازة الأغراض التي تبرز هوية بلاده وسمات شعبه سواء أكانت على مستوى الموسيقى أم المطبخ أم الملبس أم الفنون، إذ نجدهم أكثر تمسكاً بالتراث والرغبة بالحفاظ على بقايا من طفولة أو صور أو ماضي.
من هنا، تدعو الحلاب إلى الحفاظ على الحرف من خلال دعم الحرفيين الأصليين، لأن غالبهم يرحلون، وأعدادهم لم تعد تتجاوز أصابع اليد الواحدة، وبالتالي نخسر القدرة على صناعة الأعمال النادرة والحقيقية وينعدم تطوير الحرفة، متحدثة عن تناقض كبير في سلوكنا، إذ "نجد بعضهم يدعو إلى حماية التراث ولكن يرضى بصناعة نسخ مقلدة ورديئة، يصنعها أشخاص غير خبراء على عجل، فيما المطلوب البحث عن عمال محترفين ومنحهم الوقت الكافي لتقديم أعمال فنية بكفاءة عالية".
تعتبر عاصفة حلاب أن ثمة فرصة لإحياء بعض الحرف، وتقول "قدم الخبراء كثيراً من المشاريع والأفكار خلال ورش العمل في لبنان والعالم، ولكن لم يجر تفعيلها، ولم تنشأ المشاغل ولم توفر الأماكن لتعليمها للراغبين تحت إشراف أكاديمي وحرفي"، إذ تطالب مؤسسات الدولة بالانغماس في حفظ الهوية الجماعية والتراث.
تعليم الكروشيه للجميع
فطنت بعض المدارس الحرفية إلى الدور التربوي للأشغال اليدوية في تنمية شخصية الأطفال والمراهقين، وتحرير مخيلتهم من قيود التواصل الاجتماعي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. وفي السياق، أطلقت السيدة سحر حجار (تعمل بالأصل موظفة في الجامعة اللبنانية) مبادرة لتعليم الناشئة بين ثمانية و17 عاماً أعمال الكروشيه في منطقة شحيم إقليم الخروب، وهي تقوم للسنة الثالثة على التوالي باستغلال الفرصة الصيفية لاستقطاب أكبر عدد من الطلاب لتعليمهم حرفة، وإحياء التراث الشعبي لدى الصغار.
وتقول "لاحظت إقبالاً ملاحظاً على تلك الدورات، التي تعتمد على الشابات المشتغلات للترويج لها، إذ يأتينا الرفاق ورفاق الرفاق، كما بدأت باستقطاب سيدات متزوجات". وتكشف حجار عن أنها "تتبع منهجية في تعليم الكروشيه، تبدأ بتعليم الأساسيات، قبل الانتقال إلى تعليمهم صناعة قطعة متكاملة بحلول نهاية الدورة"، مؤكدة أنها "تتنقل للشبان والشابات الخبرة التي اكتسبتها من جدتها، والكفايات التي طورتها من خلال التواصل مع حرفيين آخرين، أو حتى من خلال متابعة الفيديوهات المنشورة على اليوتيوب ومتابعة الدورات لتعلم القطبات الدقيقة".
تنظر سحر حجار إلى الكروشيه بأنه "مساحة للاسترخاء واللقاء بالذات والابتعاد من هموم العالم الخارجي، إذ تتحول ساعتا الكروشيه إلى فرصة لترميم العالم الخاص والتخلي عن الجو المشحون في لبنان، وصولاً إلى بلوغ مرحلة السعادة مع إنجاز القطع الفنية الصعبة". كما أنه يتحول إلى أداة تربوية لتمرين الأطفال على مهارات يدوية وتنمية حس الإبداع، والاطلاع على الحرف التراثية التي تشكل الهوية الشعبية والحضارية.