ملخص
الذكاء الاصطناعي لا يهدد الوظائف المكتبية المبتدئة فحسب، بل يعيد الاعتبار أيضاً إلى المهن الحرفية بوصفها خياراً أكثر استقراراً ومرونة، ما يدفع مزيداً من أبناء الجيل "زد" إلى إعادة التفكير في المسار الجامعي التقليدي. التحول لا يقوم على وهم أن الحرفة طريق سهل، بل على اقتناع متزايد بأنها مهارة طويلة الأمد تمنح استقلالاً أكبر، وفرصاً أوسع، وقدرة أفضل على الصمود في سوق عمل سريع التغير.
هل بالغنا في التركيز على التعليم الجامعي، وتركنا الشباب يواجهون أزمة في الوظائف نتيجة لذلك؟ هذا ما يعتقده رئيس مجلس الإدارة الرئيس التنفيذي لشركة "بلاك روك"، أكبر شركة لإدارة الأصول في العالم، لاري فينك.
في مقابلة أجرتها معه هيئة الإذاعة البريطانية أخيراً، قال رجل الأعمال الملياردير إننا أمضينا عقوداً في تمجيد الوظائف المكتبية في قطاعات مثل المال والقانون، بينما قللنا من قيمة المهن الحرفية التي تتطلب مهارات. لكن الآن، ومع تعرض وظائف المبتدئين للخطر بفعل تطورات الذكاء الاصطناعي، يرى فينك أننا "في حاجة إلى إعادة التوازن إلى هذا النهج"، والاعتراف بأن العمل سباكاً أو كهربائياً "يمكن أن يكون مساراً مهنياً واعداً بالقدر نفسه".
يعيد التقدم التكنولوجي تشكيل سوق العمل بسرعة، وهذا ما يكتشفه اليوم كثير من الخريجين الجدد. فبحسب تقرير حديث صادر عن معهد المعايير البريطاني، يعتقد ربع أصحاب العمل أن الذكاء الاصطناعي يمكنه أداء جميع المهام التي يضطلع بها الموظفون المبتدئون أو معظمها.
ويشير مسح آخر أجرته وكالة التوظيف "راندستاد" إلى أن 38 في المئة من أصحاب العمل يخططون لتوظيف عدد أقل من الخريجين خلال العام المقبل بسبب الذكاء الاصطناعي، فيما يخشى 41 في المئة من العاملين اختفاء الوظائف المبتدئة تماماً خلال الأعوام الخمسة المقبلة.
لكن الوجه الآخر لهذه الصورة، كما أشار فينك أخيراً في رسالته السنوية إلى مساهمي "بلاك روك"، هو أن انفجار الذكاء الاصطناعي سيجلب معه أعداداً كبيرة من الوظائف الجديدة "المرتبطة بالكهربائيين واللحامين والسباكين"، دعماً للبنية التحتية الهائلة اللازمة لمواكبة هذا النمو. وقال فينك: "سوف يخلق [الذكاء الاصطناعي] وظائف كثيرة، لكننا لسنا مستعدين كمجتمع لشغلها. وبرأيي، هذه أزمة".
فهل ينبغي على أبناء الجيل "زد" والجيل "ألفا" إعادة النظر في الفكرة التقليدية القائلة إن أي شهادة جامعية ستفتح لهم أبواب سوق العمل، والتوجه بدلاً من ذلك إلى اكتساب مهارة قد تضمن لهم عمراً مهنياً أطول؟
هايلي رينولدز، وهي مديرة علاقات عامة وأم لثلاثة أبناء مراهقين، حريصة على تشجيعهم على اختيار مسارات مهنية قد تكون أقل تأثراً سلباً بالذكاء الاصطناعي. وتقول: "إذا كان لدى أطفالك تصور واضح لما يريدون فعله، وكان ذلك يتطلب شهادة جامعية، فعليهم بالتأكيد أن يسلكوا هذا الطريق. لكن الجامعة مكلفة، ومع أزمة المعيشة الحالية، أعتقد أن هناك كثيراً من الفرص، سواء عبر التدريب المهني أو العمل عموماً، ويمكن أن تكون مفيدة بالقدر نفسه".
وتضيف أن ابنها فريدي، البالغ من العمر 17 سنة، يفكر في التوجه إلى مسار مهني تطبيقي، إذ يخطط للالتحاق بدورة في التدريب الشخصي. وتقول: "يمكنه أن يعيش في المنزل بينما يكتشف طريقه، ويوفر المال لبناء مستقبله".
ويبدو أن تحولاً في المواقف قد بدأ بالفعل. ففي وقت سابق من هذا العام، أظهرت دراسة بتكليف من شركة البناء "بارات ريدرو" أن ما يقارب نصف المراهقين، أي 48 في المئة، يعتقدون أن كسب العيش من حرفة ماهرة أكثر جاذبية من وظيفة إدارية مكتبية.
كذلك وجدت دراسة منفصلة أجرتها شركة "دريبر تولز" أن 61 في المئة من الشباب دون سن 28 سنة يرون أن الحرفة "وظيفة رائعة"، فيما قال 55 في المئة منهم إن نظرتهم إلى العمل في الحرف أصبحت أكثر إيجابية مما كانت عليه قبل خمسة أعوام.
وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، ستجد مقاطع من نوع "يوم في حياة" لشباب يعملون في قطاع البناء تحت وسم #TradieTok. كما شاركت هانا سبنسر، السباكة البالغة من العمر 34 عاماً والتي أصبحت أخيراً نائبة عن حزب الخضر البريطاني عن غورتون ودنتون بعد انتخابات فرعية تاريخية، تحديثات عن دورة الجص التي أكملتها أخيراً، تزامناً مع حملتها الانتخابية.
بعدما أنهت اختبارات الشهادة الثانوية العامة البريطانية (GCSE)، أدركت فريا، البالغة من العمر 18 سنة، أنها "غير راغبة حقاً في مواصلة الدراسة في المرحلة المتقدمة من التعليم الثانوي A-levels"، لأن ذلك، على حد تعبيرها "لم يكن يناسبني فعلاً". وبدلاً من ذلك، كانت متحمسة لـ"بدء العمل فوراً". وبعد عام أمضته في دورة أكثر نظرية في الكلية، حصلت على تدريب مهني في الكهرباء مع مؤسسة التدريب (JTL)، وهي الآن في السنة الثانية من برنامج يمتد أربعة أعوام.
وتعمل فريا من الإثنين إلى الجمعة كل أسبوع، بينما تتعلم على أيدي كهربائيين ذوي خبرة، وهي بذلك تمثل حالاً مختلفة بين أصدقائها الذين توجهوا جميعاً إلى الجامعة. وتقول ضاحكة: "خلال الشهر الأول أو الثاني، كنت أعود إلى المنزل، أستحم، وآكل، لكنني لا أتذكر حتى لحظة نومي. كنت فقط أستلقي على السرير، وأبدأ بمشاهدة شيء ما، ثم أغفو وأستيقظ وكل الأنوار مضاءة. كنت منهكة جداً لأنني كنت أتعلم كثيراً".
لكنها "سعيدة جداً" بأنها اختارت هذا الطريق. وتقول: "كثيراً ما فكرت: هذه وظيفة جيدة يمكنني أن أكسب منها جيداً، ويمكنني أن أواصل العمل فيها دائماً، ولن يستولي عليها الذكاء الاصطناعي أو أي شيء من هذا القبيل". وتشير إلى أنها كانت قد فكرت في دخول مجال الميكانيك، لكن والديها حذراها من أن التحول إلى السيارات الكهربائية قد يعني تراجع الوظائف الميكانيكية التقليدية في المستقبل.
وتقول إن العمل في الموقع يجذبها أكثر بكثير من العمل من المنزل، وهو ما يناقض السرديات السطحية عن أن أبناء الجيل "زد" يسعون بأي طريقة إلى تفادي الذهاب إلى مكان العمل. وتضيف: "أنت تلتقي بالناس باستمرار وتكون علاقات جديدة. ومن السهل جداً أن تتعلم عندما تكون منتظماً فعلياً في العمل".
لقد عملت في البناء، وفي مواقع ترميم المباني التراثية، وفي مواقع تصوير الأفلام، وفي تنفيذ الأعمال الفنية. لم أكن أعرف حين بدأت إلى أين سيقودني هذا الطريق
إيفي، 30 سنة
أما إيفي، البالغة من العمر 30 سنة، فقد اختارت في البداية المسار الجامعي، إذ درست الفنون الحرة والعلوم في أمستردام قبل أن تعود إلى لندن. لكن بعد نحو عام من عودتها، قررت أنها "تريد أن تكون أكثر مرونة، وتريد حقاً أن تعمل لحسابها الخاص". ولم تكن مقابلات التوظيف تناسبها، و"شعرت ببساطة بأن امتلاك مهارة عملية يعني الحرية".
لذلك "غامرت قليلاً" وتوجهت إلى غلاسكو لتبدأ دورة متعددة الحرف للنساء الراغبات في دخول قطاع البناء، قبل أن تركز لاحقاً على أعمال الجص والبلاط. وبعد ذلك حصلت على تدريب في أعمال الجص في موقع تصوير فيلم في اسكتلندا، ثم عادت إلى لندن، حيث وجدت منذ ذلك الحين وظائف في مجموعة واسعة من القطاعات.
وتقول: "عملت في البناء، وفي مواقع ترميم المباني التراثية، وفي مواقع تصوير الأفلام، وفي تنفيذ الأعمال الفنية. ونقوم أحياناً أيضاً بأعمال منزلية. لم أكن أعرف عندما بدأت إلى أين سيقودني هذا الطريق".
وتحذر من أن الصناعات الإبداعية لا تزال تتأثر سلباً بالتطورات التكنولوجية مثل الذكاء الاصطناعي والطباعة الثلاثية الأبعاد والصور المولدة بالحاسوب. لكنها تضيف أن "الشيء المذهل في امتلاك مهارة عملية كهذه هو أنك عندما يتعثر هذا النوع من العمل، تكون لديك حرفة يدوية يمكنك الاعتماد عليها. يمكنك أن تعمل في منازل الناس أو في مواقع البناء" - على رغم أن هذه وظيفة "تعتمد على أن تكون لائقاً بدنياً"، كما تقول.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وترى إيفي أن قدرتها على "استخدام هذه المهارات في عدد لا بأس به من القطاعات المختلفة" تجعل هذا المسار يبدو "أكثر قدرة على الصمود أمام المستقبل"، لكنها تحذر أيضاً من الخطاب المبسط للغاية الذي يصور تعلم حرفة على أنه خيار سهل أو مباشر.
وتقول إنه منذ أن أنهت دراستها "في صف يضم نساء فقط"، اكتشفت أن هذا القطاع "مجال يهيمن عليه الرجال بالكامل"، مضيفة: "أعتقد بالتأكيد أن النساء اللاتي يدخلن المهن الحرفية يجب أن يدخلن هذا المجال وهن مدركات تماماً لذلك ومستعدات له. أنا قوية التحمل، لكن الأمر كان صعباً جداً في بعض الأوقات".
وتضيف أنها تسمع أحياناً في الإذاعة من يتحدث إلى خريجين جدد قائلاً لهم: لماذا لا تذهبون لتتعلموا النجارة؟ لكن الأمر يستغرق وقتاً طويلاً حقاً، وهو استثمار كبير. نعم، يمكنك إتمام تدريبك المهني، لكنك تحتاج إلى أعوام بعد ذلك قبل أن تبدأ فعلاً في الشعور بأنك أصبحت متمكناً من عملك. والتعامل معه كما لو كان حلاً سريعاً لن يفيد الشباب على المدى الطويل.
وتقول إيفي إن الحرفة "مهارة تمتد معك طوال الحياة. وأعتقد أن تعلمها في سن الـ18 أمر رائع، وأنا سعيدة جداً لأنني فعلت ذلك، لكنها بالتأكيد رحلة طويلة".
© The Independent