Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العقوبات... سلاح بلا رصاص يعيد رسم موازين القوة العالمية

من إيران وروسيا إلى كوبا وكوريا الشمالية... أداة ضغط تهز الاقتصادات وتعزل الدول عن النظام المالي الدولي والنتائج السياسية تبقى محل جدل

على مدار عقود طورت الدول المستهدفة آليات متعددة للتحايل على العقوبات الاقتصادية (أ ف ب)

ملخص

تطورت العقوبات الاقتصادية من أداة ردع سياسية إلى سلاح مالي عالمي يستهدف الدول والكيانات والأفراد، محققة نجاحات محدودة أحياناً، لكنها تثير جدلاً مستمراً حول فعاليتها وكلفتها الإنسانية.

في عام 2012، وجدت مئات الشركات الإيرانية الصغيرة والمتوسطة نفسها فجأة خارج جزء كبير من النظام المالي العالمي بعد استبعاد إيران من شبكة "سويفت" للتحويلات المالية.

لم يكن أصحابها سياسيين أو مسؤولين بل هم تجار ومصنعون ومستوردون عاديون دفعوا ثمن قرار لم يشاركوا فيه.

تلك العقوبات الاقتصادية، في جوهرها، أدوات ضغط تغلق الأبواب المالية والتجارية وتعزل الدول عن المنظومة الاقتصادية العالمية، من دون أن تطلق رصاصة واحدة.

وعلى المنوال ذاته، وجد ملايين الروس العاديين أنفسهم عاجزين عن استخدام بطاقاتهم المصرفية خارج بلادهم، وانسحبت من أسواقهم ماركات كانت جزءاً من حياتهم اليومية.

هذا المشهد، الذي تكرر بصور مختلفة في موسكو وكاراكاس وبيونغ يانغ، يكشف عن كيف أصبحت العقوبات إحدى أكثر أدوات النفوذ تأثيراً في العلاقات الدولية المعاصرة.

حين جمد الغرب ما يقارب 300 مليار دولار من احتياطات البنك المركزي الروسي في مطلع عام 2022، وصفه المحلل الاقتصادي الروسي دميتري نيكراسوف في تقرير تحليلي متخصص بأنه "أهم إجراء منفرد في منظومة العقوبات الغربية بأسرها".

لم يكن ذلك مجرد إجراء عقابي، بل رسالة واضحة لكل دولة تعتمد على النظام المالي الغربي، بأن الوصول إلى الأصول والاحتياطات قد يصبح جزءاً من الصراع السياسي في أوقات الأزمات.

ومنذ تلك اللحظة، تحول النقاش حول العقوبات من حوار أكاديمي إلى سؤال وجودي يؤرق عواصم القرار من بكين إلى أبوظبي إلى برازيليا.

من أين جاء هذا السلاح؟

قبل أن تصبح البنوك وأسواق المال جزءاً من ساحات الصراع الدولي، كانت العقوبات تُطرح بوصفها بديلاً عن الحرب نفسها.

فبعد الدمار الذي خلفته الحرب العالمية الأولى، بحثت القوى الكبرى عن وسيلة لمعاقبة الدول المعتدية من دون إرسال الجيوش إلى الجبهات.

ومن هنا ظهر مبدأ المقاطعة الاقتصادية الجماعية الذي تبنته عصبة الأمم عام 1919، في أول محاولة حديثة لاستخدام الاقتصاد أداة للردع السياسي.

الاختبار الأول لم يكن موفقاً، حين غزت إيطاليا الحبشة عام 1935 فرضت العصبة عقوبات لم تشمل صادرات النفط تحت ضغوط سياسية، فجاءت منقوصة وفاشلة والدرس كان قاسياً، فالعقوبة المترددة أسوأ من غيابها لأنها ترسل رسالة ضعف لا رسالة ردع.

ومع قيام الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، لم تعد العقوبات مجرد فكرة سياسية، بل أصبحت أداة معترفاً بها في القانون الدولي.

فالمادة 41 من ميثاق الأمم المتحدة منحت مجلس الأمن صلاحية فرضها على الدول التي تعد تهديداً للسلم والأمن الدوليين.

وأُنشئت لجان متخصصة لمراقبة تنفيذها، تتلقى تقارير دورية وتتابع محاولات الالتفاف عليها، لكن الدول الكبرى لم تنتظر، فمنذ النصف الثاني من القرن الـ20 بدأت في سن تشريعات وطنية خاصة، وفي مقدمها مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأميركي (أوفاك)، الذي أصبح أحد أكثر الجهات تأثيراً في منظومة العقوبات العالمية، نظراً إلى دوره في تجميد الأصول وفرض القيود المالية على الأفراد والكيانات والدول.

وفي بريطانيا، يتولى مكتب تنفيذ العقوبات المالية (أوفسي) مراقبة الالتزام بالعقوبات وفرض الغرامات على المخالفين، في إطار منظومة قانونية توسعت بصورة كبيرة بعد خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي.

والعقوبات لا تأتي في صورة واحدة، فأحياناً تبدأ بضغطة زر تجمد الاحتياطات الأجنبية، وأحياناً أخرى تظهر في صورة سفينة نفط لا تجد من يشتري حمولتها، أو رجل أعمال يكتشف أن أصوله أصبحت خارج متناول يده.

فالعقوبات المالية تستهدف قدرة الدولة على الحركة داخل النظام المالي العالمي، بينما تضيق العقوبات التجارية على صادراتها ووارداتها، وتوجه العقوبات الفردية ضرباتها نحو الأشخاص المحيطين بمراكز القرار.

وحين جمدت يخوت رومان أبراموفيتش وأصوله الأوروبية عام 2022، برز مثال واضح على قدرة هذا النوع من العقوبات على استهداف المقربين من السلطة مباشرة.

وعلى رغم اختلاف صورها، فإن هدفها واحد وهو رفع كلفة السلوك السياسي الذي تريد الدول الفارضة تغييره، غير أن فرض العقوبات لا يعني بالضرورة تحقيق أثرها الكامل.

فعلى مدار عقود طورت الدول المستهدفة آليات متعددة للتحايل عليها، أبرزها توجيه التجارة عبر دول وسيطة واستخدام عملات بديلة عن الدولار، وإنشاء شركات واجهة تخفي الملكية الحقيقية للمعاملات، وإلى جانب ذلك لجأت بعض الدول إلى شبكات موازية لاستيراد السلع المحظورة وأنظمة دفع بديلة عن "سويفت"، وتعد هذه الممارسات من أبرز التحديات التي تواجه لجان الرقابة الدولية في تقييم فعالية العقوبات على أرض الواقع.

كم نجحت العقوبات فعلاً؟

على رغم الانتشار الواسع للعقوبات فإن سجلها ليس حاسماً كما قد يبدو، فإحدى أكثر الدراسات الأكاديمية شهرة في هذا المجال، وهي دراسة "العقوبات الاقتصادية... إعادة تقييم" للباحثين غاري هوفباور وجيفري شوت وكيمبرلي إليوت، قدرت أن العقوبات حققت نجاحاً جزئياً أو كاملاً في نحو 34 في المئة فحسب من الحالات المدروسة.

وقد تعرضت هذه النسبة لانتقادات منهجية من باحثين لاحقين، مما يستوجب التعامل معها كمؤشر تقديري لا حقيقة قاطعة، لكنها تظل رقماً يصعب تجاهله، إذ لم تحقق العقوبات هدفها السياسي المعلن في ثلثي الحالات.

ويقول المدافعون عن العقوبات إن البديل ليس الدبلوماسية الهادئة بل الحرب المفتوحة، وهذه الحجة لها وزنها لكنها تصطدم بسؤال لا مهرب منه، إذا كانت العقوبات تفشل في غالبية الحالات فهل الثمن الإنساني الذي تدفعه الشعوب مبرر لنسبة نجاح بهذا الحجم؟ الحالات التالية لا تجيب عن هذا السؤال، لكنها تجعله أكثر إلحاحاً.

لعل إيران كانت الاختبار الأوضح لما تستطيعه العقوبات وما تعجز عنه في آن واحد، فبين عامي 2010 و2015، فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة عقوبات مشددة استهدفت صادرات النفط والقطاع المصرفي.

انهارت قيمة الريال الإيراني، وتشير تقارير صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إلى أن معدلات التضخم تجاوزت 40 في المئة سنوياً في فترات متعددة، وانتهى الأمر بتوقيع الاتفاق النووي عام 2015.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

نجاح موثق لكنه جاء بفاتورة إنسانية ثقيلة، فوفق تقارير منظمة "هيومن رايتس ووتش" واجه كثير من الإيرانيين صعوبات متزايدة في الحصول على الأدوية والمستلزمات الطبية والسلع الأساس، في حين واصلت النخبة السياسية نشاطها بمعزل عن هذه التداعيات.

والأهم أن النجاح لم يكن دائماً، إذ إنه حين انسحبت واشنطن من الاتفاق عام 2018 وأعادت فرض العقوبات، لم تعد إيران إلى طاولة المفاوضات بل توجهت شرقاً، فالعقوبات قد تنجح في انتزاع تنازلات، لكنها لا تضمن استدامتها.

وإذا كانت إيران تمثل النجاح المشروط فإن العراق يمثل الوجه الأكثر إثارة للجدل، إذ فُرضت على بغداد عقوبات واسعة استمرت أعواماً وشملت قيوداً تجارية ومالية شديدة، بعد غزو الكويت عام 1990.

الهدف كان دفع النظام للامتثال لكن المواطنين تحملوا الجزء الأكبر من الكلفة، إذ تدهورت الأوضاع المعيشية والخدمات الأساس وارتفعت معدلات الفقر، وأصبحت التجربة العراقية حاضرة في كل نقاش حول الأثر الإنساني للعقوبات الشاملة، لأنها طرحت السؤال الأصعب، وهو هل يحق معاقبة شعب بأكمله بسبب قرارات حكومته؟

ليبيا قدمت درساً مختلفاً، إذ فرض مجلس الأمن عقوبات على نظام معمر القذافي في مراحل متعددة، أبرزها بعد "قضية لوكربي" ثم خلال أحداث عام 2011.

وأسهمت العقوبات في زيادة عزلة النظام والضغط عليه دولياً، غير أن أثرها الحقيقي جاء مرتبطاً بما رافقها من تحركات سياسية وعسكرية.

الدرس الذي تكرر هنا وفي غيرها أن العقوبات نادراً ما تعمل وحدها، وغالباً ما تكون جزءاً من استراتيجية أوسع لا أداة مستقلة.

وفي المقابل، تقف كوبا شاهداً صامتاً على حدود هذا السلاح، فمنذ عام 1960 وهي تعيش تحت الحصار الأميركي من دون أن يتغير النظام السياسي.

ستة عقود من العقوبات والنتيجة الوحيدة الموثقة أن الشعب الكوبي دفع الثمن جيلاً بعد جيل، إذ إن العقوبات المفتوحة بلا أفق زمني أو هدف قابل للقياس تتحول إلى عبء إنساني من دون مردود سياسي، وكوبا هي الدليل الأكثر وضوحاً على ذلك.

أما روسيا فهي الحالة الأحدث والأكثر تعقيداً، والأصعب في استخلاص درس حاسم منها، بعد تجميد 300 مليار دولار من الاحتياطات الأجنبية وانسحاب مئات الشركات الأجنبية، وفرض حظر تكنولوجي واسع.

ضرر اقتصادي واضح من دون حسم سياسي ملموس

وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن الاقتصاد الروسي انكمش بنحو 2.1 في المئة عام 2022، لكنه عاد إلى النمو لاحقاً مدفوعاً بالإنفاق العسكري وإعادة توجيه التجارة نحو آسيا.

وفي الوقت ذاته، وجد ملايين الروس أنفسهم أمام قيود مصرفية وتراجع في توافر عدد من السلع والخدمات الأجنبية التي اعتادوا عليها.

وكما يلخص المحلل الاقتصادي دميتري نيكراسوف، فإن عدداً محدوداً فحسب من العقوبات المفروضة على روسيا كان له تأثير استراتيجي ملموس، وفي مقدمها تجميد الاحتياطات الأجنبية، وهكذا تكشف الحالة الروسية مفارقة لافتة، تتمثل في إلحاق ضرر اقتصادي واضح لكن من دون حسم سياسي ملموس حتى الآن.

تكشف هذه الحالات مجتمعة أن العقوبات أداة ذات شروط صارمة للنجاح، فهي تحتاج إلى تحالف دولي واسع وهدف سياسي واضح وقابل للتحقق وطرف مستهدف يملك بدائل محدودة، إضافة إلى إرادة مستمرة تسمح بتراكم الضغوط. وحين تتوافر هذه الشروط قد تؤتي العقوبات ثمارها، أما حين تغيب فإنها تتحول إلى أداة ضغط غير متوازنة قد تطاول المجتمعات أكثر مما تغير سلوك الأنظمة.

واليوم، باتت التساؤلات تتجاوز سؤال الفعالية نحو سؤال أعمق مفاده من يملك حق فرض العقوبات؟ ومن يحاسب من يسيء استخدامها؟ وهل نظام دولي يدعي المساواة يمكنه أن يبقي على أداة حصرية بيد القوي من دون رقابة حقيقية؟

مئات الشركات الإيرانية الصغيرة وملايين الروس العاديين والشعب الكوري الشمالي، كلهم على الخط الأمامي لأشد الحروب تعقيداً في القرن الـ21.

حرب لا تطلق فيها رصاصة واحدة، لكن خسائرها تحصى بملايين البشر الذين يدفعون فاتورة قرارات لم يُستشاروا فيها يوماً، وتقدير الـ34 في المئة (بحسب دراسة "العقوبات الاقتصادية... إعادة تقييم")، يبقى شاهداً على أن العقوبات ليست سلاحاً مضمون النتائج، مهما بدا تأثيرها واسعاً.

ومع كل جولة جديدة من العقوبات، تتجه دول أكثر إلى البحث عن بدائل تقلل اعتمادها على الدولار والمؤسسات المالية الغربية. وبينما يستمر الجدل حول جدوى هذه الأداة وعدالتها، يبدو أن العالم يدخل مرحلة جديدة لم تعد فيها القوة تُقاس بعدد الدبابات والطائرات فحسب، بل أيضاً بالقدرة على التحكم في حركة الأموال والوصول إلى النظام المالي العالمي، فالبنوك التي كانت يوماً مجرد مؤسسات اقتصادية، أصبحت اليوم جزءاً من ترسانة النفوذ الدولي.