Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"سيليكون فالي" بريطاني دونه عثرات

مستقبل المملكة المتحدة أمام حقيقة قاسية: التغيير التكنولوجي آت لا محالة، لكن تحقيق الازدهار ليس أمراً مضموناً

من فعاليات "أسبوع لندن للتكنولوجيا" (لندن تك ويك. كوم، أسبوع لندن للتكنولوجيا))

ملخص

بريطانيا تقف أمام فرصة تاريخية لتصبح مركزاً تكنولوجياً أوروبياً، لكن ضعف الشهية للمخاطرة، وتناقض السياسات، والاعتماد على أدوات اقتصادية تقليدية، تعيق هذا التحول. وفي ظل ثورة تكنولوجية حتمية، يبقى الابتكار والقيادة السياسية الحاسمة الطريق الوحيد لضمان الازدهار.

هذا الأسبوع، يلتقي مؤسسو شركات ومستثمرون وسياسيون من مختلف أنحاء أوروبا في "أسبوع لندن للتكنولوجيا" London Tech Week، وهم يحملون رسالة واضحة: ثمة رغبة مشتركة في بناء أوروبا قوية ومبتكرة، مدعومة بما يكفي من الكفاءات والطموح لتحقيق ذلك. وتملك بريطانيا فرصة حقيقية لتغدو "وادي السيليكون" الأوروبي، غير أن اغتنام هذه الفرصة يظل رهناً بمدى استعداد القادة السياسيين لاتخاذ خطوات حاسمة.

مستقبل هذا البلد تحكمه حقيقة قاسية لا يمكن تجاهلها: التحولات التكنولوجية الجذرية حتمية، لكن الازدهار ليس كذلك. فالدول التي ستنجح في العقود المقبلة هي تلك التي تجرؤ على المخاطرة وتستثمر في الابتكار، بينما ستتراجع الدول التي تنشغل بحماية أنظمة تقليدية، وتُثقل كاهل النمو بالقيود، وتتجنب القرارات الصعبة.

وعلى بريطانيا أن تحسم أمرها.

وهذا ليس نقاشاً نظرياً يخص ما يُعرف بـ"نخبة التكنولوجيا الرجال" tech bros فحسب، بل قضية تمس كل من يريد خدمة صحية وطنية فعالة، ونظام رعاية اجتماعية مستداماً، ومستقبلاً تكون فيه أحوال الأبناء أفضل من أحوال آبائهم.

لكن كي تتمكن المملكة المتحدة من المحافظة على هذه المقومات، لا بد من أن تبقى دولة غنية. وكي تكون غنية في عصر التحول التكنولوجي هذا، يتعين عليها أن تكون جزءاً من هذا التحول، لا أن تكتفي بالوقوف متفرجة من الهامش.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في صميم التحديات الاقتصادية التي تواجهها البلاد، تكمن نقطة ضعف جوهرية لا بد من معالجتها، ألا وهي الإفراط في تجنب المخاطرة. وهذه ليست- كما يتم التلميح إليها عادة- مشكلة ثقافية، بل هي مشكلة مؤسسية.

على مر التاريخ ازدهرت بريطانيا لأن مؤسساتها كانت تكافئ التجربة والطموح التجاري. لكن هذا الوضع تغير مع مرور الوقت. فاليوم، تشير كثير من الحوافز عبر الأجهزة الحكومية إلى اتجاه معاكس تماماً، بحيث تفضل تقليل مخاطر الخسارة بدلاً من منح الأفراد صلاحية المجازفة وإجراء رهانات محسوبة.

الأمثلة على ذلك كثيرة. فصناديق المخصصات التقاعدية البريطانية لا تخصص سوى واحد في المئة فقط للأسواق الخاصة داخل المملكة المتحدة، مفضلة عوائد أصغر لكنها أكثر أماناً. ولو أطلق العنان لهذه الصناديق، لأمكن توجيه رؤوس الأموال نحو الجيل المقبل من الشركات البريطانية، مع تحقيق عوائد أكبر بكثير للمتقاعدين أيضاً.

إن أسعار الطاقة في بريطانيا مرتفعة للغاية، كما أن نظام التخطيط يعاني من بطء شديد. من الناحية العملية، هذا الواقع يجعل المستثمرين أقل استعداداً لدعم شركات التكنولوجيا المتقدمة ذات المخاطر العالية والعوائد المرتفعة. غير أن هذه الشركات ستكون ركيزة أساسية في توفير فرص عمل ودفع عجلة النمو، وغالباً ما تكون هي نفسها قادرة على الاستفادة من المزايا التنافسية التي تمتلكها المملكة المتحدة خارج لندن، من مدينة كوفنتري إلى مدينة "ميلتون كينز". لذا، لا بد من أن يكون خفض تكاليف الطاقة إلى جانب إقامة نظام تخطيط فعال، في مقدّم الأولويات البريطانية.

في المقابل، توجد في المملكة المتحدة جامعات ذات مستوى عالمي، إلا أن عدداً محدوداً منها يسهم بحصة غير متناسبة من التميز العلمي في بريطانيا، حتى هذه الجامعات غالباً ما تبدو ضئيلة الحجم مقارنة بمساهمات القطاع الخاص. وفي مواجهة الضغوط المالية المتزايدة، أصبحت مؤسسات جامعية كثيرة أكثر تجنباً للمخاطرة، وأقل ميلاً إلى ريادة الأعمال.

في الوقت نفسه أصبح الاقتصاد أقل ديناميكية. وباتت سوق العمل أكثر جموداً في اللحظة عينها التي تعد فيها المرونة الجانب الأكثر أهمية. كما يُلاحظ أن هناك انخفاضاً في معدلات تأسيس شركات جديدة ناشئة وفي معدلات فشل شركات قائمة، مما يشير إلى أن الشركات الراسخة تفرض هيمنتها بينما تكافح الشركات المنافسة والجديدة لإثبات وجودها. ونظراً إلى حرمان شركات بريطانية من فرصة خوض مخاطر أكبر، فإنها تجد نفسها غير قادرة على طرح المزيد من فرص العمل حتى وإن كانت لديها الرغبة في ذلك.

لقد أدركت بعض الجهات الحكومية أهمية هذه اللحظة، وتم إدخال عدد من التغييرات المهمة في الأعوام الأخيرة، بدءاً من دعم الشركات البريطانية الرائدة عبر "صندوق الذكاء الاصطناعي السيادي" Sovereign AI Fund، وصولاً إلى التقدم العالمي في الاستثمار في تقنيات الحوسبة الكمومية. مع ذلك، فإن غياب مشروع متكامل ومتناسق على أعلى مستويات الهرم الحكومي، أدى إلى ظهور حالة من التناقضات في السياسات على المستوى الأدنى. على سبيل المثال، ليس هناك من جدوى في استثمار المليارات في "الذكاء الاصطناعي" ودعم الشركات الوطنية الرائدة، إذا كانت القواعد ضعيفة التصميم فيما يتعلق بحقوق الملكية الفكرية أو سياسات الطاقة التي تتسبب بإلحاق الضرر بالشركات البريطانية الناشئة ذاتها التي نحتاج إلى أن ندعمها.

قبل كل شيء، نحن بحاجة إلى قيادة سياسية واعية. فالتغير التكنولوجي من أكبر تحديات عصرنا، ولن تتمكن بريطانيا من الاستفادة منه ما لم تبادر إلى تبنّيه مبكراً.

غير أن السياسيين، بدلاً من خوض هذا النقاش الضروري ومواجهة الأسئلة التي سترسم مستقبل الاقتصاد، يعودون إلى الجدل التقليدي حول الضرائب والإنفاق. وهذه الأدوات لم تعد كافية اليوم. فلا يمكن لبريطانيا أن تحقق الازدهار عبر الاستدانة أو التشدد في التنظيم، ولا من خلال الاعتماد على عمالة منخفضة الأجور لتغطية ضعف الإنتاجية. الطريق الحقيقي يكمن في اقتصاد حيوي قائم على الابتكار.

الثورة التكنولوجية لم تعد فكرة مستقبلية، بل واقع قائم. المشكلات واضحة، وكذلك الحلول. ويبقى السؤال: من يملك الجرأة لطرح هذا المسار، وضمان مستقبل البلاد؟

كيغان ماكبرايد هو مدير "قسم العلوم والتكنولوجيا" في "معهد توني بلير"

© The Independent

المزيد من تقارير