Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الوجه الخفي لقيود الإنترنت في إيران... اقتصاد متضرر وثقة تتآكل

فُرضت هذه التوجهات بأوامر من جهات أمنية عليا في ظل ما وصفوه بـ"ظروف حرب"

سياسة تقييد الإنترنت في إيران لم تعد إجراء موقتاً (أ ف ب)

ملخص

تظهر التصريحات الأخيرة للمسؤولين الحكوميين وأعضاء البرلمان أن هذا الوضع ليس موقتاً فحسب، بل هو نتيجة قرارات تتجاوز الهيكل الرسمي لوزارة الاتصالات، وينظر إليه كإجراء دائم.

في وقت دخلت قيود الوصول إلى الإنترنت الدولي في إيران واحدة من أطول فتراتها، تظهر التصريحات الأخيرة للمسؤولين الحكوميين وأعضاء البرلمان أن هذا الوضع ليس موقتاً فحسب، بل هو نتيجة قرارات تتجاوز الهيكل الرسمي لوزارة الاتصالات، وينظر إليه كإجراء دائم. وفي الوقت ذاته، أصبحت مشاريع مثل "الإنترنت الطبقي" أو "شريحة برو" وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، من أبرز محاور النقاش العام والإعلامي.

تشير التقارير الرسمية والتصريحات الأخيرة إلى أن رسم السياسات المتعلقة بالإنترنت في إيران بات، أكثر من أي وقت مضى، مرتبطاً بالاعتبارات الأمنية، بالتوازي مع تصاعد المخاوف بشأن الآثار الاقتصادية واتساع الفجوة الاجتماعية وتقييد تدفق المعلومات بحرية.

وقد أعلن المتحدث باسم الحكومة فاطمة مهاجراني أخيراً، أن اتخاذ القرار بشأن قطع أو تقييد الإنترنت الدولي، وكذلك تنفيذ مشاريع مثل شرائح "برو"، لا يدخلان ضمن صلاحيات وزارة الاتصالات. وأضاف أن هذه القرارات تتخذ على مستويات أعلى وضمن أطر المؤسسات الأمنية، بينما تقتصر مهمة الوزارة على تنفيذ السياسات المُبلغة إليها.

وقالت فاطمة مهاجراني، إن الهدف من تنفيذ مشروع "إنترنت برو" هو "تسهيل أنشطة الأعمال"، مؤكدة أنه لا ينبغي أن يؤدي إلى حرمان عامة الناس من الوصول إلى الإنترنت. ومع ذلك، يرى بعض المراقبين أن هذه التصريحات محاولة لتخفيف ضغط الرأي العام على الحكومة ونقل المسؤولية إلى جهات أعلى.

في الوقت ذاته، أكد نائب وزير الاتصالات أن إطار تنفيذ شرائح "برو" جرى تحديده خارج الوزارة، مشدداً على أن هذا النوع من الوصول "لا يمكن أن يكون بديلاً عن الإنترنت الدولي". كذلك حذر من أن قطع الإنترنت بالكامل هو السيناريو الأكثر كلفة على اقتصاد البلاد، وقد يؤدي إلى اضطراب سلاسل التوريد وحتى نقص بعض السلع.

تشير هذه التصريحات إلى وجود قلق جدي، حتى داخل المستويات الإدارية لوزارة الاتصالات، بشأن التداعيات الاقتصادية لهذه القرارات. وفي السياق نفسه، صرح بعض أعضاء البرلمان، من بينهم أمير حسين ثابتي، بأن القيود على الإنترنت فُرضت بأوامر من جهات أمنية عليا، مثل المجلس الأعلى للأمن القومي، في ظل ما وصفوه بـ"ظروف حرب"، وستستمر.

تعكس هذه المواقف انتقال مركز اتخاذ القرار من المؤسسات التخصصية إلى الهياكل الأمنية، وهو ما يرى الخبراء أنه ستكون له آثار طويلة الأمد على حوكمة الفضاء الرقمي في البلاد.

رقم قياسي غير مسبوق

بحسب التقارير، فإن قطع أو تقييد الإنترنت الدولي في إيران، الذي بدأ في الـ27 من فبراير (شباط) 2026، يعد الآن من بين أطول فترات تقييد الإنترنت عالمياً. ولم يؤثر هذا الوضع على البنية التحتية للاتصالات فحسب، بل خلف أيضاً آثاراً اقتصادية واجتماعية واسعة.

يرى خبراء تكنولوجيا المعلومات أن استمرار هذه القيود أدى إلى انخفاض ملحوظ في الإنتاجية الاقتصادية. وتعد الشركات الرقمية والشركات الناشئة والمؤسسات العاملة في مجال التصدير، وحتى بعض الصناعات التقليدية المعتمدة على الاتصالات الدولية، من أكثر القطاعات تضرراً.

في هذا السياق، أصبح تنفيذ مشروع "الإنترنت الطبقي" تحت اسم "شريحة برو" أحد أبرز محاور الانتقاد. ووفقاً للتقارير، يتيح هذا المشروع لبعض المستخدمين، بعد استكمال إجراءات التحقق والحصول على التراخيص اللازمة، الوصول المحدود إلى الإنترنت الدولي مقابل تكاليف أعلى بكثير من التعرفة المعتادة.

ويرى منتقدو المشروع أنه يمثل شكلاً من أشكال التمييز البنيوي في الوصول إلى المعلومات، وأنه يعمق الفجوة الرقمية داخل المجتمع. كذلك يرى هؤلاء أن توفير وصول خاص لفئات محددة لا ينتهك العدالة الاتصالية فحسب، بل يزيد أيضاً من السخط العام.

ويصف بعض المحللين هذا الوضع بـ"الإنترنت متعدد المستويات"، حيث تتمتع فئات معينة بوصول أوسع للمعلومات، بينما يُحرم جزء كبير من المجتمع من ذلك.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إلى جانب الآثار الاقتصادية، أُثيرت أيضاً مخاوف بشأن التأثيرات النفسية والاجتماعية لهذه السياسات. إذ يرى الخبراء أن الشعور بعدم المساواة في الوصول إلى المعلومات يؤدي إلى تراجع الثقة العامة وتعميق الفجوة بين المجتمع والسلطة.

وفي هذا الإطار، ظهرت حملات على وسائل التواصل الاجتماعي تدعو إلى مقاطعة استخدام شرائح "برو". ويرى داعمو هذه الحملات أن استخدام هذه الخدمات يعني القبول بالتمييز في الوصول إلى الإنترنت ومنحه شرعية.

وقال سعيد أركان‌ زاده يزدي، الباحث في مجال الاتصالات، إن الإنترنت "برو" يحد عملياً من الحق العام في الوصول إلى الإنترنت، ويمنحه في المقابل لفئة محددة مقابل تكلفة مرتفعة. كذلك أشار إلى أن هذه السياسات تزيد من الشعور بعدم المساواة والإحباط الاجتماعي.

"ظروف الحرب" وتزامنها مع تحقيق الأرباح

بينما يبرر المسؤولون هذه القيود بـ"ظروف الحرب"، يرى عدد من الخبراء أن هذا التبرير غير كافٍ. إذ تشير الأدلة، بحسب رأيهم، إلى أن هذه القيود ترتبط أكثر بسياسات رقابية داخلية وليس بتهديدات خارجية.

ويضيف بعض المحللين أنه في حالات الحرب الحقيقية، عادة ما يجري تعزيز البنية التحتية للاتصالات لتسهيل إدارة الأزمات، لا تقييدها. ومن هذا المنطلق، ينظر إلى قطع الإنترنت كأداة للسيطرة على تدفق المعلومات داخل البلاد.

وأشار محسن كاهاني، مدير مركز الأمن المعلوماتي في جامعة فردوسي بمشهد، إلى أن تقييد الإنترنت لا يؤدي بالضرورة إلى زيادة الأمن، وأن هذه الفرضية واجهت تحديات في الواقع.

في الوقت ذاته، يثير تزامن هذه القيود مع ظهور سوق للوصول الخاص وبيع خدمات إنترنت بأسعار مرتفعة تساؤلات حول الأبعاد الاقتصادية لهذه السياسات. وتشير بعض التقارير إلى أن تمركز جزء من البنية التحتية داخل البلاد أتاح تقديم خدمات محدودة ولكن مكلفة، مما سمح لبعض الجهات بتحقيق أرباح من هذا الوضع.

وقد أدى ذلك إلى انتشار تكهنات حول وجود مصالح اقتصادية لفئات معينة في استمرار هذه القيود.

آثار اقتصادية واجتماعية

أصبح استمرار تقييد الإنترنت في إيران تحدياً متعدد الأبعاد في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد والمجتمع. وبينما يؤكد مسؤولون على الضرورات الأمنية، يحذر عديد من الخبراء من التكاليف الباهظة لهذه السياسات.

ومن بين هذه الآثار: اضطراب سلاسل التوريد وتراجع نشاط الأعمال الرقمية وارتفاع البطالة في القطاعات المرتبطة بالإنترنت وانخفاض دخل العاملين في الاقتصاد الرقمي. كذلك واجهت عديد من المشاريع الصغيرة والمنزلية، التي تعتمد على وسائل التواصل الاجتماعي، انخفاضاً حاداً في الدخل أو الإغلاق.

أما على المستوى الاجتماعي، فقد تمثلت النتائج في زيادة السخط العام وظهور احتجاجات متفرقة عبر الإنترنت وتراجع الثقة في السياسات الرسمية.

في المجمل، تشير تصريحات المسؤولين والتحليلات إلى أن سياسة تقييد الإنترنت في إيران لم تعد إجراء موقتاً، بل أصبحت جزءاً من نهج أوسع في إدارة الفضاء الرقمي، وهو نهج لا تزال تداعياته تتصاعد، ولا يبدو أن له نهاية واضحة في الأفق.

نقلاً عن "اندبندنت فارسية"

المزيد من تقارير