Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الإنترنت في الحرب... أداة وسلاح دفاعا وهجوما

تحوّلت من وسيلة اتصال وتواصل وبحث عن معلومات إلى أداة سياسية وعنصر محفز للتغيير وعامل مؤجج أو مهدئ للصراع

جندي أوكراني يُجهّز أنظمة الإنترنت عبر الأقمار الصناعية "ستارلينك" في موقعه على خط المواجهة (رويترز)

ملخص

ترسّخ حرب إيران مكانة الإنترنت كأداة حرب. إنها الأداة التي لا تتوقف عند تحول الأثير معركة رقمية تنشر الأوبئة المعلوماتية، حيث التضليل الإعلامي استراتيجية، والمحتوى الزائف هجوماً معنوياً، والصور المفبركة معول هدم، والفيديوهات المصنوعة بالذكاء الاصطناعي أداة لزعزعة الاستقرار في مجتمع العدو، أو حتى الهجمات السيبرانية تستهدف البنى التحتية للأنظمة العسكرية والمعلومات المهمة للأطراف المعادية لإلحاق الضرر على الأثير بالتوازي مع الأرض والسماء، بل تصرّ على أن تجعل من قطع الإنترنت وإعادته سلاح شد وجذب.

أعمدة السياسة والحكم تغيرت كثيراً. حتى وقت قريب كانت: السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية والإعلام. وقبلها قالوا إنها المكان والزمان والمجتمع والأفراد. وجادل الفلاسفة إنها الشكل الأفضل لتنظيم الحياة البشرية عبر تحقيق الفضيلة والعدالة والحياة القومية الطيبة. واختلفت الحضارات القديمة في ما بينها، وذلك بين حضارة صينية مثلاً تقوم أعمدة السياسة والحكم فيها على الوحدة والتسلسل الهرمي والنظام الاجتماعي المحكم، فيما اعتمدت الحضارة المصرية القديمة على بيروقراطية واسعة النطاق، وهرمية دينية صارمة، وإدارة إقليمية لا مركزية. وقامت اليونانية على الديمقراطية وقدر من الأوليغارشية، مع تركيز على المواطنة المباشرة، والاعتماد على المجالس العامة لصناعة القرار.

تطورت أدوات السياسة ودعائمها وسُبلها على مر التاريخ، لكن ظلّت المكونات شديدة الشبه ببعضها، والأدوات أقرب ما تكون إلى التطابق، تارة باسم الديمقراطية، وأخرى بغرض الديكتاتورية.

المكوّن الأحدث والأكثر تفرداً هو الشبكة العنكبوتية، أو الإنترنت، الذي تحوّل في أقل من عقدين من أداة تواصل ومعرفة ومعلومات إلى ساحة وأداة سياسية، وأعاد تشكيل أساسات الشرعية السياسية، وهيكلة تفاعل المواطنين مع السلطة، إضافة إلى تحوّله إلى أداة ذات حدين، الأول حد الديمقراطية والحرية، والثاني حدّ الديكتاتورية والحرمان من الحرية، إضافة إلى هوامش تتأرجح بين الاستبداد والتحرر والفوضى والتنظيم والاستقطاب والتوحد والفتنة ولم الشمل، وأخيراً وليس آخراً فتح ينابيع التعبير والتنظيم والاحتجاج والتغيير، للأفضل أو للأسوأ بحسن نية أو بسوئها، وكذلك إغلاقها، بحسب الحاجة.

أثير بألوان الصراع

"ألف ساعة من دون إنترنت، إيران تعزل مواطنيها عن العالم"، "إيران في عزلة خانقة جراء قطع الإنترنت"، "انقطاع الإنترنت في إيران الأطول في أي بلد على الإطلاق"، "إيران في عزلة رقمية اختيارية لحماية النظام"، "الظلام الرقمي يضرب بعنف في اقتصاد إيران ومعيشة المواطنين"، "الإيرانيون في سجن افتراضي جراء انقطاع الإنترنت"، "التصعيد السيبراني يحرم الإيرانيين من نسيم الإنترنت"، "إيران بلا إنترنت: دولة معزولة وشعب محروم واتصال مقطوع"، "كيف تبدو الحياة في داخل إيران من دون إنترنت؟"، "مع دخول انقطاع الإنترنت يومه الخمسين، يشتكي الإيرانيون من نفاق الدولة والأخطار الاقتصادية"، وتتوالى عناوين الحرب معتبرة الإنترنت وانقطاعه في إيران مكوناً رئيساً لا يقل أهمية عن الجدال النووي، أو يتدنى في المكانة عن المضيق، أو يفرق كثيراً عن أثر المسيرات والصواريخ في تحديد مسار المعركة، ورسم المستقبل الذي يلوح بعد انتهائها.

ترسّخ حرب إيران مكانة الإنترنت كأداة حرب. إنها الأداة التي لا تتوقف عند تحول الأثير معركة رقمية تنشر الأوبئة المعلوماتية، حيث التضليل الإعلامي استراتيجية، والمحتوى الزائف هجوماً معنوياً، والصور المفبركة معول هدم، والفيديوهات المصنوعة بالذكاء الاصطناعي أداة لزعزعة الاستقرار في مجتمع العدو، أو حتى الهجمات السيبرانية تستهدف البنى التحتية للأنظمة العسكرية والمعلومات المهمة للأطراف المعادية لإلحاق الضرر على الأثير بالتوازي مع الأرض والسماء، بل تصرّ على أن تجعل من قطع الإنترنت وإعادته سلاح شد وجذب.

في حرب إيران، تثبت الأدوات الرقمية كل يوم إنها عنصر محوري في الصراع جنباً إلى جنب مع الحرب الدائرة رحاها جواً وبحراً وبراً، متيحة للأطراف المتصارعة تحقيق أهداف سياسية وأمنية بالغة التأثير.

 

وعلى رغم اشتعال الأثير بتلك الحرب التي تلوّنت بألوان الصراع الجيوسياسي، فإن الإنترنت نفسه طل عبر نوافذ إيران المغلقة ليعيد تسليط الضوء على الشبكة العنكبوتية التي تحولت في العقدين الأخيرين إلى مكون رئيس من مكونات الأجندات السياسية. تسعى حكومات وأنظمة عبرها إلى تنظيم الأمن، تارة عبر فرض الرقابة والتحكم في محتواها، وأخرى بتوجيه المحتوى وتسييسه بشكل غير مباشر، وثالثة عبر قطعها كلية لتفصل جموع المواطنين/ المستخدمين عن العالم الخارجي، وعن بعضهم بعضاً، ورابعة عبر تدخل قوى أجنبية لإعادة الاتصال سواء بدعوة تمكين المواطنين من التعبير والحرية، أو بدافع تمكينهم من إسقاط نظام الدولة المعادية.

مع اندلاع كل حرب، وتفجّر كل صراع، وتأجيج كل ثورة أو احتجاج على مدار العقدين الماضيين، تتحوّل شبكة الإنترنت من وسيلة اتصال وتواصل وبحث عن معلومات، إلى أداة سياسية، وعنصر محفز للتغيير (للأفضل أو للأسوأ)، وعامل مؤجج للصراع أو مهدئ له بحسب الحاجة وبحسب رؤية الجهات المهيمنة على إتاحة الشبكة أو حجبها.

يشير كبير مستشاري الأمن الاقتصادي والاستراتيجي في "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية" جيمس أندرو لويس، في ورقة عنوانها "مناقشة قصيرة حول تأثير الإنترنت على السياسة" (2021) إلى أن الجهات الحكومية وغير الحكومية الفاعلة أصبحت تستغل الإنترنت لأغراض التأثير السياسي حتى أصبحت الشبكة الأداة السياسية المهيمنة في القرن الحالي.

ويعرض لويس لما ذكره الكاتب والباحث في الانعكاسات السياسية والاجتماعية للتكنولوجيا البيلاروسي إفغني موروزوف عن تحول الإنترنت لـ"مزيج خطير من تآكل الشرعية، وتضارب الروايات، وظهور منافذ جديدة للمعارضة، مما يُنتج مصادر جديدة لعدم الاستقرار السياسي في كل الدول. ​​وفي ظل ظروف كالغضب الشعبي المتصاعد، أو الأنظمة القائمة على الإكراه، توفر التقنيات الحديثة والإنترنت أداةً لتوحيد السخط، وتحويله إلى ثورة في حال وقوع حادثة محفزة، أو ظهور قادة معارضين ذوي كاريزما"، وأن "الأنظمة الاستبدادية، بعلاقاتها الهشّة مع مواطنيها، تميل إلى قمع التأثير السياسي للإنترنت من خلال تقييد الوصول إلى المعلومات، ونشر رواياتها البديلة، وإنشاء أنظمة مراقبة شاملة، وربما حجب الإنترنت كلية".

"الربيع العربي" يرسخ الفكرة

سادت هذه الرؤية للإنترنت وترسخت بفعل أحداث ما يسمى بـ"الربيع العربي". الأحداث المتفجرة في تونس ومصر، ثم سوريا وليبيا وغيرها من الدول في عامي 2010 و2011 وما بعدها وضعت الإنترنت وما توفره من معلومات، وسُبل تواصل، وتطبيقات سوشيال ميديا تتيح التنظيم والتنسيق، وكذلك توثيق "الانتهاكات"، وتوسيع قاعدة فكرة الصحافي ليشمل كل من يحمل هاتفاً محمولاً متصلاً بشبكة الإنترنت، وكسر احتكار الدولة والشركات أو القطاع الخاص للسرديات، وضعت الإنترنت في مكانة القديسين. إنها المكانة التي صنعها الغرب، وفرضها على دول الربيع، إلى أن طاولت نيرانها صانعيها، فأصحبت الإنترنت جيدة بشروط، ومطلوبة بقيود، وأداة من أدوات الدفاع والهجوم، لا سيما في الحروب، لكن الشروط والقيود والأدوات أصبحت غارقة في التسييس، ومفعمة بالمصالح وتوازنات القوة.

السنوات القليلة التي تلت أحداث "الربيع العربي" شهدت تبجيلاً وتعظيماً للإنترنت وتطبيقات السوشيال ميديا، حتى تربعت على رأس قوائم "أفضل ابتكارات القرنين الـ 20 والـ 21". وحين طاولت آثارها أحداث عنف واحتجاج في شوارع فرنسا (2023) وبريطانيا (2024) وإسبانيا (2025) والولايات المتحدة الأميركية (منذ عام 2015 بشكل متقطع ولأسباب مختلفة)، بدأت هذه الدول وغيرها تتبع نهجاً مغايراً في التعامل مع منظومة الإنترنت والسوشيال ميديا، وهو النهج الذي يتقارب ويتشابه كثيراً مع النهج الذي اتبعته أنظمة دول "الربيع العربي"، وكان محل انتقاد، وأحياناً عقاب، في حينها.

بعيداً من "تقديس" دور الإنترنت وحماية حق المواطن في الاتصال والتواصل والتنظيم والاحتجاج حين يتعلق الأمر بآخرين، ثم شيطنته حين تدور الدوائر ضدنا، فإن الشبكة العنكبوتية، في إتاحتها وحجبها، أصبحت بلا أدنى شك، أداة حاسمة في الحروب والصراعات. الأمر أيضاً تعدى مدينة المواطن الصحافي الفاضلة، إذ أي مواطن يحمل هاتفاً محمولاً بكاميرات يتحول إلى ملاك بجناحين وكاميرا ينقل الحقائق، ويوثق الانتهاكات، وينقل المعاناة إلى العالم، وأصبحت من ألفها إلى يائها أداة من أدوات الحرب.

اللجنة الدولية للصليب الأحمر في إطار اهتمامها بحماية المدنيين من التهديدات الرقمية في الحروب، أشارت إلى أن الإنترنت غيّر طبيعة الحروب بشكل جذري، محولة إياها إلى "حرب 2.0" (أي نسخة من الحرب أكثر تفوقاً وتقدماً من النسخة الأصلية)، يهمين فيها على المشهد المعلوماتي كل من الدول التقليدية والمدنيين الذين نشأوا في عصر التكنولوجيا الرقمية، وهو ما خلق معضلة "الاستخدام المزدوج"، وفيه تصبح الأدوات الرقمية المصممة للاتصال أهدافاً حيوية، مما يجعل معرفة المدنيين بالتكنولوجيا الرقمية وحمايتهم من المهام الرئيسة في الحروب الحديثة.

هذه الساحة الرقمية تثبت في كل صراع جديد إنها أداة أساسية ذات استخدام متعدد الأوجه لكل الأطراف: المدنيون، الحكومات، الجيوش المتحاربة، وأحياناً تدخل شركات التكنولوجيا طرفاً بشكل غير مباشر، وذلك بغرض دعم فريق على حساب آخر. هي معركة للمعلومات، وملعب لأجهزة الاستخبارات، ووسيلة إعلام، وأداة جذب واستقطاب، وطريقة للتوثيق والانتشار، وأيضاً أداة للنشر السريع للمعلومات المضللة، وطمس الحدود الفاصلة بين المقاتلين الحقيقيين، والافتراضيين.

 

متابعة الاهتمام والتركيز الكبيرين على قطع الإنترنت في إيران أثناء الحرب، والتقارير التي تتحدث عن عزل الإيرانيين عن العالم الخارجي، وقبلها حرب غزة وتحول جزء منها لتكون حرب اتصالات لا تقل ضراوة عن الحرب الأصلية، واللجوء إلى قطع الاتصال بالإنترنت كوسيلة للسيطرة وعزل أهل غزة عن العالم الخارجي، وعزل العالم الخارجي عنهم وما يحدث في داخل القطاع، وقبلها حرب روسيا في أوكرانيا، والانقطاع المتكرر للشبكة، نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنى التحتية والهجمات الروسية الإلكترونية، واعتماد أوكرانيا بشكل كبير على محطات "ستارلينك" لتوفير إمكانية الاتصال بالإنترنت، وهي الخدمة التي قدمتها شركة "سبيس إكس".

يشار في هذا الصدد إلى أن حرب أوكرانيا، وتعرض الإنترنت للانقطاع قبل تقديم خدمات "ستارلينك" تمثل نموذجاً للحرب الحديثة حيث الإنترنت أداة هجوم ودفاع، والأنظمة تتصارع من أجل النيل من الشبكة أو إعادتها، وشركات التكنولوجيا تدخل طرفاً داعماً أو مناهضاً. وكان الملياردير الأميركي إيلون ماسك، مالك شركة "سبيس إكس" قد سارع إلى تقديم خدمة الاتصال بالشبكة لأوكرانيا، وهو ما ساعد القوات الأوكرانية في بداية الحرب على استعادة السيطرة على جزء من أراضيها.

ثم قال إنه لن يتمكّن من تقديم الخدمة لأجل غير مسمى بسبب التمويل. وطلب وقتها من وزارة الدفاع الأميركية أن تتكفل بالتمويل. قبلها أثار ماسك غضب أوكرانيا، لأنه اقترح أن تتنازل أوكرانيا عن بعض أراضيها لروسيا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبحسب تقرير منشور في "اندبندنت عربية" تحت عنوان "كيف أثر قرار ماسك بحجب ستارلينك في مسار المعارك داخل أوكرانيا؟" (فبراير 2026) إلى أن حجب روسيا عن شبكة "ستارلينك" خفّض فعالية ضرباتها المسيّرة بنسبة تصل إلى 40 في المئة ومكّن أوكرانيا من استعادة مواقع ميدانية، في حرب باتت فيها الاتصالات الفضائية عاملاً حاسماً في ترجيح الكفة. وأشار كذلك إلى أن الاعتماد المتزايد على المسيّرات حوّل الجبهات إلى مساحات استهداف واسعة، وأعاد صياغة العقيدة العسكرية، كاشفاً هشاشة الجيوش الحديثة أمام تفوق تقني يمكن تعطيله بقرار واحد.

ورسخ الإنترنت دوره في الحروب والصراعات على مدار الحرب الأهلية في سوريا، إذ قام بأدوار متعددة، وأحياناً متناقضة. من التوثيق والإبلاغ، إلى التجنيد من قبل الجماعات المتطرفة، والتحكم في سردية الأحداث والصراع من قبل كل الأطراف المتصارعة، كان الإنترنت أداة بالغة الأهمية استخدمها الجميع في سوريا طيلة سنوات الحرب. ويمكن القول إن الحرب السورية كانت أكثر الصراعات تأثراً وتأثيراً بالإنترنت ومنصات السوشيال ميديا، إذ تحوّلت فعلياً إلى ساحة معركة موازية للحرب على الأرض.

أما حرب إيران فلم تؤد إلى مزيد من ترسخ الإنترنت سلاح حرب، بل إلى الكشف عن حقائق كانت غائبة عن أساليب إدارة هذا السلاح في أوقات السلم، ربما تحسباً لوقت الحرب. النظام الإيراني تمكّن على مدار عقدين من تطوير بنية متطورة تمكنه من قطع الإنترنت بحسب الحاجة، وذلك عبر ما يعرف بـ"الشبكة الوطنية للمعلومات".

الإيرانيون والعتمة الرقمية

وبحسب تقرير للباحث في الشؤون الدولية في جامعة ديكن الأسترالية أمين نعيني والمنشور في "ذو كونفرسيشين" (مارس 2026) تحت عنوان "أغلق النظام الإيراني الإنترنت في خضم الحرب، مما وضع المدنيين في مرمى النيران"، أن هذا النظام مصمم بشكل يمنع وصول الأفراد إلى الإنترنت، ويقدم بدلاً منه شبكة داخلية وطنية، وهو ما يجعل أدوات ومحركات مثل "غوغل" و"جي ميل" و"كروم" متاحة بشكل متقطع وعرض للانقطاع، لا سيما في أوقات القلاقل السياسية. المتاح مواقع الحكومة الإلكترونية، والخدمات المصرفية المحلية، ومنصات وطنية مختارة، وهو ما مكّن النظام الإيراني من الاحتفاظ بسيطرة واسعة على أنشطة المواطنين على الشبكة. كذلك يعد وسيلة لحماية النظام نفسه من عمليات التدقيق الدولي.

ويشير الكاتب إلى أن النظام الإيراني دأب على قطع الإنترنت، وأو حجب مواقع وخدمات بعينها في مواجهة الاحتجاجات واسعة النطاق التي حدثت في عام 2019 على سبيل المثال.

وعلى رغم هذه القيود، فإن الكثيرين من الإيرانيين يستخدمون شبكات فضائية للوصول إلى "ستارلينك"، وهي باهظة الثمن، وغير قانونية، وهو ما جعل البعض يصف الإنترنت في إيران بـ"الإنترنت الطبقي"، إضافة إلى إتاحة الإنترنت لفئات بعينها، أو بعد الحصول على موافقات أمنية.

وظلت إمكانية الاتصال بالإنترنت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالاحتجاجات في إيران في السنوات القليلة الماضية، وهو ما يعيد تأكيد أهميتها. وتوصل النظام الإيراني إلى طريقة إتاحة الإنترنت بمستويات متعددة، تتراوح بين الانقطاع التام، أو الانقطاع المتكرر أو شبه المتكرر، والوصول الطبيعي إلى الشبكة، وذلك بحسب الأحوال السياسية والاحتجاجات الشعبية.

جانب معتبر من أهمية سلاح الإنترنت السياسي في أوقات الحروب يتعلق بالرغبة في السيطرة على السردية، سردية السياسة، أو سردية الحرب، أو سردية الانتصار أو حتى الهزيمة وأسبابها. لذلك، فإن السيطرة على البيئة الإعلامية، سواء التقليدية أو الجديدة، تظل أولوية للعديد من الأنظمة والحكومات، لا سيما في أوقات الحروب والصراعات.

 

خلق فراغ إعلامي، عبر حجب مواقع أو قطع الإنترنت كلية، يساعد على ضمان تداول الرواية الرسمية فقط لحين إشعار آخر.

ولحين إشعار آخر، ترسخ الإنترنت مكانتها كعامل محوري من عوامل الحراك السياسي، ومكون استراتيجي للعمليات العسكرية، وعمود من أعمدة الحروب المعاصرة إن لم يكن على أرض المعركة أو سمائها، فعلى أثيرها.

تجاوزت الشبكة العنكبوتية دورها كأداة اتصال، ووسيلة حصول على معلومات، وطريقة ترفيه وتثقيف، وأصبحت شريان حياة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وعسكرياً، يعمل لمصلحة الدول وضررها، وتمكين الشعوب وإضعافها، وتقوية الأنظمة وإنهاكها وربما إسقاطها، وتثبيت مكانة القادة وزعزعتها، وتسليح المعلومات وتصويبها جهة العدو أو صوب الداخل لتقوية الجبهة المحلية.

في مطلع العام الحالي، وبحسب أرقام "الاتحاد الدولي للاتصالات، بلغ عدد مستخدمي الإنترنت في العالم نحو ستة مليارات شخص، أي نحو 74 في المئة من سكان العالم، ليبقى 2.2 مليار شخص غير متصلين بالشبكة.

من جهة أخرى، وعلى رغم هذا الانتشار، وتحوّل الشبكة إلى سلاح سياسي وعسكري وتقرير مصير، فإن الإنترنت في أغلب دول العالم ميزة وحق أصيل وعدالة ومنفعة، إلى أن يجري استخدامها ضد مصلحة هنا أو قائد هناك، فتتحول ضرراً ومنحة تعطى في الوقت المناسب وتسلب في أوقات الطوارئ.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات