ملخص
أعلنت ماريا زاخاروفا الناطقة الرسمية باسم الخارجية الروسية أن موسكو ستعلق اتفاقات إمداد الغاز ومنتجات النفط مع أرمينيا بصورة أحادية إذا لم توقف عملية التقارب مع الاتحاد الأوروبي، وهو ما علق عليه رئيس الحكومة الأرمينية بقوله إن الاتفاقات الموقعة بين البلدين تحول دون ذلك. وأعلن صراحة حول أن بلاده تتمسك بقانون بدء الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وتؤكد أنها ستبقى في الاتحاد الاقتصادي الأوروآسيوي موقتاً، وذلك في وقت أعلن فيه الرئيس فلاديمير بوتين أن ذلك "أمر مستحيل".
ثمة من يقول إن هناك قوى خارجية تقف وراء تلك التحركات العاصفة التي تجتاح أرمينيا منذ انتهاء حربها مع أذربيجان، مدفوعة بما هو أشبه بخيبة الأمل التي تكابدها من جراء ما وصفته القيادة السياسية الأرمينية بتخلي روسيا وبلدان معاهدة الأمن الجماعي عن دعمها عسكرياً. وإذا كان هناك من يروج لمثل هذه "التصرخات"، فإن الواقع يقول إن ما قامت وتقوم به الحكومة الأرمينية برئاسة نيكول باشينيان يعود تاريخه إلى ما قبل الحرب الأذرية - الأرمينية بكثير، وقد ارتبط ذلك بما حاول ويحاول الغرب إثارته بين بلدان الفضاء السوفياتي من "ثورات ملونة" اجتاحت كثيراً من هذه البلدان مع مطلع القرن الحالي، ومنها "ثورة الورد" في جورجيا عام 2003، والموجة الأولى من "الثورة البرتقالية" في أوكرانيا عام 2004، و"ثورة السوسن" في قيرغيزستان عام 2005، فضلاً عما نشهده منذ عام 2018 من توجه فصائل المعارضة في أرمينيا نحو الغرب بحثاً عن "الرفاهية والازدهار" بين أحضان الاتحاد الأوروبي على غرار ما شهدناه في أرمينيا منذ عام 2018.
باشينيان "وثورته الملونة"
وها هي الأحداث سريعة عاصفة تنذر باقتلاع أرمينيا بعيداً من المنظمات التي تشكلت في أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي السابق في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. وتشير الوقائع إلى أن نيكول باشينيان الذي كان من أوائل من جاهروا بالانضمام إلى "الثورات الملونة" مع مطلع القرن الحالي تحت مختلف الشعارات، يعلن أخيراً في لقائه مع الناخبين استعداداً للانتخابات البرلمانية المرتقبة في السابع من يونيو (حزيران) المقبل "الشعب الأرميني هو من سيقرر مصير الجمهورية، هل هي في الاتحاد الأوروبي أم في الاتحاد الاقتصادي – الأوروآسيوي؟". وذلك في أعقاب ما وقعه في ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي من شراكة استراتيجية مع الاتحاد الأوروبي، وما عقده في يريفان من اجتماعات مع رؤساء بلدان الاتحاد الأوروبي ولقاءات ثنائية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في مايو (أيار) من العام الحالي، وقبل ذلك من لقاءات في البيت الأبيض مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. فضلاً عن مقاطعة باشينيان اجتماعات القمة لمنظمات دول الكومنولث المستقلة، ومنها قمة رؤساء بلدان الاتحاد الأوروآسيوي التي عقدت خلال الأيام القليلة الماضية في آستانا عاصمة كازاخستان، وتجميد أرمينيا عضويتها في معاهدة بلدان الأمن الجماعي.
وكان البرلمان الأرميني أقر في مارس (آذار) من العام الماضي قانون "بدء الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي"، وإن كان القرار الأخير سيصدر بناءً على نتيجة الاستفتاء الشعبي حول هذه القضية بموجب نصوص الدستور. وينص القانون على أن "جمهورية أرمينيا، وسعياً منها لتطوير مؤسسات ديمقراطية، وتحسين رفاهية المجتمع، وتعزيز الأمن والصمود وسيادة القانون، تعلن بدء إجراءات انضمام جمهورية أرمينيا إلى الاتحاد الأوروبي".
موسكو ترد
وقد بادرت موسكو من جانبها بالرد على ما صدر عن باشينيان وحكومته من تصريحات وقرارات، من خلال عدد من الإجراءات الاقتصادية، ومنها فرض قيودها على صادرات أرمينيا من المياه المعدنية والزهور والمشروبات الروحية إلى روسيا، إلى جانب التلويح بالخروج من اتفاقات صادراتها من النفط والغاز الذي كانت تبيعه لأرمينيا بسعر 177 دولاراً لكل 1000 متر مكعب بينما سعره الأوروبي يبلغ ما يزيد على 600 دولار، وذلك ما سبق وتناولته "اندبندنت عربية" في تقرير سابق لها من موسكو. وفي تعليقه على قرارات موسكو في شأن تشديد الرقابة الصحية على صادرات أرمينيا إلى روسيا، قال الناطق الرسمي باسم الكرملين دميتري بيسكوف "سيكون من الصعب على المنتجين الأرمن دخول السوق الأوروبية في حال تقارب أرمينيا مع الاتحاد الأوروبي".
أضاف بيسكوف أن المنتجات الأرمينية غير مرحب بها في أوروبا، مستشهداً بالمنتجات الزراعية، والمياه المعدنية، والأحجار الكريمة كأمثلة. ولمح أيضاً إلى أن المنتجين الأوروبيين وجماعات الضغط في هذا القطاع سيعرقلون الترويج للمنتجات الأرمينية في سوق الاتحاد الأوروبي.
وتساءل بيسكوف في حديث تلفزيوني إلى القناة الإخبارية الروسية الرسمية "هل ينتظر أي أحد المنتجات الزراعية الأرمينية في الأسواق الأوروبية؟"، ليخلص إلى القول "إن الجواب واضح: فلا أحد ينتظرها هناك. لا أحد ينتظر المياه المعدنية والمنتجات الأرمينية الأخرى! لا أحد"، وتابع أن المياه المعدنية الفرنسية ستخنق حتماً المياه المعدنية الأرمينية خلال المنافسة في الأسواق الأوروبية، وذلك فضلاً عن "أن السوق الأوروبية سوق صعبة وتنافسية".
وعن خطط أرمينيا في شأن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، أشار بيسكوف إلى أن التطور السريع الذي تشهده البلاد يعود في معظمه إلى عضويتها في الاتحاد الاقتصادي الأوروآسيوي، وأشار إلى أن دول الاتحاد الاقتصادي الأوروآسيوي تعد سوقاً مهمة للمنتجات الأرمينية.
من جانبها، أشارت الناطقة الرسمية باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا إلى أن الجانب الروسي أبلغ يريفان بأنه في حال انضمام أرمينيا إلى الاتحاد الأوروبي، سيتم تعليق أو إلغاء اتفاق الغاز والمنتجات النفطية. وأشارت إلى أن سفارة روسيا الاتحادية في جمهورية أرمينيا سلمت رسمياً إلى الجانب الأرميني رسالة من وزير الطاقة الروسي سيرغي تسيفيليف إلى وزارة الإدارة الإقليمية والبنية التحتية في جمهورية أرمينيا، تفيد بأنه "في حال انضمام أرمينيا إلى الاتحاد الأوروبي، فإن الجانب الروسي سيقوم بتعليق أو إلغاء الاتفاق المبرم بين حكومة روسيا الاتحادية وحكومة جمهورية أرمينيا في شأن التعاون في توريد الغاز الطبيعي والمنتجات النفطية والماس الخام إلى جمهورية أرمينيا، والمؤرخ في الثاني من ديسمبر عام 2013".
وعاد ترمب إلى أرمينيا
ولم يكن الرئيس الأميركي دونالد ترمب ليغفل إمكان تحقيق المكاسب التجارية والاقتصادية قبل العسكرية التي يمكن تحقيقها حتى من أرمينيا ذات الثلاثة الملايين نسمة! فبعد استضافته باشينيان وغريمه الأذري إلهام علييف في البيت الأبيض في صيف العام الماضي، وما حققه من مكاسب إعلامية وجيواستراتيجية آنذاك، عاد ترمب ليعلن دعمه لرئيس الحكومة الأرمينية في الانتخابات البرلمانية المرتقبة، بعدما سبقته في ذلك بلدان الاتحاد الأوروبي ومعها الرئيس الأوكراني مطلع الشهر الجاري.
وكتب ترمب على منصة "تروث سوشيال" أن باشينيان "صديق وقائد عظيم" ويشاركه رؤيته تجاه السلام والازدهار لأرمينيا وكل منطقة جنوب القوقاز، وأضاف "نيكول، ولهذه الأسباب، يحظى بتأييدي الكامل والمطلق لإعادة انتخابه في السابع من يونيو 2026".
وكانت مصادر أميركية سبق وأشارت إلى توقيع الجانبين الأميركي والأرميني اتفاق إطار للشراكة الاستراتيجية يشمل التعاون في قطاع المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة، وهو الاتفاق الذي وقعه وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو مع نظيره الأرميني أرارات ميرزويان خلال زيارة روبيو العاصمة يريفان خلال الأيام القليلة الماضية، إضافة إلى ما سبق وتعهد به الرئيس الأميركي من ضمانات عسكرية وأمنية يمكن أن تكون عوضاً عما تمتعت به أرمينيا من دعم تجاري واقتصادي وعسكري من جانب روسيا التي لا تزال تملك هناك قاعدة عسكرية، فضلاً عن عضوية أرمينيا في مختلف المنظمات التي تضمها مع "الأشقاء" من بلدان الفضاء السوفياتي السابق.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بلدان الاتحاد الاقتصادي الأوروآسيوي
لم يصدر عن قمة رؤساء بلدان الاتحاد الاقتصادي الأوروآسيوي بيان ختامي أو قرار نهائي في شأن عضوية أرمينيا في أي من المنظمتين "الاتحاد الاقتصادي الأوروآسيوي"، أو الاتحاد الأوروبي"، نظراً إلى أن هذه القمة كانت مخصصة لمناقشة ذلك، من دون الوصول إلى قرار حاسم بهذا الشأن. ومع ذلك فقد شكلت تصريحات القادة والمسؤولين موقفاً مبدئياً واضحاً، يتلخص حول "ما جرى من نقاشات وقرارات سبقت القمة، ودارت حول التوتر المتصاعد بين عضوية أرمينيا في الاتحاد الاقتصادي الأوروآسيوي من جهة، وطموحاتها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي من جهة أخرى". ومن المعروف أن موقف أرمينيا يبدو شديد الوضوح في ما يتعلق برغبة "قيادتها" في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وهو ما أقرته في قرارها الذي اتخذته في مارس من العام الماضي. ولعل من الغريب والطريف معاً أن القيادة السياسية لأرمينيا تظل متمسكة بعضوية أرمينيا في الاتحاد الاقتصادي الأوروآسيوي، استناداً إلى عدم إعلانها الخروج من الاتحاد، كما أن فصل أو استبعاد أي من الأعضاء يتطلب الإجماع الذي لم يتوفر بعد، وقد ثبت ذلك لدى مناقشة ممثلي الدول الأعضاء فكرة "انفصال" أرمينيا، إذ أكدوا "أنه وفقاً للقوانين، لا يمكن طرد أي دولة عضو من الاتحاد من دون موافقتها"، كذلك فإن "العضوية المزدوجة" أي الاحتفاظ بعضوية هذين الكيانين، أمر مستحيل، وهو ما أعلنه كثير من المسؤولين الروس أكثر من مرة، بتأكيدهم أن "العضوية المتزامنة في الاتحاد الأوروبي والاتحاد الاقتصادي الأوروآسيوي أمر مستحيل". وقد وصفت العمليتان بأنهما متضاربتان ومتعارضتان، مما يضع أرمينيا أمام خيار "إما -أو"، وذلك كله يعيد إلى الأذهان ما سبق وواجهته أوكرانيا في مطلع العقد الثاني من القرن الحالي، وما أسفر عن الانقلاب الذي أطاح الرئيس الأوكراني السابق فيكتور يانوكوفيتش في فبراير (شباط) عام 2014 وما تلا ذلك من أحداث لا تزال أوكرانيا تكابد تبعاتها حتى اليوم.
على أن ذلك كله لم يحل دون ما اتخذته روسيا من إجراءات على الصعيد الثنائي وهو ما أشارت إليه وزارة الخارجية الروسية التي حذرت علانية من أن أرمينيا "معرضة لخطر فقدان جميع امتيازاتها" في الاتحاد الاقتصادي الأوروآسيوي إذا واصلت نهجها.
وأعلنت الناطقة الرسمية باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا أن موسكو ستعلق اتفاقات إمداد الغاز ومنتجات النفط مع أرمينيا بصورة أحادية إذا لم توقف عملية التقارب مع الاتحاد الأوروبي، وهو ما علق عليه رئيس الحكومة الأرمينية بقوله إن الاتفاقات الموقعة بين البلدين تحول دون ذلك. وأعلن صراحة حول أن بلاده تتمسك بقانون بدء الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وتؤكد أنها ستبقى في الاتحاد الاقتصادي الأوروآسيوي موقتاً، وذلك في وقت أعلن فيه الرئيس فلاديمير بوتين أن ذلك "أمر مستحيل"، وإن قالت المصادر إن روسيا لا تخطط بعد لفرض عقوبات اقتصادية فورية، لكنها هددت بالتأثير في علاقات الطاقة الحيوية لأرمينيا في وقت لاحق.