ملخص
تظهر البيانات ارتفاع معدلات التأخر في السداد وأخطار التعثر، حتى بين الطبقة المتوسطة والعليا، مع تحول متزايد نحو "ديون البقاء" لتغطية الحاجات الأساسية.
تشهد الولايات المتحدة موجة متصاعدة من الضغوط المالية على الأسر، مع ارتفاع غير مسبوق في ديون بطاقات الائتمان التي بلغت نحو 1.25 تريليون دولار خلال الربع الأول من العام، وفقاً لبيانات بنك الاحتياط الفيدرالي في نيويورك، مرتفعاً من 1.18 تريليون دولار في الربع نفسه من العام الماضي.
ويعد هذا أعلى رصيد ربع سنوي، منذ أن بدأ بنك الاحتياط الفيدرالي في نيويورك بتسجيل هذا المؤشر عام 1999، ويأتي ذلك في ظل استمرار ارتفاع أسعار الفائدة والتضخم، مما جعل سداد الديون أكثر صعوبة حتى على أصحاب الدخول المرتفعة نسبياً.
قلل الرئيس الأميركي دونالد ترمب من شأن الضغوط الاقتصادية الناجمة عن ارتفاع الأسعار، وعندما سئل في وقت سابق من هذا الشهر عما إذا كان الوضع المالي للأميركيين دافعاً لإنهاء الحرب مع إيران، أجاب قائلاً "ليس على الإطلاق".
ويواجه الجمهوريون في الكونغرس قلقاً متزايداً لدى الناخبين في شأن الوضع الاقتصادي، قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
ووفقاً لمسح أجراه الاحتياط الفيدرالي على البنوك المصدرة لبطاقات الائتمان، ارتفع متوسط أسعار الفائدة على البطاقات إلى 21 في المئة في فبراير (شباط) الماضي، مقارنة بـ14.6 في المئة في فبراير 2022.
وفي العام الماضي، تأخر 5.6 في المئة من حاملي بطاقات الائتمان عن سداد مدفوعاتهم لمدة 60 يوماً أو أكثر، متجاوزين بذلك مستويات ما قبل الجائحة، وفقاً لبيانات جمعها الاقتصادي في معهد "أوربان" برينو براغا، وهو مركز أبحاث ذو توجهات يسارية.
وأظهر تحليله أن هذه النسبة ارتفعت خلال العامين الماضيين إلى أعلى مستوى لها منذ عام 2018، وذلك بين سكان المجتمعات ذات الدخل المنخفض والمتوسط والعالي على حد سواء.
وقال براغا لصحيفة "وول ستريت جورنال"، "عندما تصبح أسعار الغذاء والسكن والرعاية الصحية جميعها أكثر ارتفاعاً، يتبقى مال أقل لسداد بطاقات الائتمان".
وأضاف "لذلك يواجه مزيد من الناس قرارات صعبة، فهم لا يريدون فقدان منازلهم أو سياراتهم، ويحتاجون إلى دفع فواتير الخدمات، وغالباً ما يكون من المرجح أن يتوقفوا أولاً عن سداد ديون بطاقات الائتمان".
وأشار إلى أن الأميركيين الذين يواجهون صعوبة في سداد ديونهم توافدوا بكثافة على وكالات الإرشاد الائتماني، وقالت "المؤسسة الوطنية للاستشارات الائتمانية"، وهي شبكة من المؤسسات غير الربحية التي تساعد الناس في تقليل ديون بطاقات الائتمان، إنها سجلت في يناير (كانون الثاني) الماضي زيادة بنسبة 24 في المئة في عدد العملاء مقارنة بالعام السابق، كما ارتفع متوسط عدد عملائها الشهريين بنسبة 60 في المئة هذا العام مقارنة بعام 2018.
أخطار التعثر في أعلى مستوياتها
ويحمل الأميركيون في المتوسط ما بين 6500 و6700 دولار من ديون بطاقات الائتمان، وفقاً لوكالات تقارير الائتمان. وتشير بيانات تحليلية صادرة عن معهد "أوربان" إلى أن نسبة حاملي البطاقات الذين تتجاوز أرصدتهم 10 آلاف دولار قد ارتفعت في مختلف المجتمعات وضمن مستويات دخل متعددة منذ عام 2018.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي العام الماضي، بلغت هذه النسبة 17 في المئة في المجتمعات ذات الدخل المنخفض، و20 في المئة في المجتمعات متوسطة الدخل، و25 في المئة في المجتمعات مرتفعة الدخل.
وتصدر "المؤسسة الوطنية للاستشارات الائتمانية" توقعاً ربع سنوي للضغوط المالية، يتنبأ بأخطار التعثر في سداد بطاقات الائتمان استناداً إلى بيانات العملاء لدى مجموعات الإرشاد الائتماني، ووصلت مستويات أخطار التعثر خلال الأشهر 12 الماضية إلى أعلى مستوياتها منذ بدء هذا التوقع في عام 2022.
وقال المتحدث باسم المؤسسة بروس ماكلاري إن الأسر من الطبقة المتوسطة على وجه الخصوص تواجه صعوبات في خفض أرصدة ديونها، مع "تحول مزيد من العائلات إلى نمط من ديون البقاء".
"الاقتراض من أجل البقاء"
ويؤكد الاقتصادي في جامعة ويست فيرجينيا والمتخصص في دراسة سلوك المستهلك سكوت شو أن المشكلة الأساسية تكمن في أن عدداً من حاملي البطاقات لا يدركون تأثير الاكتفاء بدفع الحد الأدنى، ويشير إلى أن هذا السلوك يجعل بعض المستهلكين غير قادرين على التخلص من الدين لسنوات طويلة.
من جهته، يقول المتحدث باسم المؤسسة الوطنية للاستشارات الائتمانية بروس ماكلايري إن البيانات الحالية تشير إلى أن شريحة واسعة من الأميركيين دخلت في نمط من "الاقتراض من أجل البقاء"، إذ لم يعد الدين خياراً استهلاكياً، بل ضرورة لتغطية الاحتياجات الأساسية.
ويضيف أن الضغوط الاقتصادية، مثل ارتفاع أسعار الغذاء والسكن والخدمات الصحية، جعلت الأسر أكثر عرضة للوقوع في الديون، حتى بين أصحاب الدخول المتوسطة والعليا.
وعلى رغم أن بعض الأميركيين تمكنوا من الخروج من دوامة الديون، فإن القلق لا يزال مستمراً، فحتى من سددوا التزاماتهم يخشون العودة مجدداً للدائرة نفسها في حال حدوث أي طارئ صحي أو فقدان وظيفة أو ارتفاع إضافي في الأسعار.
ويرى خبراء أن الأزمة الحالية لا تعكس مجرد مشكلة في الاستهلاك، بل تحولاً هيكلياً في الاقتصاد الاستهلاكي الأميركي، إذ أصبحت الأسر تعتمد بصورة متزايدة على الائتمان لتغطية حاجاتها الأساسية، في ظل بيئة من الفائدة المرتفعة والتضخم المستمر.