ملخص
تصاعد الحرب مع إيران يضع دونالد ترمب أمام معادلة صعبة بين إعلان نصر سريع والحفاظ على صورته كرئيس تعهد بتجنب "الحروب الأبدية"، في وقت قد يقوض فيه الصراع إرثه في السياسة الخارجية ويثير قلق قاعدة "ماغا". الخطر الأكبر يتمثل في خروج الحرب عن السيطرة واستمرارها نتيجة التصعيد الإيراني وطموحات إسرائيل العسكرية، مما قد يجر الولايات المتحدة إلى صراع أطول يهدد حسابات ترمب السياسية والاقتصادية.
مع بلوغ الحرب في إيران أسبوعها الثاني، بدا الرئيس الأميركي دونالد ترمب في مزاج واثق وهو يستعرض قائمة بما يعده إنجازات قائلاً: "لقد فقدوا أسطولهم البحري، وفقدوا سلاح الجو، ولم تعد لديهم أي منظومات مضادة للطائرات، ولا رادارات، كما أن قادتهم قد رحلوا". وأضاف أن النظام الإيراني، بعد 47 عاماً من الأضرار التي ألحقها بالعالم، "يدفع الآن ثمناً باهظاً".
إنها قائمة طويلة بالفعل. لكن ثمة مؤشرات تحذيرية تدل على أنه، حتى مع تأكيد ترمب أن الحرب ستنتهي "قريباً" (وإن لم يكن هذا الأسبوع)، بل وقوله إنه قادر على إنهائها وإعلان النصر "في أي وقت يشاء"، فإن الصراع قد يخرج عن نطاق سيطرته ويقوض الرواية التي يقدمها.
وثمة حجة قوية مفادها أن ترمب قد يكون بالفعل نسف إرثه في السياسة الخارجية، وقوض سمعته كرئيس تعهد بتجنب جر الولايات المتحدة إلى "حروب أبدية". فقد ظل التوتر قائماً دائماً بين نزعة الانعزال التي تبناها تحت شعار "أميركا أولاً"، واستعداده في الوقت نفسه للتدخل بحزم في الخارج.
وربما كان الخيط المشترك في ذلك هو النظر إلى السياسة الخارجية بوصفها وسيلة لتحقيق مزايا تجارية ومكاسب اقتصادية للأميركيين في الداخل. وبالنسبة إلى رئيس كثيراً ما قدمت صفقاته وتحركاته في الخارج باعتبارها تخدم أهداف حركة "ماغا"، فإن هذه الحرب تحديداً تنطوي على أخطار خاصة. وحتى الآن يبدو أن أثرها الاقتصادي يتمثل في اضطراب واسع، من دون دلائل واضحة على مكاسب محتملة.
ومن هنا فإن التحدي الأكبر الذي يواجه ترمب لا يأتي من الدفاعات الجوية لطهران بقدر ما يأتي من حاجته إلى الدفاع عن أفعاله أمام قاعدة "ماغا". فبعد كل شيء، كان يفترض بهذا الرئيس أن يركز على "حزام الصدأ" في الولايات المتحدة أكثر من تركيزه على نطاق جبال زاغروس في إيران، حيث تقع غالبية احتياطات البلاد من النفط الخام المقدرة بنحو 200 مليار برميل.
وقد انصب قدر كبير من الاهتمام على ما قاله جي دي فانس، نائب الرئيس، في شأن التطورات الجارية، نظراً إلى تشكيكه الطويل في جدوى المغامرات العسكرية الأميركية غير الضرورية في الخارج.
وبعبارة ملطفة، لا يبدو فانس متحمساً كثيراً إلى ما تمثله إيران من إلهاء لا مفر منه. وقد أضفى ترمب نفسه صدقية على هذا الانطباع في الأيام الأخيرة حين قال "كان (فانس) في رأيي مختلفاً عني قليلاً من الناحية الفلسفية. أعتقد أنه ربما كان أقل حماسة".
ويبدو من غير المرجح إلى حد كبير أن يسمح ترمب لهذه الحرب بأن تستمر أعواماً طويلة إذا كان في إمكانه تجنب ذلك. وسيحاول إعلان نصر سريع، إن لم يكن عبر إسقاط "الجمهورية الإسلامية"، ففي الأقل عبر "جز العشب" [إضعاف الخصم من دون القضاء عليه]، على حد التعبير الإسرائيلي. ولا شك في أن استنزاف مخزونات إيران من الأسلحة بصورة كبيرة وإبطاء تقدم برنامجها النووي يمثلان مكسباً مهماً. وهذه النتائج تبدو أكثر أهمية من قطع رأس النظام عبر اغتيال آية الله، على رغم أن رحيله لن يثير كثيراً من الأسف.
وقد تحققت أيضاً بعض النجاحات الدبلوماسية غير المتوقعة. فمع أن الرد الإيراني العشوائي قد يثبت فاعليته عبر إغلاق مطارات الإمارات وتعطيل حركة الشحن لأشهر مقبلة، فإن تصرفات طهران أسهمت، في المقابل، في توحيد معظم دول الشرق الأوسط ضد الملالي في طهران.
لكن الخطر الذي يواجه ترمب هو أنه قد لا يتمكن من جني هذه المكاسب ثم الانسحاب. فزمام إنهاء هذه الحرب، توقيتاً وطريقة، قد لا يبقى في يده.
ومن المرجح أن يتحول التركيز تدريجاً إلى الكيفية التي سيحاول بها ترمب إخراج الولايات المتحدة من هذا الصراع، بطريقة تسمح له بالحفاظ على سمعته كرئيس يستخدم القوة العسكرية الأميركية التي لا تضاهى لاتخاذ قرارات حاسمة عند الضرورة، من دون الوقوع في أخطاء أسلافه الذين تورطوا في صراعات طويلة الأمد.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقد يتمكن ترمب من استعادة دعم قاعدة "ماغا". وسيعتمد ذلك إلى حد كبير على الرسائل التي سيختار توجيهها. فالحجج المتعلقة بدور إيران في دعم جماعات مثل "حماس" والحوثيين و"حزب الله" قد تكون صحيحة، لكنها قد تبدو بعيدة من اهتمامات الأميركيين العاديين داخل البلاد. ولذلك فإن أفضل رهان سياسي لترمب – وهو الخط الذي بدأ بالفعل في تبنيه في الأيام الأخيرة – يتمثل في التركيز على السيناريو الكارثي المتمثل في السماح لإيران بتطوير قنبلة نووية، وما يحمله ذلك من نتائج غير مقبولة.
ومن المرجح أيضاً أن تدفعه حساسيته السياسية تجاه أولويات قاعدة "ماغا"، إلى جانب تركيزه التقليدي على الاقتصاد الأميركي، ولا سيما مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، إلى إعادة توجيه اهتمامه نحو القضايا الداخلية.
غير أن هناك خطراً حقيقياً يتمثل في أن يفقد السيطرة على مسار الأحداث على الأرض، وأن يجد إخراج الولايات المتحدة من الصراع أمراً مستحيلاً بينما تستمر الصواريخ الإيرانية في ضرب إسرائيل وشركاء الولايات المتحدة في الخليج والإمارات. وقد لا يكون رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مستعداً للاكتفاء بالأهداف المحدودة للحرب. كذلك فإن إعلان النظام الإيراني أمس انتقاله إلى استراتيجية "الضربات المستمرة" – أي إطلاق هجمات متتالية بدلاً من تبادل الضربات – يفتح الباب أمام احتمال إطالة أمد الحرب من الجانب الإيراني. وإذا ما انجرت الولايات المتحدة إلى حملة عسكرية أوسع وأكثر استدامة، فقد يقوض ذلك ليس فقط الرسالة السياسية التي بنى عليها ترمب حملته، بل أيضاً السردية التي يحب أن يقدمها عن نفسه.
وربما يجد ترمب في كل ذلك شيئاً من العزاء. فإذا لم تسامحه قاعدة "ماغا"، يمكنه أن يقول إنه وضع أمن بلاده وأمن العالم المتحضر فوق المكاسب الانتخابية. وقد يتبين أن جرأته في مواجهة إيران كانت مكلفة سياسياً إلى حد بعيد، لكنها في الوقت نفسه قد تصبح أحد أقوى ردوده على منتقديه: ترمب، ولو لمرة واحدة، في موقع مناهض للشعبوية.
© The Independent