ملخص
على رغم كل البريق والأناقة والجدال والانشغال يبقى السؤال الملح الذي يؤرق عشاق السينما والفن، هل حدث تحول عميق أصاب صناعة السينما نفسها حين انتقلت المهرجانات من كونها ساحات للاحتفاء بالفن إلى جزء من منظومة اقتصادية وإعلامية عالمية تُعرف باسم "اقتصاد السجادة الحمراء"، ولم يعد السؤال ما هو أفضل فيلم؟ بل ما هي أجرأ وأفضل إطلالة؟
في عصر تسيطر فيه مواقع التواصل الاجتماعي وتهيمن عليه الكيانات الاقتصادية التجارية في كل شيء تحولت المهرجانات السينمائية، بخاصة السجادة الحمراء، إلى ساحة للتنافس الساخن على الموضة والإطلالات بين الممثلات والنجمات الشهيرات.
ومع انطلاق مهرجانات كبرى مثل "كان" و"فينيسيا" وبرلين والجونة ومراكش والبحر الأحمر والقاهرة و"ميت غالا"، وغيرها، يتكرر مشهد السباق المحموم حول أفضل إطلالة وأجرأ فستان وأبرز المجوهرات، والنتيجة آلاف الصور، وملايين المشاهدات، وجدالات لا تنتهي حول الجرأة والأناقة والصدمة.
اقتصاد السجادة الحمراء
وعندما وصلت حدة المنافسة لدرجة الهوس وليس مجرد التأنق استغلت بيوت الأزياء وماركات المجوهرات الشهيرة الصراع لصالحها لتحول المهرجانات لما يسمى اقتصاد السجادة الحمراء الذي ينتظره صناع الموضة والراغبون في الشهرة والوصول لأعلى درجة تسويقية في العالم عبر أبرز وأهم النجوم.
وعلى رغم كل البريق والأناقة والجدال والانشغال يبقى السؤال الملح الذي يؤرق عشاق السينما والفن، هل حدث تحول عميق أصاب صناعة السينما نفسها حين انتقلت المهرجانات من كونها ساحات للاحتفاء بالفن إلى جزء من منظومة اقتصادية وإعلامية عالمية تُعرف باسم "اقتصاد السجادة الحمراء"، ولم يعد السؤال ما هو أفضل فيلم؟ بل ما هي أجرأ وأفضل إطلالة؟
مجرد ممر
وحول التغير في مستوى الأناقة وبداية هوس الأزياء في المهرجانات السينمائية والأحداث الفنية العالية تحدثت خبيرة الموضة سمر ياسين لـ"اندبندنت عربية" قائلة "منذ بداية عصر المهرجانات واختراع الممر الذي يمشي عليه النجوم من باب الحفل وحتى قاعات العرض، والذي سمي بعد ذلك السجادة الحمراء، وكان ذلك في منتصف الأربعينيات مع بداية مهرجان كان السينمائي لم تكن السجادة الحمراء حدثاً مستقلاً بذاته، بل مجرد بروتوكول لاستقبال النجوم والصناع المصاحبين لأعمالهم المعروضة، وكان التركيز الأساس على الأفلام والصناعة والقضايا والنقاشات السينمائية والسياسية". وأضافت "لكن صعود هوليوود سينمائياً والسيطرة على كل شيء بوصفه صناعة شكلت علامة فارقة في تغيير النظرة والإدراك لفكرة النجوم والسجادة الحمراء وكيفية استخدام كل ذلك بصورة تجارية، حتى وصلت الأمور لاعتبار النجم نفسه وسيلة إعلانية تدر الربح مثل إيرادات الأفلام، فأصبحت الأزياء جزءاً من بناء صورة النجمة أو النجم وتشكل عاملاً أساسياً في تأثير المشاهير وقوتهم وحضورهم بين الجمهور".
توغل الستينيات
وعلى رغم أن الاهتمام بالأناقة في حقبة الأربعينيات والخمسينيات على السجادة الحمراء واستثمار النجوم استحوذ على حصة لا بأس بها، فإن الأمر كان مناسباً وغير متجاوز ولا يتعارض مع أهمية الأعمال المقدمة للنجوم، بل بالعكس يضيف إليها البريق والهالة.
لكن منذ بداية الستينيات وانتشار التلفزيون وبث المهرجانات الكبرى وإطلالات النجوم على السجادة الحمراء عبر الشاشات حدث التحول الأخطر، حيث أصبح بإمكان الملايين مشاهدة النجمة وما ترتديه من فساتين ومجوهرات، وهنا أدركت دور الأزياء العالمية أنها أمام فرصة لا تقدر بثمن، حيث يمكنهم استغلال السجادة الحمراء والنجوم في الترويج الإعلاني لمنتجاتهم بدلاً من إنفاق الملايين على الإعلانات التقليدية المباشرة، ويكفي أن ترتدي نجمة عالمية فستاناً معيناً أمام عدسات العالم ليكون ذلك سبباً في بيعه بعشرات أضعاف سعره، وهنا تولد تحالفاً غير رسمي بين السينما والموضة والإعلام.
وتطور الأمر مع دخول دور الموضة الفاخرة مثل "ديور" و"شانيل" و"غوتشي" و"كارتييه" في الماراثون المثير فارتفع مقياس الاستثمار الفَارِه داخل المهرجانات السينمائية ليصل لأقصى مداه، وحلت الأوراق الرسمية مكان الاتفاقات الودية فصار التعاقد مع النجوم أمراً حتمياً قبل المهرجانات في مقابل مادي كبير.
وفي بعض الحالات تبرم عقود رسمية بشروط معينة مع نجوم مختارين، ويشمل الاتفاق التكفل بنفقات الطيران والفنادق الفاخرة وفرق التجميل والتصوير والتنسيق مع الصحافة والمصورين بصورة مسبقة.
وتصاعد التعاون فحاولت المهرجانات الاستفادة مادياً بصورة أكبر من دور الموضة حتى دخلت بيوت الأزياء والمجوهرات كرعاة رسميين في بعض المهرجانات.
فستان جنيفر لوبيز
في فبراير من عام 2000، وصلت جنيفر لوبيز إلى حفل توزيع جوائز "غرامي" مرتدية فستاناً أخضر استوائياً جريئاً من تصميم فيرساتشي. ولم يكن أحد يتوقع أن تلك الإطلالة ستغير علاقة الموضة بالمشاهير، بل وستغير شكل الإنترنت نفسه، ففي اليوم التالي، اندفع ملايين الأشخاص حول العالم للبحث عن صور الفستان، حتى إن حجم البحث الهائل أربك محرك البحث المبتدئ وقتها، وكانت النتيجة أن شركة "غوغل" قررت تطوير خدمة جديدة بالكامل تتيح البحث بالصور، وهي الخدمة التي عُرفت لاحقاً باسم Google Images.
وهذا الحدث لفت الانتباه بصورة أكبر أن الفستان الذي ترتديه نجمة عالمية مؤثرة لا يمكن اعتباره مجرد قطعة قماش أو إطلالة على سجادة حمراء، بل يمكن أن يصبح حدثاً رقمياً عالمياً قادراً على تغيير التكنولوجيا والإعلام وثقافة المشاهير معاً، وهذا الانقلاب الملفت دعم موقف النجوم وبيوت الأزياء بصورة أكبر ووجه الجميع لأن السجادة الحمراء والأحداث الفنية الضخمة يجب استغلالها بصورة أكبر للترويج للموضة والأزياء.
اقتصاد الانتباه
وبعد واقعة فستان جنيفر لوبيز وتوغل عصر الانترنت وبعده انفجار وسائل التواصل الاجتماعي، ظهر ما يسمى اقتصاد الانتباه الذي تقوم قيمته الأساسية على جذب العيون، بغض النظر عن طبيعة المحتوى نفسه.
وسيطر ما يسمى التفاعل الرقمي لتتغير قواعد اللعبة بالكامل، فأصبحت الصورة أسرع من الفيلم وأكثر انتشاراً وأسهل استهلاكاً لدى الجمهور. وللأسف ربما تسبب هذا النمط الاستهلاكي في تسطيح الاهتمام الجماهيري بصناعة السينما نفسها فبينما مشاهدة فيلم فني تحتاج إلى ساعتين من التركيز، لا تستغرق مشاهدة إطلالة جريئة أو فستان صادم سوى ثواني فقط كي تتحول إلى ترند عالمي.
إعادة تدوير
المعطيات الجديدة والحسابات التجارية التي تلهث وراء الأحداث الفنية الغنية بالمشاهير والنجوم جعلت من السجادة الحمراء كنزاً للعلامات التجارية، لأن صورة واحدة يمكن أن تحقق ملايين المشاهدات خلال ساعات قليلة وتسوق لمنتج بدرجة تحقق الملايين.
وأكدت بعض الدراسات التسويقية أن قطعة مجوهرات واحدة تظهر على نجمة عالمية في مهرجان كبير قد ترفع مبيعات العلامة التجارية بملايين الدولارات خلال أيام، ولهذا تدفع شركات المجوهرات والأزياء موازنات ضخمة للتعاقد مع نجمة للظهور بمنتجاتها وتصميماتها في حدث معين، والأغرب أن إطلالات النجمات لم تعد ذوقاً شخصياً، بل حسابات اقتصادية دقيقة تخضع لتخطيط واستراتيجيات تحاول ضمان لفت النجمة للانتباه لتحقيق أكبر نسبة مشاهدة وتسويق في الوقت ذاته.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وما يزيد من القيمة التسويقية لإطلالة النجمات أن الجمهور لا يتابع فقط فساتين الفنانات، بل يتابع أيضاً الحكايات المرتبطة بها بداية من المصمم للسعر للفخامة، ومروراً بوضع الفنانة ومكانتها الفنية والإنسانية، وهنا فالأزياء ليست مجرد ملابس، بل هي حكاية ترتبط بشخصية ملهمة ومؤثرة.
تصاعد "إنستغرام"
ومع تصاعد أهمية بعض وسائل التواصل الاجتماعي مثل "إنستغرام" و"تيك توك" و"فيسبوك" وامتلاك المشاهير ملايين من المتابعين، تزايدت قيمة ملابس النجوم في المهرجانات بصورة غير مسبوق، حيث تتحول كل إطلالة إلى محتوى يعاد تدويره آلاف المرات على شكل فيديوهات تحليل، تقييمات لأفضل وأسوأ الفساتين ومقاطع قصيرة، ومادة للصفحات المتخصصة في متابعة الموضة، بينما قبل عصر مواقع التواصل كانت صور السجادة الحمراء تنسى بانتهاء الحفل أو عدد المجلة الفنية المطبوعة.
الصدمة عنصر أساس
يرتدي بعض النجوم أزياء مثيرة لا علاقة لها بالتأنق، وهذا قد يخضع في كثير من الأحيان لاتفاقات مسبقة مع دور الموضة العالمية التي تحاول لفت الانتباه بما يسمى "خلق صدمة" للمشاهد من خلال إطلالة النجم الغريبة أو الخارجة عن المألوف حتى ينشغل الجميع بالحديث عن الملابس المثيرة أو المجوهرات اللافتة.
وقد أصبحت الصدمة عنصراً أساساً في اللعبة لإثارة الجدل الذي يعني تفاعلاً وانتشاراً، وبالتالي أرباح ومكاسب تقدر بملايين لا يمكن حصرها، وهكذا تحولت الموضة عبر السجادة الحمراء ومن خلال النجوم والمشاهير في كثير من الأحيان من تعبير جمالي إلى أداة لجذب الانتباه والأموال بأي وسيلة ممكنة.
وفي حدث مثل "ميت غالا" يظهر هذا التحول بوضوح شديد، حيث صار الحفل الخيري مرتبطاً بالأزياء المثيرة للجدل من أجل صنع ترند عالمي ومساحة للاستعراض البصري الكامل، حيث تُصمم الملابس لتكون قابلة لإحداث صدمة تملأ وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت لساعات وأيام.
استراتيجية البقاء
ربما يبدو الهوس بفساتين النجمات عبر السجادة الحمراء بمختلف المهرجانات والأحداث الفنية أمراً مزعجاً وسطحياً في وجهة نظر البعض، لكن ما يحدث لا يخرج عن السياق الحتمي الذي فرضه العصر من سرعة واهتمام بالصورة والمواد سريعة الانتشار، بخاصة أن الموضة والاستعراض أصبحا جزءاً من استراتيجية البقاء.
ويحلل الخبراء لهث الجماهير وراء ملابس النجوم بالمهرجانات ومتابعة الإطلالات الصاخبة لبعضهم لأن الموضة تمنح متعة فورية وسهلة الاستهلاك، فمشاهدة فستان لا تحتاج إلى ثقافة سينمائية أو تحليل نقدي، بينما فهم فيلم يتطلب وقتاً وتركيزاً وخبرة، لهذا يشعر الجمهور البسيط بالسعادة لمجرد الاندماج مع النجوم وحكاياتهم وملابسهم على السجادة الحمراء ويعتبره نوعاً من المشاركة في المهرجان بغض النظر عن متابعة الأفلام نفسها.
وعليه لم تعد المهرجانات مجرد فضاءات سينمائية خالصة، لكنها صارت كياناً يجمع بين الفن والإعلام والموضة والاقتصاد ومواقع التواصل الاجتماعي في مساحة واحدة بحكم تطور العصر ومنافسة المنصات والحاجة المادية والرغبة الاستثمارية الجنونية. وتحولت السجادة الحمراء إلى عالم قائم بذاته له قواعده وأسواقه ونجومه وعوائده المالية.