ملخص
لا يمكن التحدث عن الموضة بمعزل عن المحيط، فهي ليست عبارة عن ملابس وصيحات تأتي وتزول، بل مرآة لتغييرات أعمق بكثير، كما تعكس تحولات اجتماعية وثقافية واقتصادية أيضاً. ومن الظواهر الأساسية التي يشهدها عالم الموضة اليوم الفردانية بعدما كان من المعتاد أن تظهر صيحات يتبعها الجميع، حالياً يبحث الناس عن الأسلوب الذي يمكن اعتماده بما يعكس الشخصية بدلاً من التطلع إلى أسلوب سائد في المجتمع وفي المجلات.
لكل مرحلة في التاريخ تحولات اجتماعية وسياسية وثقافية ترافقها، وتأتي الموضة كمرآة لتعكس هذه التحولات بأشكال مختلفة ولكن واضحة. شهدت صناعة الموضة تحولات كبرى موازية، كونها لم تكن يوماً موجودة بمعزل عن الواقع والمحيط الذي هي فيه، لذلك ارتبطت الموضة عبر التاريخ بالتحولات أياً كان نوعها، فعرفت بذاتها تحولات كبرى رافقت الأحداث العالمية من حروب وأزمات اقتصادية وتطورات تكنولوجية وظواهر فنية وثقافية وصولاً إلى أيامنا هذه، ومنها حصلت ثورات وتغييرات جذرية في حقبات معينة في صناعة الموضة، منها ما عكس التمرد والتحرر، ومنها ما ظهر في الموضة المستدامة وغيرها من الظواهر.
الموضة مرآة المجتمع
في مختلف الحقبات عبر التاريخ، برزت الموضة كمرآة تعكس الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي، ظهر هذا الواقع بأشكال مختلفة في تفاصيل وتغييرات كبرى عرفتها صناعة الموضة. فبحسب خبيرة الموضة ميمي رعد لم تكن الموضة يوماً معلقة معزولة، بل هي تعكس دوماً الجو العام كونها لا تأتي من عبث، هذا ما يفسر المقولة الشهيرة أنه "عندما يحصل تراجع في السوق، تقصر التنورة أيضاً"، لأن الموضة ترتبط بالمحيط الذي هي فيه، وأشارت رعد إلى ما حصل في أواخر القرن الـ18 وبداية القرن الـ19 في ظل الثورة الصناعية، إذ حصل تحول إلى الإنتاج الواسع النطاق بعد وجود الملابس المخصصة للأفراد، وعندها أصبحت الملابس الجاهزة في متناول شرائح كبرى في المجتمع، "وفي الحرب العالمية الأولى، عندما بدأت المرأة تعمل، راجت موضة السروال لاعتباره عملياً أكثر لها في مجال العمل، وهذا ما دفع دار شانيل إلى ضم السروال في مجموعاتها. ومن التحولات الكبرى التي انعكست على الموضة تلك التي حصلت مع ثورة موسيقى الجاز، وأصبح هناك مزيد من التحرر في الملابس، وبدلاً من الكورسيه الذي كان معتمداً سابقاً راجت الملابس الخفيفة، وكان للموسيقى أثر واضح في صناعة الموضة بوجود موسيقى الجاز التي شجعت على كسر القيود، وأثرت في أسلوب الملابس وسادت أجواء الحرية وزال التشدد. كما قصت النساء شعرهن عندها، وبدأن يتجهن إلى الرياضة مما انعكس أيضاً على صناعة الموضة، حتى أن ذلك انعكس على طريقة جلوس المرأة وسلوكياتها".
ولفتت رعد إلى تحول في البورصة في عام 1929 انعكس على الموضة أيضاً، "وفي ظل الحرب العالمية الثانية، أصبح هناك ضيق اقتصادي وشح في الأقمشة وتأثرت صناعة الموضة، لأنه كان هناك تركيز على السلاح. أصبح هناك اتجاه عندها نحو الملابس العملية بصورة أساسية، مع النزوح الواسع للنساء باتجاه المعامل في موازاة اتجاه الرجال إلى الحرب. وفي ظل الحرب، قصر طول الفساتين بسبب عدم توافر القماش، لذلك أصبحت الملابس متواضعة في ظروف الحرب. أما بعد الحرب، فعندما أرادت دار ديور إطلاق الملابس الكبيرة الحجم التي تحتاج إلى كثير من القماش، اعتبرت هذه الخطوة بذخاً وكان هناك رفض لها، لكن الدار عادت وفرضت هذا الاتجاه"، وتابعت خبيرة الموضى "بعد تلك الفترة، برزت الأفلام التي تركت أثراً في الموضة، فكان للسينما دور مهم في التحولات التي شهدتها الموضة، وكان هناك تأثر بالنجمات وإطلالاتهن. وفي تلك الحقبة لم تتوافر الملابس إلا على المقاس، ولم تكن متوافرة في الأسواق، وعندما بدأ المصممون يصممون للنجمات ولإطلالاتهن في الأفلام، بدأت النساء يستوحين منها قدر الإمكان، فبدا واضحاً أن الفن يؤثر إلى حد كبير في الموضة، وهذا ما انعكس على المجتمع".
في ستينيات القرن الماضي، أقيمت حملة داعية إلى تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة في المرحلة ذاتها، وكانت هناك ثورة ثقافية، ورفض للحرب. وظهرت في الوقت نفسه التنورة القصيرة في لندن في دعوة لتحقيق السلام. بعدها، ظهرت الحركة الهيبية وكان هناك تخل عن الصدرية. هذه التحولات كلها كانت تعكس الواقع السائد والأحداث التي في المجتمع، فكانت هذه حركات اجتماعية مهمة طبعت الموضة. وفي تلك الحقبة سيطر أيضاً الأسلوب الهيبي الذي يدعو إلى التخلي عن القيود، وسادت موجة التحرر وانعكس ذلك على أسلوب اللباس، حتى أن المصممين أصبحوا يستوحون في تصاميمهم من الشارع، ففي كل حقبة كان المصممون يستوحون من الشارع أو العكس، ومما لا شك فيه أن كل تحرك اجتماعي، كان يترجم في أسلوب الملابس وفي صناعة الموضة، وتكون هناك ثورة من ورائه، وهذا ما يؤكد أنه لا يمكن فصل أي حدث سياسي أو اقتصادي عن الموضة.
أيضاً، في حقبات متتالية كانت للسينما والتلفزيون والموسيقى آثار واضحة في صناعة الموضة، وظهر ذلك بصورة واضحة في أسلوب الملابس. مثال على ذلك تأثير مسلسلات "دالاس" الذي ظهر في الملابس ذات الأكتاف العريضة والشعر الكبير الحجم والمكياج القوي، لكن مع مرور الوقت، ومع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، تراجع تأثير التلفزيون وحلت محله وسائل التواصل الاجتماعي بكل ما لها من آثار. فأصبحت تظهر صيحات جديدة وتزول بصورة يومية، مما أسهم في ظهور الموضة السريعة التي تلبي شرائح واسعة في المجتمع، حتى أن الملابس تتميز بكونها أقل جودة في الموضة السريعة، مما يسهم في تلفها ويستدعي إنتاج مزيد منها. انطلاقاً من ذلك، أكدت رعد أن أثر وسائل التواصل الاجتماعي كان إيجابياً إلى حد ما في الموضة، لاعتبارها أصبحت في متناول الكل، فيما كانت الموضة في السابق متاحة، بصورة أساسية، لكبار التجار ولفئة معينة من الناس من النخبة، ولم تكن العروض متاحة لعامة الناس، وأتت وسائل التواصل لتدخل الناس إلى كواليس عروض الأزياء وأصبح مفهوم "ديمقراطية الموضة" متداولاً. وكان التحول الكبير الذي شهده عالم الموضة في ظل جائحة "كورونا"، إذ انتشرت ملابس الرياضة المريحة. في الفترة نفسها، كانت هناك دعوات إلى الشمولية وتقبل الاختلاف وهذا ما يفسر ظهور عارضات بمقاس زائد، إنما أوضحت رعد "لم تظهر إلا بضعة عروض لفتت الأنظار بالتشجيع على هذا الاتجاه، لكن لم يكن من الممكن فرضه في الواقع، ومع ظهور علاجات التنحيف، عاد وخف هذا الاتجاه للتشجيع على قبول الاختلاف وزيادة الوزن".
أما التميز في عالم الموضة فيبقى استثنائياً لدى بعضهم، بما أن الموضة السريعة والإنتاج الكبير من العوامل التي لا تساعد في تحقيق ذلك. وصحيح أن الذكاء الاصطناعي وجد لتسهيل الأمور والمساهمة في تنسيق الملابس للأشخاص، إذ تتوافر تطبيقات ممتازة يستوحي منها المصممون حتى، لكن لا تعتبرها رعد قابلة للتطبيق، "فهي أقرب إلى الخيال في معظمها، وكون الذكاء الاصطناعي يعتمد على كل ما سبق ويجمع البيانات بهذه الصورة، فلا يكون هناك مجال للإبداع فيه أو لابتكار شيء جديد، من الممكن التطوير لخلق ما يناسب العصر، لكن لا يمكن أن يكون هناك خلق من عبث".
تأثير متبادل
من جهته، اعتبر الخبير وناقد الموضة باتريك خليل أنه لا يمكن التحدث عن الموضة بمعزل عن المحيط، "فالموضة ليست عبارة عن ملابس وصيحات تأتي وتزول، بل هي مرآة لتغييرات أعمق بكثير، وهي تعكس تحولات اجتماعية وثقافية واقتصادية أيضاً. ومن الظواهر الأساسية التي يشهدها عالم الموضة اليوم الفردانية بعدما كان من المعتاد أن تظهر صيحات يتبعها الجميع، حالياً يبحث الناس عن الأسلوب الذي يمكن اعتماده بما يعكس الشخصية بدلاً من التطلع إلى أسلوب سائد في المجتمع وفي المجلات، كما أن ثمة توجهاً لافتاً وكبيراً نحو التخصيص، إذ يبدو وكأن كل فرد يتجه إلى التصميم لنفسه، وقد ظهر ذلك بوضوح مع انتشار الصيحات التي تقدم الملابس بالتفصيل أو حتى في الموضة الرقمية والإطلالات الرقمية على منصات معينة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كما تبرز اليوم الموضة المدفوعة بالتكنولوجيا، بحسب خليل بعد أن أصبحت الفلاتر أداة تجميل، وليست عبارة عن وسيلة لتعديل الصور فحسب، فانتشر التصوير بهذه الفلاتر المخصصة على نطاق واسع وأصبح للأفراد وجه خاص أو طلة خاصة بوسائل التواصل الاجتماعي، وأخرى للحياة العادية، وقد لا تلتقي الطلتان أبداً، "مما أسهم في تغيير معايير الجمال، وأصبح الجمال مثالياً ومصطنعاً يبنى على تعديلات، لا على الواقع. وقد ظهر ذلك في الفلاتر التي تكبر الشفاه وتلك التي تصغر الأنف وغيرها، وبات الجميع يسعون إلى تحقيق هذه التغييرات لدى أطباء التجميل. هذا ما يفسر أن عمليات التجميل أصبحت اليوم جزءاً من المشهد في عالم الموضة، وأصبح الجسم مساحة للتعديل بحسب الموضة، وأصبح هناك أشخاص يتعاملون مع أجسامهم، وكأنها عبارة مشروع من المفترض أن يتطور ويتناسب مع السوق البصرية، مثل جسم الساعة الرملية الذي عاد ليشكل ترند، بعدما طغى الجسم النحيف طوال سنوات".
في الوقت نفسه، شيئاً فشيئاً أصبح الجمال سلعة استهلاكية وفتحت وسائل التواصل الاجتماعي المجال لكل شخص لتكون له موضته الخاصة. أصبحت هناك ضغوط دائمة للتميز وليكون الفرد مختلفاً، إنما في الوقت ذاته، تولد قوالب جديدة، بحسب خليل، "فالجميع يرغبون أن يكونوا مميزين، ولو بقوالب موحدة بوجود عمليات التجميل وتقنيات التجميل ووسائل التواصل الاجتماعي، التي تدعو إلى التقليد، هذا ما يؤكد أن التميز ليس تميزاً بالفعل سواء في عالم الموضة أم في عالم التجميل، لذلك السؤال الذي يطرح هنا هو ما إذا كانت الموضة وسيلة تسمح لنا بالتعبير عن أنفسنا بصورة أفضل؟ أو ما إذا كانت تدفعنا نحو التطابق والتقليد تحت ضغوط الظهور المميز؟".
"أداة تعبير شخصي"
وبرأي خليل كناقد في الموضة، "أصبحت الموضة اليوم أداة تعبير شخصي وأيضاً هي في الوقت نفسه أداة ضغط اجتماعي، هي في الوقت نفسه مساحة حرية وتخفي من ورائها معايير جديدة خفية".
في عصرنا هذا، حصلت تحولات كثيرة على المستوى الاجتماعي، ومنها ما ترجم بأشكال متعددة في عالم الموضة مثل ما يعرف بـ"الموضة البشعة" التي قد تبدو من الخارج وكأنها غير مقبولة أو عبارة عن خطأ، لكن في الواقع ليست إلا جزءاً من التمرد على المعايير التقليدية. مثال على ذلك موضة الجوارب مع الحذاء المفتوح التي قد تعتبر قمة اللا موضة، إلا أنها انتشرت على منصات العروض وأيضاً في الشارع، وأصبحت معياراً للراحة، وباتت قطعة تشكل تعبيراً عن الثقة، لا عن الكسل كما في السابق. كذلك بالنسبة إلى ملابس النوم التي أصبحت معتمدة للخروج بأناقة، وأيضاً بالنسبة إلى ملابس الرياضة التي أصبحت رمزاً للتميز بعد أن اعتمدتها كيم كارداشيان. باتت العلامات الكبرى تطلق ملابس الرياضة كلباس عملي يعبر عن أسلوب مميز، وهذا التحول حصل بصورة خاصة في ظل جائحة كورونا، إذ استبعد الأسلوب الرسمي من أجل الراحة النفسية والجسدية، كما أصبحت علامات عالمية تصمم وتبيع "البيجاما" (لباس نوم) بمئات الدولارات. أما الملابس الواسعة فكان ينظر إليها لاعتبارها فوضوية أو هي أكبر من المقاس، لكنها أصبحت عبارة عن "ترند" تعكس موقفاً من الراحة الخاصة، وتتحدى مفهوم الجسم المثالي الذي يجب إبرازه بالملابس الضيقة.
كذلك بالنسبة إلى موضة "كروكس" والملابس الممزقة فكلها كانت رموز لـ"الإهمال"، "وكأن الموضة أصبحت وسيلة لكسر القواعد، وخلق قواعد جديدة ولكن بغلاف متمرد"، كما أن هذا النوع من الموضة غير المألوفة أو "البشعة" ليس إلا رد فعل على الضغوط المرتبطة بالمثالية والجمال الذي يعتمد على الفلاتر، وكأن الناس يؤكدون بذلك أنهم مرتاحون ولا يبحثون عن الكمال.