ملخص
الإرث التقليدي يواجه اليوم تحولاً بنيوياً، فبدلاً من استهلاك الجهود في عمليات الخداع البشري المعقدة على طريقة الحرب العالمية الثانية، باتت إسرائيل تستخدم التكنولوجيا والسيادة التقنية المباشرة لفرض اختراقها علناً.
لم تعد عمليات التجسس الإسرائيلي بحاجة إلى تزييف الهويات أو التخفي في الظلام، فالعقيدة الاستخبارية التي قامت لعقود على السرية المطلقة والعمل في الظل، ضمن جماعات سرية تتخذ شكل أسرة عريقة ثرية أو أقلية تعمل في مهنة معينة، باتت اليوم تمارس نشاطها بوجه مكشوف وفوق الأرض.
بدأ الحضور الاستخباراتي الإسرائيلي في المنطقة تاريخياً عبر زرع الجواسيس والشبكات السرية داخل عواصم عربية، قبل أن يتطور لاحقاً إلى أدوات أكثر تعقيداً تشمل البنية اللوجيستية الميدانية وتقنيات التجسس السيبراني، مثل منظومة "بيغاسوس" (Pegasus) التي ظهرت عام 2011.
وفي هذا السياق، يضع بعض المراقبين ما كُشف أخيراً عن محطات تجسس في الصحراء العراقية ضمن مسار أوسع من التحول في أساليب العمل الاستخباراتي، من العمليات السرية المحدودة إلى حضور أكثر وضوحاً يعتمد على التكنولوجيا والدعم اللوجيستي والشراكات الأمنية غير المباشرة.
ويزداد الجدل مع حديث مسؤولين عراقيين عن وجود غطاء لوجيستي أميركي سابق اتخذ صورة تعاون عسكري، مما يفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة استخدام بعض المواقع والقواعد في المنطقة، خصوصاً أن نماذج مشابهة من التنسيق العسكري أو الأمني ظهرت في دول أخرى خلال العقود الماضية.
ووفقاً لصحيفة "نيويورك تايمز"، فإن أية قواعد سابقة تستخدم لدعم الغطاء الجوي والتزود بالوقود ولعمليات الإنقاذ خلال صراعات المنطقة، أي لغرض سلمي لا أكثر.
وما يثير الاهتمام في هذا الحدث المتداول هو مسألة التوظيف الجاسوسي في السياسة الإسرائيلية، كونه متطوراً ومتغيراً بحسب الحقب التاريخية، وهو اليوم أصبح أكثر علنيةً وجرأة، منذ استخدام الشبكات البشرية السرية في مرحلة الخمسينيات والسبعينيات، إلى الاختراق النخبوي في مرحلة الثمانينيات، وصولاً إلى الحقبة الحالية القائمة على التفوق التقني في المجالات كافة، مما يعني استباحة فجوة الردع يدعمها تقدم جاسوسي تقني عال لا نظير له.
وهو تحول تجسسي من جمع المعلومات إلى أداة سياسية علنية تفرض أمراً واقعاً على الأمن القومي العربي.
كيف أصبح التجسس الإسرائيلي علنياً؟
شهد القرن الـ17 إعادة تموضع لليهود بعد طردهم من إسبانيا والبرتغال في الحقبة السابقة، مما يعني مرحلة تحول ديموغرافي واقتصادي بارز وبداية تشكل الشتات اليهودي الحديث من حيث الانتشار وزيادة عدد الجاليات اليهودية في الخارج وتأسيس مراكز لهم في أمستردام ولندن والدولة العثمانية. فكانت الحاجة إلى الأمان ومعرفة ما يدور في هذه المناطق التي يمثلون فيها أقليات دينية أن يطوروا شبكات اتصالات سريعة، لتسهيل تبادل البضائع والأموال ونقل المعلومات السياسية بسرعة.
وعلى هذا النحو مثلت الحقب التاريخية في القرن الـ18 وما بعده بعداً جديداً ومتسارعاً في تطور العمل الاستخباري اليهودي، الذي ارتبط تاريخياً بالعنصر البشري السري الخفي، أي نواة التجسس البدائي، إذ شهد العالم ولا سيما العالم العربي، هجرات مليونية كبرى نتيجة مذابح واضطهاد لليهود في روسيا القيصرية وأوروبا الشرقية.
وبالتالي كانت هناك دعوات إلى تخليص اليهود من هذا الواقع، مما أظهر مسألة انتزاع وعد سياسي بوطن قومي (وعد بلفور) في مقابل تحقيق مصالح الحلفاء في الحرب العالمية الأولى.
واستخدم أسلوب زراعة العملاء في مفاصل الدول العربية تحت أسماء مستعارة وقصص تغطية معقدة لضمان دعمهم في إقامة وطن لهم في فلسطين، فكان الاعتماد على الأسر المهاجرة المترابطة عائلياً والموزعة في الغرب والشرق، مثل هجرة أسرة "أرونسون" عام 1889 التي برعت في الزراعة وذاع صيتها في الأوساط الشامية في فترة سيطرة النفوذ العثماني. وقد برز اسم "سارة أرونسون" من هذه العائلة كفتاة مولعة بزراعة النباتات ودراستها، وهي التي كانت تخدم في حقيقة الأمر المصلحة اليهودية وتعمل لدى الاستخبارات الإنجليزية. وقد مكنها في تلك الفترة توسع دائرة معارفها ولقاؤها بأثرياء بيروت وتوغلها في خدمة رجال بارزين أتراك، مما سهل مهمة رحلاتها وتنقلها في بوادي سوريا وفلسطين تحت غطاء دراسة النباتات النادرة، ولم يكن أحد يعلم بحقيقتها إلا بعد قيام الحرب العالمية الأولى وانكشاف هويتها وانتحارها.
يضاف إلى ذلك الاعتماد على شبكات التجار، مثل "إيلي كوهين" الذي تقمص دور تاجر سوري مغترب قادم من الأرجنتين واستقر في دمشق عام 1962.
وقد استطاع كوهين بمكانته الوهمية كتاجر مهتم أن يقترح خدعة شهيرة كانت السبب الرئيس في الحكم عليه بالإعدام، وهي اقتراح زراعة أشجار الكينا عند مواقع الجنود السوريين في هضبة الجولان بحجة تضليل الطيران الإسرائيلي، ولكنها في الحقيقة كانت علامات تحدد مواقع القصف للطيران الإسرائيلي في حرب 1967.
ولم يكن كوهين وحده من برع في التجسس، إذ كان ثمة "وولفغانغ لوتز"، العميل الاستخباري لإسرائيل الذي زرعه الموساد في مصر عام 1957.
وقد لعب دور ضابط نازي سابق وأنشأ شبكة علاقات واسعة مكنته من الاندماج في الطبقة النخبوية والوصول إلى معلومات حساسة، وقد كتب في كتابه (جاسوس الشمبانيا: كبير جواسيس إسرائيل يروي قصته) كواليس تعقبه للعلماء الألمان الذين عملوا في مشروع الصواريخ المصرية وكيفية اغتيالهم.
وعلى رغم بساطة آلية نقل الرسائل المشفرة بين هذه الشبكات الجاسوسية في تلك الحقبة، فإن فعاليتها كانت واضحة، إذ كان الاعتماد في نقل التقارير الاستخبارية يتم عبر كتابتها بأحرف دقيقة على ورق السجائر والجلد الناعم، وتلف في أنبوب معدني على ساق الحمامة أو ريشها، وصولاً إلى استخدام التجسس الفوتوغرافي أوائل القرن الـ20، ثم إلى مرحلة ظهور طائرات الاستطلاع وأجهزة التنصت الراداري واللاسلكي عالي التردد.
وكان كشف الهوية يعني الفشل الذريع والإعدام الفوري، مما جعل "أمن الاختفاء" هو العقيدة الحاكمة لحماية مصادر المعلومات وتجنب الصدام المباشر.
من "عقيدة ميونخ" إلى الاستهداف العلني
من الملاحظ أن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية مثل الموساد وأمان أسست على يد قادة وضباط تعلموا وتدربوا مباشرة في مدرسة التجسس البريطانية والسوفياتية خلال الحرب العالمية الثانية، ونقلوا عقيدة "ميونخ" التي تركز على الاغتيالات والتصفيات الخارجية واستراتيجية الخداع والمباغتة إلى المنطقة العربية، قبل أن تحولها التكنولوجيا الحديثة اليوم إلى "اختراق علني" بدلاً من التخفي.
يشير الصحافي والمؤلف الإسرائيلي رونين برغمان في كتابه (انهض واقتل أولا: التاريخ السري لعمليات الاغتيال الإسرائيلية المستهدفة) إلى أن هذه العقيدة "تمنح القادة السياسيين وهماً بأنهم يحلون المشكلة، ولكنها في الحقيقة مجرد مسكنات موقتة لا تصنع سلاماً، بل تؤجل المواجهة فقط"، وبالتالي فإن الحضور العلني والظهور ضرورة حتمية كواقع جديد لأمن إسرائيل وجغرافيتها الحالية.
وبالتالي نجد أن نقطة التحول الاستراتيجي في هذه العقيدة جاءت ضرورية مع تغير الجغرافيا السياسية على العموم، مما يعني ضرورة انتقال الفعل التجسسي الإسرائيلي من رتبة "العميل المتخفي" إلى رتبة "الحضور العسكري المباشر".
قواعد إسرائيلية في الصحراء العراقية
وقد تجلى هذا التحول في التقارير الدولية الموثقة، مثل تقارير "وول ستريت جورنال" و"نيويورك تايمز"، التي كشفت أخيراً عن تشييد إسرائيل مواقعَ عسكرية واستخبارية سرية ثابتة في عمق الصحراء الغربية للعراق، في مناطق مثل النخيب وبادية النجف.
هذا الوجود لم يعد مجرد عميل يرسل شفرات سرية، بل تحول إلى منشآت هندسية ومحطات رادار ومراكز دعم لوجستي للطائرات المسيرة والمقاتلة، مما يعني فرض السيادة الاستخبارية على الأرض جهاراً، والاعتماد كلياً على منظومات الذكاء الاصطناعي وأقمار التجسس الاصطناعية مثل سلسلة "أوفيك" (Ofek)، التي راهنت عليها حكومة نتنياهو عام 2025، ذات القدرات التي تتبع مساراً غربياً عكسياً يتحدى اتجاه دوران الأرض الطبيعي، ولا مبالغة في القول بقوة برمجيات الاختراق السيبراني الهجومي مثل "بيغاسوس" (Pegasus).
وهذه الأدوات تمنح إسرائيل حصانةً تشغيلية وتجعلها قادرة على جمع المعلومات عن بعد، من دون خوف كبير من العواقب الميدانية.
ويدعم إسرائيل في هذا التحول التغيرات السياسية المتسارعة في المنطقة، وظهور بيئة إقليمية سمحت بتحويل الاختراق الاستخباري من ممارسة محظورة إلى أمر واقع مفروض بقوة السلاح والتكنولوجيا.
هل هو استعراض وفرض وجود إسرائيلي كواقع يجب تقبله؟
إذا كان هذا هو الواقع الذي سيفرض، فإن خروج التجسس الإسرائيلي إلى العلن لا يمثل مجرد تغيير في التكتيكات الأمنية، بل هو تحول استراتيجي جذري يعكس إعادة تعريف إسرائيل لمفهوم الردع والسيطرة في المنطقة.
إن الانتقال من "أمن الاختفاء" العقيدة التقليدية السابقة، إلى "أمن المواجهة والحضور المباشر"، يوضح أن إسرائيل باتت تعتمد على تفوقها لفرض واقع ميداني جديد لا يعبأ كثيراً بالإنكار.
ومع تحول المواقع الاستخبارية إلى منشآت مرئية للأقمار الاصطناعية والمراقبين، فإن المنطقة تقف أمام مرحلة جديدة، مرحلة لم يعد فيها جمع المعلومات هو الهدف الأسمى، بل أصبحت الغاية إثبات الحضور الجغرافي الدائم، وتحويل الاختراق إلى سلاح للنفوذ الدائم.
تحول التجسس إلى العنصر الرقمي الصلب
عقود طويلة وإسرائيل تطبق هذه المدرسة التقليدية بحذافيرها في المنطقة العربية، مستندة إلى "الإنكار التام" والعمل في عتمة الظل.
لكن هذا الإرث التقليدي يواجه اليوم تحولاً بنيوياً، فبدلاً من استهلاك الجهود في عمليات الخداع البشري المعقدة على طريقة الحرب العالمية الثانية، باتت إسرائيل تستخدم التكنولوجيا والسيادة التقنية المباشرة لفرض اختراقها علناً، مستبدلةً "شفرات التعمية" القديمة بقواعد لوجستية وقدرات سيبرانية صلبة تزرعها على الأرض بوجه مكشوف، من دون حاجة إلى إنكار وجودها أو التستر خلف الأقنعة التاريخية.
يذكر المحلل ألكسندر أولتيش في مقالة منشورة على الموقع العسكري (Defence24.com) أن هناك اتجاهاً في تطوير تقنية الأمن السيبراني طورته شركات التقنية الإسرائيلية لصالح وكالة الاستخبارات الإسرائيلية، يعرف بـ"الإصلاح التآزري" (Synergistic Reform)، وهو عقيدة جديدة تعمل لخدمة الاستخبارات والجاسوسية الإسرائيلية، تهدف إلى إنهاء حالة العزلة بين الأقسام الاستخبارية المختلفة، وصهر القدرات التقنية والاستخبارات البشرية والميدانية في بوتقة عملياتية واحدة عبر الذكاء الاصطناعي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
المعادلة الصعبة
أمام هذا كله، يضع التفوق التقني والسيبراني الإسرائيلي الدول العربية أمام معادلة أمنية حرجة تتجاوز مفهوم التجسس التقليدي إلى تهديد مباشر للسيادة الوطنية، إذ إن امتلاك تل أبيب لأدوات الاختراق الرقمي المتقدمة ومنظومات الذكاء الاصطناعي يعني للمنطقة العربية تحول الفضاء السيبراني العربي إلى ساحة مكشوفة تتيح لإسرائيل اختراق البنى التحتية الحساسة وسحب البيانات الضخمة والتنصت على صانعي القرار من دون الحاجة إلى خرق الحدود الجغرافية.
كما ستصبح الجيوش والتحصينات العسكرية التقليدية أقل فاعلية أمام حرب برمجية صامتة قادرة على تعطيل شبكات الاتصال ورادارات الدفاع الجوي بضغطة زر، ويمنح هذا الواقع إسرائيل القدرة على شن "ضربات استباقية غير مرئية"، مما يعزز هيمنتها الميدانية ويفرض على العواصم العربية تحدياً مصيرياً يتطلب ثورة شاملة في بناء منظومات الدفاع السيبراني الذاتي لوقف هذا النزف الأمني المفتوح.
وهنا نتساءل: إلى أي مدى يمكن للتكنولوجيا الحديثة والقواعد المتقدمة أن تعوض إسرائيل عن "العنصر البشري الخفي"، الذي كان يمثل عماد استخباراتها في الماضي؟ ونتساءل أيضاً: هل ما حدث بعد انكشاف القاعدتين في العراق مغامرة غير محسوبة العواقب من إسرائيل، ساعدت فيها بيئة إقليمية شديدة الاضطراب؟ وهو بلا شك يفضح عجزاً عسكرياً داخل العراق، ويعيد حتماً ترتيباً صامتاً لتحالفات المنطقة نحن نلامسها الآن.