Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يضعف "دعم الموساد" شرعية التظاهرات في إيران؟

موقف إسرائيل يتيح لنظام طهران تجديد خطاب التدخل الخارجي لقمع المحتجين

محرك التظاهرات اقتصادي داخلي، بعد انهيار قيمة العملة وانخفاض مستوى معيشة المواطن الإيراني" (أ ف ب)

ملخص

تستمد الاحتجاجات في إيران قوتها وشرعيتها من أنها نتاج مباشر لانهيار اقتصادي وفقدان ثقة داخلي عميق بالنظام، لا من أي دعم خارجي، غير أن دخول "الموساد" والولايات المتحدة، خصوصاً عندما يكون علنياً أو استعراضياً، يقلب هذه المعادلة رأساً على عقب، إذ يجرد الحراك من طابعه السيادي ويحوله في نظر جزء من الرأي العام الدولي إلى أداة في صراع جيوسياسي أوسع.

في توقيت بالغ الحساسية، نشر جهاز الاستخبارات الإسرائيلي "الموساد" وعبر حسابه الرسمي على منصة "إكس" وباللغة الفارسية، متوجهاً إلى المتظاهرين الإيرانيين في بيان بالقول، "اخرجوا إلى الشوارع معاً. لقد حان الوقت. نحن معكم". وأضاف البيان الذي بثته إذاعة الجيش الإسرائيلي، "ليس فقط من بعيد أو بالكلام، بل نحن معكم أيضاً على الأرض".

الظهور العلني غير المسبوق لجهاز استخباراتي اعتاد العمل في الظل، عبر البيان الموجه بصورة مباشرة إلى الإيرانيين، لم يكُن تعليقاً عابراً ولا رسالة تضامن إنساني، بل إشارة سياسية وأمنية محسوبة تقول بوضوح إن ما يجري في إيران لم يعُد شأناً داخلياً صرفاً.

والظهور أيضاً يعكس تحولاً ووضوحاً في المقاربة الإسرائيلية، من الاكتفاء بحرب سرية ضد البرنامج النووي والبنية الأمنية للنظام، إلى الاستثمار العلني في لحظة الغضب الشعبي بوصفها فرصة استراتيجية لإضعاف، والأرجح في محاولة لإسقاط النظام في طهران.

وإسرائيل التي ترى في النظام الإيراني التهديد الوجودي الأول لها، لا تخفي اليوم رهانها على الشارع الإيراني كجبهة موازية للجبهات العسكرية والاستخباراتية، مستخدمة أدوات الحرب النفسية والدعم المعنوي والتضخيم الإعلامي، لإيصال رسالة مزدوجة للنظام بأنه مخترق ومكشوف.

وهكذا يتحول منشور "الموساد" إلى جزء من معركة أكبر، إذ لم تعُد إسقاطات الصراع تدار فقط بالصواريخ والعملاء والعمليات الاستخبارتية والاغتيالات، بل أيضاً بالكلمات والتوقيت وكسر جدار الخوف داخل دولة تقوم شرعيتها على القمع والعزلة. فهل لـ"الموساد" ولإسرائيل علاقة بما يجري على الأراضي الإيرانية؟

الحقيقة أن علاقة إسرائيل و"الموساد" بما يجري في إيران من تظاهرات، ليست علاقة تحريك زر من الخارج، بقدر ما هي تقاطع بين عامل داخلي حاسم اقتصادي وشرعية هشة وقمع، وبين حرب ظل إسرائيلية مستمرة تحاول استثمار أي تصدع داخل المنظومة الإيرانية. ولكن الصورة الأقرب أن الاحتجاجات تنطلق من الداخل، بينما إسرائيل قد تعمل وبدرجات متفاوتة على التضخيم والتشويش والاختراق ورفع كلفة القمع على النظام، لا صناعة الغضب من الصفر.

وحذر المدعي العام الإيراني محمد كاظم موحدي آزاد بأن القضاء سيتصدى بصورة "حاسمة" للتظاهرات ضد غلاء المعيشة في حال استُغلت من أجل "زعزعة الاستقرار"، قائلاً إن "التظاهرات السلمية حول كلفة المعيشة جزء من الواقع الاجتماعي الذي يمكن تفهمه"، لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن "أية محاولة لتحويل الاحتجاجات الاقتصادية إلى أداة لزعزعة الاستقرار وتدمير أملاك عامة أو تنفيذ سيناريوهات أعدت في الخارج ستقابل حتماً برد قانوني متناسب وحاسم".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ترمب والتظاهرات

ودخل الرئيس الأميركي على خط التحركات بصورة مباشرة، فنبه سلطات طهران من إطلاق النار على المتظاهرين السلميين وقتلهم، قائلاً ‌على ‌منصته "تروث سوشيال" إن "الولايات ‌المتحدة ستتدخل لإنقاذ المحتجين وهي على أهبة ‌الاستعداد لذلك".

وقتل عدد من الأشخاص في مناطق عدة من إيران مع تواصل التظاهرات على خلفية تراجع سعر العملة المحلية مقابل الدولار وموجة الغلاء الأخيرة، وفي أول رد فعل على تهديدات ترمب، نقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا) عن أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني قوله "على ترمب أن يعلم بأن التدخل في شؤوننا الداخلية سيؤدي إلى هدم المصالح الأميركية"، وأضاف في حسابه على منصة "إكس"، "يجب الفصل بين التجار المحتجين والعناصر التخريبية، وعلى ترمب أن يدرك بأن تدخل الولايات المتحدة في شؤوننا الداخلية سيؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة بأكملها، وهدم المصالح الأميركية"، وتابع أنه "في ظل المواقف المعلنة من جانب المسؤولين الصهاينة وترمب، فقد اتضح ما هو خلف كواليس الأحداث"، و"على الشعب الأميركي أن يدرك بأن ترمب هو من بدأ بنهج المغامرة، وعليهم أن يكونوا حذرين على جنودهم".

"أصابع خارجية"

وربطت بعض التقارير الإعلامية موجة الاحتجاجات بأزمة معيشية ونقدية حادة، وانهيار قيمة العملة والتضخم، مع توسع رقعة التظاهر ووقوع قتلى واعتقالات. ولكن خطاب النظام يشير إلى "أصابع خارجية"، وفي اللحظة نفسها حمل مسؤولون إيرانيون الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية "التحريض" أو "التأجيج" في سياق ردودهم السياسية على التظاهرات. وهذا نمط مألوف لدى النظام الإيراني، أي تحويل أزمة الشرعية إلى ملف "أمن قومي" لتبرير القمع وربط المعارضين بـ"العمالة".

وربما من مصلحة إيران تأطير الاحتجاجات كتهديد خارجي لأن ذلك يعطيها الشرعية لقمع أكبر تحت غطاء "مؤامرة" لا "مطالب"، وبتفكيك الحاضنة الشعبية عبر تخوينها وتحويل الصراع إلى معركة سيادة بدلاً من معركة معيشة.

ونقل موقع "إيران إنترناشيونال" المعارض بعض ما جاء في الصحف الإيرانية، ملقياً الضوء على احتجاجات السوق، ومحاولة الحكومة امتصاص الغضب عبر إعادة تدوير القيادات السابقة، وتبادل الاتهامات حول المسؤولية، إضافة إلى الحديث عن العقم الدبلوماسي المنفصل عن واقع الفقراء. ونقل بعض ما جاء في صحيفة "كيهان" المقربة من المرشد علي خامنئي التي وصفت المحتجين بخلايا الشغب والتيارات الانتهازية التابعة لإسرائيل ومنظمة مجاهدي خلق، مدعية أن هذه الأطراف تسعى إلى استغلال المطالب الاقتصادية لتنفيذ مشروع سياسي يهدف إلى إحياء نموذج فوضى الشوارع. وربط خبراء وبحسب صحيفة "آرمان امروز" الإصلاحية، بين الاحتجاجات والخلايا الصغيرة التي تحاول تسييس الغضب الشعبي، وسط تحذيرات من هروب رؤوس الأموال نتيجة الاضطرابات الأمنية. في المقابل، رأت صحيفة "فرهيختكان" الصادرة عن جامعة آزاد أن تجمعات التجار عكست واقعاً اقتصادياً مأزوماً، مشيدة بوعي من حاولوا الفصل بين مطالبهم المعيشية وأي سلوك تخريبي. وانتقدت صحيفة "قدس" الأصولية ضعف التواصل الحكومي، معتبرة أن الاكتفاء بالتحذير من سوء الاستغلال الخارجي من دون معالجة جذور الأزمة النقدية مجرد معالجة شكلية تزيد من فقدان الثقة، وذلك وفقاً للموقع الإيراني المعارض.

 

أدوات "الموساد"

استخدم "الموساد" هذه المرة بصورة علنية وواضحة الحرب النفسية والإعلامية، فالمنشور الفارسي مثال صريح على التأثير المعنوي لكسر حاجز الخوف لدى الشارع، وفي الوقت نفسه زرع الشك داخل المنظومة الأمنية، "إذا هم بينكم، فمن المضمون؟"، وهذه الأداة ذات فاعلية مرتفعة ولا تتطلب مخاطرة تشغيلية مباشرة. أما كيف يتم ذلك فعبر تضخيم السرديات الرقمية وتوجيه الاهتمام، حتى من دون حاجة إلى إدارة الاحتجاجات، ويمكن لإسرائيل أو شبكات مرتبطة بها أن تعمل على رفع انتشار الفيديوهات وتوقيت الضخ الإعلامي، وتعزيز شعارات تحرج النظام، من الفساد، إلى كلفة الوكلاء والهزائم، ولاحقاً تدويل الحدث لدفع عواصم غربية إلى اتخاذ مواقف.

وكان موقع "الموساد" اقتبس وعلى منصة "إكس"، أكثر من تغريدة لحسابات، بخاصة اليهود- الإيرانيين، ومن بينها تغريدة أحدهم الذي تحدث صراحة ضمن فيديو، وفي رسالة مباشرة إلى نتنياهو، وتسأله "أين أنت؟"، وعن التزامه وعوده بدعم الشعب الإيراني، بعدما وقف الإيرانيون إلى جانب إسرائيل وخرجوا اليوم إلى الشارع ضد النظام. وتؤكد الرسالة أن زمن الكلام انتهى وأن نظام طهران على وشك السقوط، وأن أمام إسرائيل فرصة حاسمة لدعم الانتفاضة. وتختتم بالتشديد على أن الإيرانيين سيواصلون النضال سواء بدعم إسرائيل أو من دونه، مع طرح السؤال الجوهري، هل ستقف إسرائيل معهم بالفعل؟

هنا الحد الفاصل بين دعم حرية التعبير والتلاعب بالمشهد رفيع جداً.

أيضاً من الوسائل التي قد يعتمدها "الموساد"، العمليات السيبرانية والتشويش، وليس شرطاً أن تكون بهدف إشعال الشارع، بل لتشتيت أجهزة الأمن، أو لإرباك الخدمات ومنصات المراقبة، أو لتسهيل تدفق المعلومات. ويجعل تاريخ "حروب الظل" بين الطرفين هذا السيناريو وارداً من حيث المبدأ.

وربما تعتمد إسرائيل على دعم شبكات داخلية، أو قنوات تواصل، وإيران نفسها تتعامل مع فكرة "التعاون مع الموساد" باعتبارها جريمة، وتعلن ذلك عبر المؤسسات الأمنية، مما يشير إلى أن طهران ترى، أو تريد أن تظهر أنها ترى، وجود شبكات تجنيد وتعاون.

ومع هذا، فإن وجود تجنيد استخباري لا يعني تلقائياً أن الاحتجاجات "مصنوعة"، وإسرائيل و"الموساد" ليسا بحاجة إلى صناعة الاحتجاج كي يستفيدوا منه، فيكفيهم التضخيم النفسي والإعلامي وربط النظام بحال اختراق دائم، وغالباً هما مساران متوازيان يلتقيان ظرفياً.

ومن المعروف خلال الأعوام الأخيرة وجود اختراقات وعمليات داخل إيران ضمن صراع أوسع، أي استهداف علماء ومنشآت ومحطات نووية وغيرها، وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، قال رئيس الاستخبارات الإسرائيلي ديفيد برنياع إن جهازه يملك قدرات عملياتية "ممتازة"، ولا سيما داخل إيران وفي قلب العاصمة طهران، خلال حفل توزيع "جائزة رئيس الوزراء لعمليات الموساد" لعامي 2023-2024. وفي معرض حديثه عما سماه "الحرب ضد إيران"، قال برنياع "العام الماضي تحقق حدث تاريخي، ربما كان الأعظم على الإطلاق، ألا وهو عملية ’الأسد الصاعد‘ بقيادة الجيش الإسرائيلي. وبالتعاون مع الموساد، تمكنا من توجيه ضربة قاصمة للعدو الذي كان يشكل تهديداً وجودياً لإسرائيل"، مضيفاً "نفذنا سلسلة عمليات مبتكرة، واحدة تلو أخرى، ونجح الجيش الإسرائيلي، أولاً وقبل كل شيء، بقدراته الهائلة والموساد إلى جانبه، في قلب موازين الحرب (ضد إيران)".

 ومع هذا فإن ربط "الموساد" مباشرة بقيادة تظاهرات شيء مختلف تماماً، والأرجح أن أي حضور ميداني، إن وجد، يذهب إلى أهداف استخبارتية وعسكرية أكثر من إدارة شارع واسع ومتقلب.

هنا، تميل إسرائيل إلى الإيحاء بالقوة، ورسالة "نحن معكم وعلى الأرض"، تخدم تل أبيب في أكثر من اتجاه، عبر ترويع الأجهزة الإيرانية وإرباكها ورفع معنويات الشارع وتثبيت صورة "الموساد" كذراع تصل إلى أي مكان. وقد تعمد إلى دعم "الرافعة الإعلامية" عبر زيادة الرسائل بالفارسية وتشجيع الانشقاق المعنوي وضرب صورة تماسك النظام. وبالتوازي مع الاحتجاجات، قد تكثف العمليات الاستخباراتية والسيبرانية النوعية لتذكير طهران بأنها مخترقة، مما يضاعف ارتباكها الداخلي.

 

شرعية الحراك

ولكن قد تترتب على ذلك ارتدادات عكسية، وثمة مفارقة قاسية في لحظة الاحتجاج الإيراني الراهنة، وكلما ارتفع منسوب التدخل الخارجي المعلن، تراجعت شرعية الحراك في نظر العالم، بخاصة أن المحرك اقتصادي داخلي بعد انهيار قيمة العملة وانخفاض مستوى معيشة المواطن الإيراني، وفق ما تعكسه تغطيات الأحداث. ولكن دخول "الموساد" والولايات المتحدة، ولو على مستوى الخطاب العلني أو الإيحاء السياسي، يحول التظاهرات من فعل اجتماعي نابع من القهر الاقتصادي وفقدان العدالة وغضب المواطن الإيراني التراكمي، إلى مشهد قابل للتأويل كأداة في صراع دولي.

عند هذه النقطة، يخسر الشارع الإيراني إحدى أهم نقاط قوته كتعبير سيادي خالص عن غضب داخلي، والأخطر أن هذا التدخل يمنح النظام الإيراني ما يبحث عنه منذ أعوام، دليلاً سردياً يعيد من خلاله إنتاج خطابه القديم المتجدد، عن "المؤامرة الخارجية"، ويحول القمع من جريمة بحق المواطنين إلى "دفاع عن الدولة".

وفي عين الرأي العام الدولي، ولا سيما في عواصم لا ترغب في انهيار إيران أو الفوضى الإقليمية، تصبح التظاهرات أقل إقناعاً عندما تربط صراحة بإسرائيل أو واشنطن، حتى لو كانت مطالبها محقة. وهكذا، بدلاً من أن يُحاصر النظام أخلاقياً وسياسياً، يعاد تأهيله كطرف "مستهدف"، فيما يدفع المحتجون، ظلماً، إلى خانة الوكلاء. وهذه المعادلة لا تضعف فقط زخم الشارع، بل تقطع الطريق على أي تعاطف دولي حاسم، وتفرغ الاحتجاج من جوهره، كونه ثورة كرامة ومعيشة، لا ساحة تصفية حسابات بين خصوم النظام.

 فالتدخل الإسرائيلي العلني والمبالغ فيه، يعطي النظام ذريعة لقمع أوسع ويضعف التعاطف الشعبي مع الحركة داخل شرائح وطنية حساسة من التدويل.

وعليه، تستمد الاحتجاجات في إيران قوتها وشرعيتها من أنها نتاج مباشر لانهيار اقتصادي وفقدان ثقة داخلي عميق بالنظام، لا من أي دعم خارجي، غير أن دخولا "الموساد" والولايات المتحدة، خصوصاً عندما يكون علنياً أو استعراضياً، يقلب هذه المعادلة رأساً على عقب، إذ يجرد الحراك من طابعه السيادي ويحوله في نظر جزء من الرأي العام الدولي إلى أداة في صراع جيوسياسي أوسع. وهذا التدخل، بدلاً من أن يسقط النظام، يعيد إنتاج خطابه التقليدي عن "المؤامرة الخارجية"، ويمنحه غطاءً سياسياً وأمنياً لتبرير القمع وإعادة شد العصب الداخلي. والنتيجة أن الشارع الإيراني يخسر أحد أهم أسلحته، وهو التعاطف الدولي غير المشروط، فيما يتحول الصراع من معركة حقوق ومعيشة إلى مواجهة سرديات، يكون النظام فيها المستفيد الأكبر.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل