Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"العمال الزرق"... صوت اليمين المتشدد في حزب ستارمر

تيار سياسي تشكل عام 2009 كرد فعل على إرث توني بلير ويدعم تقييد الهجرة واللجوء 

تأسس تيار "العمال الزرق" عام 2009 على يد اللورد موريس غلاسمان (غيتي) 

ملخص

برزت خلال الآونة الأخيرة مجموعة داخل الحزب الحاكم في بريطانيا تسمى "العمال الزرق"، تأسست عام 2009 على يد اللورد موريس غلاسمان، لكن الظروف التي تمر بها حكومة كير ستارمر، كشفت عن ازدياد قوة التيار داخل الحزب الحاكم خلال الأعوام الأخيرة وتأثيره في توجيه الحزب نحو مواجهة خطاب حزب "ريفورم" في المملكة المتحدة.

داخل المشهد السياسي البريطاني المضطرب، لم يعُد تيار "العمال الزرق" أو "Blue Labour" مدرسة فكرية هامشية ضمن حزب العمال، بل تحول خلال الأعوام الأخيرة إلى أحد أكثر التيارات تأثيراً في إعادة صياغة خطاب الحزب الحاكم. فمع تصاعد أزمات حكومة كير ستارمر وتراجع شعبيتها، وجد هذا التيار فرصة تاريخية لفرض رؤيته حول الهوية الوطنية والهجرة والاقتصاد والعلاقة مع الطبقة العاملة البريطانية.

ظهر "العمال الزرق" للمرة الأولى عام 2009 على يد اللورد موريس غلاسمان، كرد فعل على إرث "العمال الجدد" الذي قاده توني بلير، ورأى فيه غلاسمان تخلياً عن الجذور "العمالية" التقليدية لمصلحة نموذج ليبرالي مرتبط بالعولمة والأسواق المفتوحة والنخب الحضرية، ومنذ البداية سعى تيار "الزرق" إلى الدمج بين اقتصاد يساري داعم للنقابات والعمال، ومحافظة اجتماعية تركز على الأسرة والدين والانتماء الوطني والمجتمع المحلي.

اعتمد "العمال الزرق" على فكرة أساسية فحواها أن الأزمة الكبرى لليسار البريطاني ليست اقتصادية فقط، بل ثقافية أيضاً، ويعتقد التيار بأن كثيراً من ناخبي الطبقة العاملة شعروا بأن حزب العمال لم يعُد يمثل قيمهم أو هويتهم الوطنية، بخاصة بعدما تصاعدت قضايا الهجرة والتعددية الثقافية وسياسات الهوية، فركز على مفاهيم مثل "الكرامة" و"العمل" و"الوطنية"، بدلاً من تلك اللغة الليبرالية التقليدية المرتبطة بالحقوق الفردية والعولمة.

وخلال أعوام المعارضة بعد هزيمة 2010، بقي "العمال الزرق" تياراً فكرياً أكثر منه تنظيماً سياسياً، لكنه اكتسب زخماً تدريجياً مع تصويت بريطانيا لمصلحة الخروج من بريطانيا عام 2016، إذ رأى أن نتيجة الاستفتاء أكدت صحة تحليله، هناك انفصال عميق بين النخب السياسية في لندن وبين قطاعات واسعة من الطبقة العاملة الإنجليزية، معتبراً أن كثيراً من ناخبي "بريكست" كانوا تاريخياً من القاعدة الانتخابية التقليدية لحزب العمال.

وعلى رغم تراجع نفوذه خلال قيادة جيريمي كوربين، عاد التيار بقوة مع صعود كير ستارمر إلى قيادة الحزب عام 2019، ورأى بعض المقربين من ستارمر، خصوصاً مدير مكتبه السياسي مورغان ماكسويني، أن استعادة ما يسمى مناطق "الجدار الأحمر" شمال إنجلترا، تتطلب خطاباً أكثر محافظة في قضايا الهوية والهجرة والانتماء الوطني، وهي مهمة لن يفلح فيها أكثر من ساسة "عماليين" لهم شعبيتهم ودافعوا عن هذه القضايا لأعوام.

بعد فوز "العمال" الساحق في انتخابات 2024، بدأ "العمال الزرق" يتحول من تيار فكري إلى شبكة نفوذ حقيقية داخل الحزب الحاكم والحكومة، وفي يناير (كانون الثاني) 2025، أسس النائب دان كاردن مجموعة برلمانية مستوحاة من أفكار "العمال الزرق"، ضمت عدداً من النواب الجدد، وبحلول منتصف عام 2025، تحدثت تقارير عن توسع المجموعة داخل البرلمان وتأثيرها المتزايد في دوائر القرار في "داونينغ ستريت" عبر شخصيات عدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ركزت المجموعة على ملفات رئيسة عدة من بينها إعادة التصنيع وحماية الصناعات الوطنية وخفض الهجرة ومواجهة "سياسات الهوية" وإعادة بناء العلاقة مع الطبقة العاملة، وتبنت كذلك خطاباً أكثر تشدداً تجاه قضايا الاندماج، معتبرة أن برامج "التنوع والمساواة والشمول"، أو ما يعرف اختصاراً بـ"DEI، عمقت الانقسامات داخل المجتمع، وفي يونيو (حزيران) عام 2025، أثارت المجموعة جدلاً واسعاً بعدما دعت الحكومة إلى "اقتلاع" البرامج المشار إليها من المؤسسات العامة والتوظيف والقطاع القضائي، وفق تقارير صحافية.

لكن صعود "العمال الزرق" تزامن أيضاً مع دخول حكومة ستارمر في واحدة من أصعب مراحلها السياسية، فعلى رغم الانتصار الانتخابي الكبير قبل نحو عامين، بدأت شعبية الحكومة تتراجع بسرعة بسبب أزمة المعيشة وارتفاع كلف الطاقة والسكن وضعف النمو الاقتصادي وتدني الأجور الحقيقية، وعام 2026 أصبحت حكومة لندن تواجه حال استياء واسعة حتى داخل قواعدها التقليدية التي صوتت لـ"العمال" في استحقاق 2024. 

والأزمة الأكبر بالنسبة إلى الحكومة جاءت من الصعود السريع لحزب "ريفورم" بقيادة نايجل فاراج، إذ نجح الحزب الشعبوي في استقطاب شرائح من ناخبي "العمال" السابقين عبر خطاب قومي معادٍ للهجرة ومناهض للنخب السياسية، وخلال انتخابات المجالس المحلية للعام الحالي، حقق "ريفورم" اختراقات كبيرة دفعت عشرات النواب "العماليين" إلى التمرد على قيادة ستارمر والمطالبة بتغيير المسار السياسي للحكومة، وهي أزمة مستمرة حتى الآن.

وبرز "العمال الزرق" بوصفه التيار الذي حذر "العمال" منذ أعوام من هذا السيناريو، فأنصار التيار يرون أن الحزب الحاكم خسر تواصله مع الطبقة العاملة بسبب تركيزه على القضايا الثقافية الليبرالية وتجاهله مخاوف البريطانيين تجاه الهوية والهجرة والانتماء الوطني، لذلك ضغطت المجموعة على حكومة ستارمر لتبني خطاب أكثر صرامة في ملف ضبط الحدود، مما يلتقي اليوم مع خطط وزيرة الداخلية شبانة محمود في هذا الشأن.

ودعم التيار "الورقة البيضاء" التي صدرت عن الحكومة حول الهجرة واللجوء عام 2025، حينها كانت وزارة الداخلية بقيادة إيفيت كوبر، واقترحت الورقة اتخاذ إجراءات واسعة تقلص من وصول الأجانب إلى المملكة المتحدة حتى لأغراض الدراسة والعمل، إضافة إلى تشديد شروط الإقامة والجنسية، ولقي الأمر ترحيباً من ستارمر حينها، واستخدم في ذلك لغة غير معتادة داخل "العمال"، فتحدث عن فشل "تجربة الحدود المفتوحة".

في الوقت نفسه حاول تيار "العمال الزرق" تقديم نفسه كبديل عن اليمين الشعبوي، لا نسخة يسارية منه، فالتيار يرفض اقتصاد السوق الحرة الذي يتبناه جزء من اليمين البريطاني، ويدعو بدلاً من ذلك إلى تدخل الدولة لحماية الصناعة والعمال والخدمات العامة، ولهذا يصف بعض منظريه المشروع بأنه ينطوي على "وطنية اقتصادية يسارية"، لكن هؤلاء القابعين في أقصى يسار الحزب الحاكم، لا تعبر طروحات "الزرق" عن توجهاتهم ومعتقداتهم. 

 

وخصوم التيار داخل اليسار البريطاني يتهمونه بالاقتراب من خطاب اليمين القومي، بخاصة بعد تصريحات غلاسمان المؤيدة لبعض جوانب تجربة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في الحكم، وعلاقاته المتزايدة مع دوائر "ما بعد الليبرالية" في الولايات المتحدة وأوروبا، كذلك أثارت آراء غلاسمان حول "التحالف العمالي متعدد الأعراق ضد التقدميين" غضباً واسعاً داخل الأوساط اليسارية، فهو يشجع هذا التحالف لأن التقدميين برأيه "باتوا ينظرون بازدراء إلى قيم الطبقة العاملة التقليدية كالأسرة والدين والوطن والانتماء المحلي".

يواجه "العمال الزرق" أيضاً انتقادات من النقابات ومن الجناح التقدمي داخل الحزب، هؤلاء الذين يرون أن التركيز المفرط على قضايا الهوية والهجرة يمنح  "ريفورم" شرعية أكبر بدلاً من مواجهته اقتصادياً، وحذر قادة نقابيون خلال العام الحالي من أن الحكومة تخاطر بخسارة قاعدتها إذا استمرت في محاولة منافسة فاراج على أرضيته السياسية، ونبّه الأمين العام لـ"مؤتمر نقابات العمال" بول نوفاك من احتمال أن يخسر حزب العمال الانتخابات المقبلة إذا لم يُعِد التركيز لقضايا الطبقة العاملة، بدلاً من مطاردة خطاب نايجل فاراج.

بحلول 2026، يبدو أن "العمال الزرق" نجح في فرض كثير من أفكاره على النقاش السياسي البريطاني، حتى لو لم يتحول إلى تيار مهيمن بالكامل داخل الحزب، فالحكومة "العمالية" الحالية تجد نفسها محاصرة بين ضغوط الاقتصاد وصعود الشعبوية اليمينية والانقسامات الداخلية وتراجع الثقة الشعبية بالأحزاب السياسية، وفي قلب هذه الأزمة يواصل التيار تقديم نفسه على أنه "الطريق الوحيد" لإعادة ربط حزب العمال بقاعدته التاريخية.

لا توجد إحصاءات دقيقة في شأن عدد الذين يمثلون "العمال الزرق" بين نواب الحزب الحاكم أو قاعدتيه الشعبية والبلدية اليوم، وتقول تقارير صحافية محلية إن بعض ساسته وأنصاره لا يفضلون البوح بانتمائهم إليه، ولكن بغض النظر عن الأرقام، يحضر سؤال مهم يتعلق بفكر أصحاب هذه المجموعة، وهو ما إذا كان هذا المشروع يمثل بالفعل تجديداً لليسار البريطاني، أم أنه مجرد محاولة لإعادة صياغة المحافظة القومية داخل عباءة "عمالية"؟

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير