ملخص
هدأت أخيراً عاصفة تغيير رئيس وزراء بريطانيا كير ستارمر، وربما تكون مرحلة انتقالية إلى حين انضمام منافسه الأشرس أندي بيرنهام إلى البرلمان في يوليو (تموز) المقبل، لكن ذلك لا ينفي وجود شريحة واسعة داعمة لستارمر بين نواب وأعضاء ومسؤولي حزب العمال، وتشجعه على الصمود في وجه أي منافس له على الزعامة.
بعد نحو أسبوعين فقد خلالهما ثقة ربع نواب حزبه، وتعرض لاستقالة خمسة مسؤولين في حكومته، بينهم وزير الصحة، يبدو رئيس وزراء بريطانيا كير ستارمر يواجه بصعوبة كبيرة محاولة إزاحته عن السلطة، لكن ذلك لا ينفي حقيقة وجود موالين له، يؤمنون بأنه سيبقى في المنزل رقم 10 لفترة أطول مما تتوقعه الاتجاهات العامة السائدة.
والهزة التي أصابت حكومة "العمال" بعد الانتخابات البلدية الأخيرة في مايو (أيار) الجاري، وهزم فيها الحزب الحاكم بقسوة شديدة، لم تكُن أول صفعة لرئيس الوزراء والمحاولة الأولى لإزاحته من منصبه، إذ مرّ ستارمر قبلها بأزمات وعثرات، فقد خلالها عدداً من الأشخاص الذين كانوا يعتبرون جزءاً من مشروع سلطته ومؤيدين له.
خلال الأشهر الأخيرة، أنهت فضيحة سفير بريطانيا السابق إلى واشنطن بيتر ماندلسون، مسيرة عدد من رجالات ستارمر، أبرزهم مدير اتصالاته تيم آلان ومساعده مورغان ماكسويني، إضافة إلى مات باوند وماثيو فولدينغ وبول أوفندن وستيف درايفر ولوك سوليفان الذين كان يُنظر إليهم جميعهم على أنهم قلاع لحماية نفوذ رئيس الحكومة.
وتقوم فيديا ألاكسون اليوم بأعمال ديوان رئيس الوزراء، وتعمل صوفي نازيمي كرئيس موقت للاتصالات، وكلتاهما عملتا إلى جانب ستارمر منذ توليه منصبه قبل نحو عامين، ولكل منهما دراية واسعة بخبايا حزب العمال، بخاصة نازيمي التي كانت مسؤولة إعلامية خلال عهد سلفه جيريمي كوربين، قبل أن تصبح متحدثة باسم كير ستارمر.
وثمة شخصية رئيسة أخرى تؤيد ستارمر هي إيمي ريتشاردز التي تشغل اليوم منصب مديرة السياسات في الحكومة، بعدما بقيت مساعدة لوزيرة الخارجية إيفيت كوبر مدة طويلة من الزمن، وإيمي متزوجة غريغور بوينتون، أحد قادة الحزب الحاكم، وشقيقة نائب عمالي آخر هو جيك ريتشاردز، ويُنسب إليها الفضل في التنسيق والتعبئة ضد دعوة رئيس "العمال" الاسكتلندي أنس سروار، في فبراير (شباط) الماضي، إلى استقالة رئيس الوزراء، وكانت بين الذين حثوا ستارمر على الصمود خلال الأيام الأخيرة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كذلك يحظى رئيس الوزراء وزعيم حزب العمال بدعم ستيوارت إنغهام، أحد أقدم مساعديه والوحيد الباقي من فريق مكتبه قبل الانتخابات، وتُعد الأمينة العامة للحزب الحاكم هولي ريدلي من أشد المؤيدين لستارمر على رغم كل ما حدث حتى الآن.
عندما تولى ستارمر الحكومة، كان من بين أقرب حلفائه السياسيين شبانه محمود التي تشغل حالياً منصب وزيرة الداخلية ووزير الطاقة إيد ميليباند، وكان يُنظر إلى كليهما على أنهما جزء من مشروع رئيس الوزراء، ويعتمد عليهما ستارمر بشدة حينما يحتاج إلى مشورة سياسية، لكن الوضع قد تغير بعدما انقلبا عليه أخيراً ودعواه إلى الرحيل.
وبين صفوف الوزراء اليوم، يحظى ستارمر بدعم كامل من وزير العمل بات مكفادين ووزير الإسكان والمجتمعات المحلية ستيف ردي، ومن بين الموالين الآخرين في الحكومة، وزيرة التنمية الدولية البارونة تشابمان ومديرة حزب "العمال" آنا تورلي واللورد هيرمر، الصديق القديم الذي يعرف ستارمر منذ أن كان محامياً ثم نائباً عاماً.
ومن بين أنصار ستارمر على مستوى الحكومة أيضاً، هناك الوزير المحلي المعني بشؤون الهجرة في وزارة الداخلية مايك تاب، وكذلك نائب رئيس الوزراء ووزير العدل ديفيد لامي الذي قال إن "رئيس الحكومة وزعيم الحزب خاض انتخابات برلمانية، وفاز بغالبية تاريخية قبل 22 شهراً فقط، وهو أكثر شخص أعرفه صموداً".
وكان ريد وتشابمان وهيرمر بين مجموعة صغيرة من الموالين، اجتمعوا مع ستارمر في ذروة الأزمة الأسبوع الماضي، ودعوه إلى عدم التنحي بعد استقالة وزير الصحة ويس ستريتينغ، وإعلان أندي بيرنهام نيته العودة للبرلمان، وتفيد تقارير صحافية محلية بأن ستارمر فكر فعلياً في الرحيل لكن دائرته من الداعمين أثنته عن الأمر.
وتحت قبة البرلمان، يؤيد 159 نائباً "عمالياً" ستارمر علناً، في مقابل 97 يدعونه إلى الاستقالة، أما الأعضاء الباقين للحزب الحاكم في مجلس العموم، وعددهم 145 نائباً، فهم الذين يثيرون قلق ستارمر ومؤيديه، ذلك لأن هؤلاء لم يحسموا أمرهم بعد، أو أنهم يبيتون نواياهم بانتظار انطلاق سباق رسمي على زعامة الحزب بعد أشهر قليلة.
على صعيد القاعدة الشعبية، يقول استطلاع للرأي أجرته مؤسسة "يوغوف" حديثاً بين أعضاء الحزب الحاكم، إن ما يقارب نصف الأعضاء (47 في المئة) يؤيدون أندي بيرنهام لقيادة "العمال"، مقارنة بـ31 في المئة يتمسكون بزعامة ستارمر.
ووفق الأرقام أيضاً، يعتقد 57 في المئة من أعضاء حزب العمال بأن ويس ستريتينغ أخطأ في الاستقالة من منصب وزير الصحة، ويفضل 65 في المئة أن يتغلب ستارمر عليه خلال المنافسة على رئاسة الحزب في أي زمان ومكان وقعت فيهما المواجهة.
وبحسب نتائج الاستطلاع أيضاً، يرى 66 في المئة من أعضاء الحزب الحاكم أن ستارمر قام بعمل جيد كرئيس للوزراء حتى الآن، ولكن 28 في المئة فقط يظنون أن حزب العمال الحاكم سيفوز في الانتخابات العامة المقبلة، إذا بقي هو زعيماً، لذا يريد 61 في المئة منهم أن يتنحى قبل موعد ذلك الاستحقاق المصيري المتوقع عام 2029.
وبعيداً من الاستطلاع، أعربت "الكتلة البرلمانية النسائية لحزب العمال" عن خيبة أمل نائبات الحزب إزاء احتمال أن يحل رجل محل ستارمر في رئاسة الوزراء، لافتة إلى أن "العمال" لم يشهد وصول امرأة إلى زعامته منذ تأسيسه قبل أكثر من 120 عاماً، ومثل هذا الموقف ربما لا يفيد رئيس الحكومة بصورة مباشرة، لكنه قد يشتت أصوات خصومه إن قررت الكتلة دعم نائبة مثل إنجيلا راينر في حال تقدمت إلى سباق القيادة.
خلال الأيام الأخيرة، هدأت عاصفة إسقاط ستارمر قليلاً، ويصح القول إنها تأجلت إلى حين إجراء الانتخابات الفرعية في منطقة ماكرفيلد، وإعادة عمدة مدينة مانشستر أندي بيرنهام للبرلمان، لينطلق في تحديه لرئيس الوزراء، حيث إن القوانين تشترط عضوية مجلس العموم في أي شخص يقود حزب الأكثرية والحكومة.
وتقول استطلاعات الرأي إن حظوظ بيرنهام في استحقاق يوليو (تموز) المقبل كبيرة، لكن تقارير صحافية تتحدث عن منافسة شديدة بينه ومرشح حزب "ريفورم" في المنطقة، وفي حال خسارة المرشح "العمالي" للانتخابات، يزداد أمل ستارمر في البقاء على رأس السلطة لأن بقية المرشحين لمنافسته لا يحظون بشعبية عمدة مانشستر ذاتها.
والخطوة التالية أيضاً بعد نجاح القيادي "العمالي" في الانتخابات الفرعية ليست واضحة لأن ستارمر يرفض حتى الآن التنحي عن رئاسة الحكومة والحزب الحاكم، ولم تتبيّن حتى اللحظة ماهية السيناريو المتوقع لدفع رئيس الحكومة نحو القبول بالخروج من المشهد سلمياً، إن جاز التعبير، أو القبول بخوض منافسة جديدة على منصبه.