ملخص
عاش حزب العمال البريطاني خلال تاريخه الممتد على أكثر من 125 عاماً، محطات كثيرة من الانقسامات التي أثرت في مسيرته، وها هو اليوم يقف على أعتاب مواجهة داخلية جديدة على قيادة زعيمه ورئيس الوزراء كير ستارمر، يقول المرشحون إنهم يريدون تصويب أداء الحزب قبل فوات الأوان، لكن يُخشى أن تقود المواجهة إلى تصدع طويل الأجل في التأثير.
تقول دراسة متخصصة إنه إذا كان عدد الأحزاب المتنافسة ضمن نظام انتخابي معين قليلاً، فإن هذه التجمعات تتحول إلى كتل سياسية واسعة الطيف أيديولوجياً، ويمكن لها أن تشهد انقسامات داخلية. لعل البرلمان البريطاني المتشكل من ستة أحزاب رئيسة مثال واضح على هذه القاعدة، وما يعزز الاستدلال به نموذجاً، هو عدد حالات الانشقاق وتغيير الانتماء التي شهدتها الأحزاب خلال أقل من 50 عاماً، والتي بلغت 230 حالة.
مثل بقية أحزاب البرلمان، لم يكن "العمال" يوما منيعاً ضد حالات الانشقاق والتمرد بين صفوفه، وما يعيشه اليوم زعيم الحزب ورئيس الوزراء كير ستارمر من تحدٍ لقيادته من جانب ما يزيد على 80 نائباً في مجلس العموم، هو جولة جديدة من مواجهات داخلية عدة عرفها الحزب على امتداد تاريخه منذ أن تأسس قبل أكثر من 125 عاماً.
لطالما كانت الصدامات بين يسار الحزب ويمينه، وحين يستعصي الحسم على الجبهتين يستعان بشخصية وسطية تخمد نيران الحرب لفترة من الزمن. ستارمر نفسه لعب هذا الدور بعد خمس سنوات من قيادة اليسار المتشدد للحزب الأحمر بين2015 و2020، أما اليوم فهو من وجهة نظر عشرات النواب العمال والنقابات، لم يعد قادرا على الاستمرار، وحالة الاستقطاب التي تعيشها البلاد لا مكان فيها لزعيم معتدل يقف في المنتصف.
عالم سياسة أميركي يدعى ريتشارد روز وصف حزب العمال مرة بأنه "تجمع فصائل التفت حول مواقف وأهداف مشتركة كالتأميم والدفاع والسوق المشتركة"، ولكن الحزب (الفصائل) بقي على مدار أكثر من 120 عاماً في حال تجاذب واضح تشتد تارة وتهدأ أخرى، وبعض الصدامات برزت كمحطات تاريخية امتد تأثيرها على الحزب لأعوام طويلة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
اتسم حزب العمال البريطاني بالصراع الداخلي منذ تأسيسه عام 1900، ونادراً ما تكون هذه الانقسامات ذات طابع شخصي، بل تمثل نقاشاً جوهرياً بين تفسيرين متنافسين لليسارية إن جاز التعبير، الأول هو "الاشتراكية الراديكالية" التي ترغب بتغيير المجتمع، والثاني هو تلك “الديمقراطية الاجتماعية البراغماتية" التي تريد السلطة من أجل قيادة المجتمع.
في عام 1931 اعتبر الحزب قرار رئيس الوزراء رامزي ماكدونالد بتشكيل "حكومة وطنية" مع حزب المحافظين "خيانة كاملة للمبادئ الاشتراكية"، فانقسم "العمال" واضطربت سياسات حكومته في الاقتصاد والدفاع لأعوام عديدة، كما يقول المؤرخ البريطاني ريتشارد توي في كتابه "حزب العمال واقتصاديات إعادة التسلح"، الصادر عام 2013.
في الخمسينيات أدت الخلافات حول الخدمة الصحية الوطنية (NHS) والأسلحة النووية إلى صراع بين أنصار وزير الصحة حينها ناي بيفان الذي كان يمثل المتشددين، ومؤيدي زعيم الحزب الوسطي هيو غيتسكيل، ثم انقسم الحزب ثانية عام 1981 حول العضوية الأوروبية، وبلغ الأمر ذروته في بيان عام 1983، الذي اشتهر بلقب "أطول رسالة انتحار في التاريخ" وخسر "العمال" بسبب ذلك التصدع الانتخابات أمام حزب المحافظين.
انقسام الحزب بين وسطيين ومتشددين بدأ يتضح منذ أواخر السبعينيات، كلا التيارين حافظ على أهدافه، لكن تباينا في الطريقة والآلية، فبينما تمسك المعتدلون بالبرلمان طريقاً نحو غاياتهم، مضى خصومهم نحو الحركات الاحتجاجية خارجه، وهكذا حتى بلغ (يمين الوسط) في الحزب أوج قوته نهاية التسعينيات مع وصول توني بلير إلى الزعامة.
في عهد بلير نجح "العمال" في تحويل الحزب نحو الوسطية بين العدالة الاجتماعية وكفاءة السوق، مما خلق "فجوة استراتيجية" لليسار. فاز "حزب بلير" بثلاثة انتخابات متتالية، لكن نقاداً قالوا إنه تخلى عن جذوره العمالية، مما أدى إلى تراجع طويل الأمد في شعبية "العمال" لا يزال يؤثر فيه حتى اليوم، وفق ورقة تحليلية صدرت عن جامعة كامبردج.
طوال حقبة بلير لم يستطع المتشددون التأثير كثيراً في مسار الحزب، وقد استمر الأمر على هذا النحو حتى عام 2014، عندما غيّر "العمال" آلية انتخاب الزعيم، وانتقل من نظام المجمع الانتخابي إلى آلية "صوت واحد لكل عضو"، فصب الأمر في مصلحة جيرمي كوربين وأوصله لزعامة الحزب بين 2015 و2020، ليقود جبهة المعارضة مقابل حكومة المحافظين الذي تعاقب عليها ثلاثة رؤساء وزراء خلال تلك الأعوام.
رغم أن عضوية القاعدة الشعبية لـ"العمال" قد تضاعفت ووصلت إلى أكثر من نصف مليون في مراحل مبكرة من قيادة كوربين، إلا أن الحزب واجه لاحقاً موجات استقالة وسحب عضويات على مستوى الهيئات المحلية بسبب توترات داخلية. في يونيو (حزيران) 2016 شهد الحزب استقالة جماعية لأكثر من عشرين وزيراً من حكومة الظل العمالية احتجاجاً على قيادة كوربين وأسلوب إدارته، تلتها تصويتات بحجب الثقة داخل الحزب.
في فبراير (شباط) 2019، استقال سبعة نواب بارزون من حزب العمال احتجاجاً على سياسات كوربين وشكلوا "مجموعة المستقلين"، والتي عُرفت لاحقاً باسم "تغيير المملكة المتحدة" قبل أن ينضم إليهم نواب آخرون، كذلك أدت التحقيقات الداخلية في مزاعم "معاداة السامية" إلى تراجع دعم بعض أعضاء الحزب اليهود والمنظمات، وانتهى الأمر بتعليق عضوية كوربين وإبعاده من الكتلة البرلمانية للحزب أواخر عام 2020.
حقبة كوربين كانت عصر ازدهار لـ "اليسار المتشدد" في "العمال"، وعلى مدار خمسة أعوام شهد الحزب صراعاً حاداً بين هؤلاء والوسطيين، انتهى بفوز كير ستارمر الذي أعاد توجيه الحزب نحو الاعتدال مع التركيز على الاستثمار في القطاع الخاص والاستقرار المالي، وهي خطوة أدت إلى استقرار الحزب انتخابياً وشعبياً، لكنها لا تزال تنفر القاعدة الاشتراكية الأكثر راديكالية حتى الآن، كما يقول عالم الاجتماع البريطاني بول ثومبسون.
يواجه ستارمر محنة في قيادته اليوم، فبعد سلسلة من العثرات التي وقع بها وحكومته، انقلب عليه أكثر من 80 نائباً يطالبون باستقالته. يريدون منه تحمل مسؤولية خسارة الحزب الحاكم للانتخابات البلدية الأخيرة، وينتظرون منه التنحي لمصلحة واحد من عدة قياديين أبرزهم وزير الصحة السابق ويس ستريتينغ، والنائبة أنجيلا راينر، ووزير البيئة إيد ميليباند، إضافة إلى عمدة مدينة مانشستر الكبرى أندي بورنهام الذي يعتبر الأكثر شعبية بينهم.
جرد ستارمر 12 نائباً عمالياً من مناصبهم منذ انتخابات 2024 بسبب تمردهم في التصويت عليه تحت قبة مجلس العموم، ويمكن لهؤلاء أن يختاروا الانضمام لحزب آخر إذا قبلت قيادته بهم، أو يبقوا كنواب مستقلين، أو الخيار الثالث أن يعودوا إلى حزبهم الأصلي بعد فترة من الوقت، في حال وقعت المصالحة بينهم وبين أجهزة "العمال" المختصة، والخيار الرابع أن يؤسسوا حزبا خاصا بهم كما فعلت النائبة العمالية المستقيلة من الحزب زارا سلطانة عندما انضمت إلى كوربين في إطلاق تجمع سياسي باسم "حزبكم".
حتى الآن، يتمسك ستارمر بمنصبه ويرفض مطالب النواب المعارضين له بالاستقالة، لكن النقابات انضمت إلى خصوم ستارمر في البرلمان البريطاني، وباتت تطالب بجدول زمني وآلية واضحة لتغيير زعامة الحزب الحاكم ومن ثم الحكومة. النقابات التي تضم أكثر من 3 ملايين عضو ينتمون إلى اليسار بكل درجاته، لا تزال مصدراً أساساً من تبرعات الحزب، لذا لا يبدو تجاهلها فكرة صائبة، وقد يتسبب ذلك بصدع كبير داخل "العمال".
يُعد "العمال" شبكة متشعبة من اللجان والمنتديات والمجالس، ومن يريد أن ينافس ستارمر على القيادة قريباً، لا يحتاج فقط إلى ترشيح 20 في المئة من النواب العمال في البرلمان، بل إلى تأييد كثر بين صفوف الأعضاء، والنقابات والمنتسبين بصورة غير مباشرة للتكتل، وكلما زاد عدد المرشحين، اتسعت رقعة المعركة، وامتد الانقسام عمودياً وأفقياً داخل حزب جلس 14 عاماً على مقاعد المعارضة قبل أن يعود إلى السلطة في 2024.