ملخص
على رغم أن إعادة وزارة الداخلية ثلاثة مهاجرين فقط لفرنسا ليست إنجازاً كبيراً، إلا أن سرعة وجرأة قرارات الوزيرة شبانة محمود قد تمثل نقطة تحول في سياسة الهجرة البريطانية، وتفتح الباب أمام معالجة أكثر جدية وفعالية لهذا الملف الشائك.
قبل أسبوعين كان من المقرر أن تبدأ عملية إعادة المهاجرين لفرنسا، وفق ما أعلنت وزيرة الداخلية البريطانية شبانة محمود. لكن في بداية الأسبوع الماضي، ارتفعت أصوات مناهضي الهجرة في المملكة المتحدة بسخرية، بعدما تسببت الطعون القانونية في اللحظات الأخيرة في إرسال الصحافيين المكلفين بتغطية الحدث إلى باريس، لإعداد تقارير عن مقاعد الطائرة الفارغة التي كانت وزارة الداخلية حجزتها لترحيل المهاجرين.
ثم وتحديداً يوم الخميس الماضي، أعيد أول مهاجر وصل على متن قارب صغير إلى بريطانيا لفرنسا في إطار مخطط تجريبي أطلق عليه اسم "واحد يدخل واحد يخرج". لكن هل توقفت الأصوات المناهضة للهجرة عن انتقاد الوزيرة وقامت بتهنئتها على تنفيذها ما وعدت به؟ بالطبع لم يفعلوا ذلك.
قالوا إنها حالة واحدة فقط، وبحلول نهاية الأسبوع لم يكن هناك سوى ثلاث حالات ترحيل ناجحة. وأشارت تلك الأصوات إلى أن 1072 مهاجراً غير شرعي وصلوا إلى بريطانيا على متن قوارب صغيرة يوم الجمعة الماضي.
وهذا صحيح، لكنه يتجاهل الشيء الوحيد الذي يتوجب اعتباره مهماً. فقد قامت السياسية بتنفيذ ما وعدت به. وهي ليست أية سياسية، بل وزيرة الداخلية، والشخصية المسؤولة عن وزارة الداخلية البريطانية، وهي وزارة تعاني خللاً كبيراً لدرجة أن أحد أسلافها الوزراء وهو جون ريد، كان قد استسلم في محاولاته إصلاحها وقام بتقسيمها إلى قسمين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وما قالت إنها ستفعله كان يتعلق بملف الهجرة، وهو الموضوع الوحيد الذي فشل السياسيون في الوفاء بوعودهم في شأنه منذ الاستفتاء على عضوية الاتحاد الأوروبي (بريكست)، مما دفع نظامنا الديمقراطي إلى نقطة يوشك فيها على إنتاج رئيس للوزراء في البلاد، لا ينتمي إلى أحد الحزبين الرئيسين اللذين احتكرا السلطة لنحو قرن من الزمن.
صحيح إنه مجرد مخطط تجريبي، لكنه قد يكون نقطة تحول. فالوزيرة محمود، وسلفها الوزيرة إيفيت كوبر، ورئيس الحكومة كير ستارمر حتى، لم يقوموا جميعاً بشرح الخطة بصورة جيدة، على رغم ما سأقوله هنا حول مهارات الوزيرة محمود في التواصل الإعلامي.
أقر الاتفاق مبدأ إعادة المهاجرين إلى فرنسا. والغرض من المخطط التجريبي هو تحديد واختبار العقبات اللوجستية والقانونية التي تحول دون القيام بذلك، وهذا بالضبط ما قامت به من أسبوعين. يوم الثلاثاء الماضي، نجح مهاجر من إريتريا، في منع تنفيذ قرار بترحيله على أساس ادعائه بأنه كان ضحية لجريمة العبودية الحديثة، وأنه لم يجر التحقق من هذه المزاعم.
وقد أمرت الوزيرة محمود بإعادة صياغة المبادئ التوجيهية المتعلقة بالمطالبات القانونية بموجب قانون العبودية الحديث على الفور. وذكرت صحيفة "التايمز" أن أحد الحاضرين في الغرفة قال إن المسؤولين شعروا "بالصدمة". وقال أحد المسؤولين في وزارة الداخلية إن "تلك السرعة في اتخاذ القرار، أمر يجب التعود عليه".
والخميس الماضي، حاول مهاجر إريتري آخر استخدام حجة العبودية الحديثة أمام القاضي نفسه، وهو السيد شيلدون. لكنه خسر القضية، إذ حكم القاضي شيلدون بأن "روايته عن الاتجار بالبشر لا يمكن تصديقها بصورة معقولة".
بالطبع ستكون هناك محاولات أخرى لتقديم طلبات في المحاكم لمنع عمليات الترحيل، لكنها ستنقض واحدة تلو الأخرى. فقد أعلنت محمود أنها ستغير القوانين إذا لزم الأمر، وهي أثبتت أنها قادرة على التصرف وبسرعة. ومع إزالة هذه العقبات، يمكن توسيع نطاق المخطط. فإذا استطاعت إعادة ثلاثة، يمكنها إعادة 3 آلاف.
وعند تلك المرحلة، إذا جرى ترحيل معظم الوافدين إلى فرنسا، فستتوقف القوارب، إذ لن تكون هناك جدوى من محاولة العبور. وحينها سيتلاشى اعتراض المنتقدين القائل إن بريطانيا مضطرة إلى قبول مهاجر قانوني من فرنسا في مقابل كل مهاجر غير شرعي يعاد، لأن حركة العبور نفسها ستكون قد توقفت. وعندها سيقوم حزب "ريفورم" و"المحافظين" وقناة "جي بي نيوز" التلفزيونية [المعروفة بتوجهاتها اليمينية] وكل الصحافة اليمينية، بتهنئة الوزيرة محمود من دون شك على نجاح سياستها، ولا شك في حدوث ذلك على الإطلاق.
ومع ذلك، فإن الوزيرة محمود، لم تقل أبداً أن المخطط التجريبي يمكن توسيعه بحيث يؤدي إلى وقف القوارب تماماً. ربما الأمر معقداً للغاية في عصر منشورات "تيك توك" التي لا تتعدى ثلاثة ثوان، والحقيقة المتمثلة بـ"1072 دخلوا في مقابل 3 فقط خرجوا". ولكنني أخشى أن يكون السبب الحقيقي هو تجنب إثارة قلق الفرنسيين من احتمال عودة الآلاف، وحتى لو كان ذلك لفترة قصيرة فقط، لإحداث التأثير الرادع لتلك العمليات.
وإذا فشل الفرنسيون في تمديد العمل بالمخطط، الذي يستمر العمل فيه أساساً حتى نهاية شهر يونيو (حزيران) المقبل، فعندها ستعود الحكومة البريطانية لنقطة البداية، ولهذا السبب فإن الوزيرة محمود هي محقة في السعي إلى إعداد خيارات أخرى في الوقت نفسه.
ما تجيد محمود شرحه، مع ذلك، هو الأساس الذي تقوم عليه سياسة "صارمة" تجاه قوارب المهاجرين الصغيرة في المقام الأول. في اجتماع ضمها إلى جانب جميع موظفي وزارة الداخلية يوم الأربعاء الماضي، قالت الوزيرة "بعض الناس اعتبروا ذلك مجرد ضرورة سياسية. لكن ذلك يسيء فهم شخصيتي وما أؤمن به، إن الدول ذات السيادة لها حدودها الآمنة، هذا القول هو مبدأ أؤمن به إيماناً راسخاً".
وأضافت محمود "لا يمكننا أن نكون بلداً متسامحاً ومنفتحاً على الآخرين وكريماً، إلا عندما نكون قادرين على تحديد من يمكنه الدخول إلى بلادنا ومن يجب عليها المغادرة. وأنا أعلم أن البلد الذي يمكنه التحكم في حدوده، هو بلد أكثر أماناً خصوصاً لشخص يشبهني" [في إشارة إلى أصولها الآسيوية المهاجرة].
أخيراً، ها نحن نسمع كلاماً صادقاً من سياسية تنتمي إلى الوسط الليبرالي، ويمكنها شرح أسباب اعتماد سياسة الهجرة الإنسانية على الرقابة، وسبب انعدام الإنسانية في الوضع الراهن الذي تسبب في وفاة 70 شخصاً في القنال الإنجليزي منذ بداية العام.
لقد كان رئيس الحكومة ستارمر، ووزيرة الداخلية السابقة كوبر ضعيفين في تنفيذ هذه المهمة الأساسية المتمثلة بالتواصل الإعلامي، على رغم أن ستارمر نجح في إبرام الاتفاق الفرنسي من خلال مفاوضات ماهرة أجراها مع الرئيس إيمانويل ماكرون، فيما نجحت كوبر في إعداد المخطط بسرعة، إلا أن الوزيرة محمود هي التي حققت النتائج الأولى، بينما "صدمت" المسؤولين في وزارتها بسرعة اتخاذها للقرارات.
لا يزال الطريق طويلاً، وحتى إذا نجحت محمود في تقليص عدد القوارب الصغيرة بصورة كبيرة، فقد يجد حزب العمال نفسه مثقلاً بانتقادات نايجل فاراج وأنصاره على مواقع التواصل الاجتماعي الذين سيصرون على أن الأمر لم يكن يجب أن يستغرق كل هذا الوقت، لأن "إيقاف القوارب أمر بسيط جداً".
لكن في الحقيقة، الأمر ليس بهذه البساطة، ومحمود هي أول سياسية بريطانية تحظى بفرصة للتعامل مع الموضوع بصورة جادة.
© The Independent