ملخص
يعد عمدة مدينة مانشستر آندي بيرنهام أبرز ساسة "العمال" المرشحين لقيادة الحزب الحاكم خلفاً لرئيس الوزراء الحالي كير ستارمر، يلقب بـ"ملك الشمال"، وهو للمفارقة لا يثير قلق ستارمر وحده، وإنما أيضاً رئيس حزب "ريفورم" الشعبوي نايجل فاراج، ذلك لأن بيرنهام يخاطب ذات الطبقة التي يتمدد فيها الشعبويون، لكن بلغة بعيدة من التعصب.
من السهل النظر إلى آندي بيرنهام باعتباره مجرد سياسي عمالي آخر خرج من شمال إنجلترا، لكن هذا التوصيف يفوت جوهر الظاهرة التي يمثلها الرجل داخل السياسة البريطانية اليوم، فبيرنهام لا يصعد بوصفه موظفاً حزبياً تقليدياً، بل باعتباره تعبيراً سياسياً عن أزمة أعمق، تتمثل في شعور الشمال الإنجليزي بأن الدولة تُدار من لندن ولأجل لندن فحسب، ولهذا السبب لا يُنظر إلى بيرنهام داخل حزب العمال كعمدة ناجح فحسب، بل كاحتمال سياسي ثقيل يمكنه قلب التوازنات، وإعادة تعريف العلاقة بين المركز والأقاليم في بريطانيا.
وُلد بيرنهام عام 1970 في مدينة ليفربول شمال غربي البلاد، داخل بيئة طبقة عاملة تقليدية شكلت وعيه السياسي مبكراً. كان والده مهندساً للهواتف ووالدته موظفة استقبال، وهي خلفية تبدو مهمة لفهم شخصيته السياسية الحالية، فهو لا يتحدث بلغة النخب الأكاديمية التي سيطرت طويلاً على حزب العمال، بل بلغة أقرب إلى الشارع الشمالي، حيث يعيش عشاق كرة القدم وفرسان النقابات ودعاة الهوية المحلية، وحملة الإحساس التاريخي بالتهميش لمصلحة لندن، عاصمة السياسة والثروة المجمعة التي تصوغ سياسات الدولة.
العائلة والدراسة
المثير أن حياته العائلية ارتبطت مباشرة ببعض أهم معاركه السياسية، فقد تحدث أكثر من مرة عن تأثير مرض والده الطويل قبل وفاته في نظرته لهيئة الخدمات الصحية البريطانية المعروفة بـ(NHS)، وهي قضية تحولت لاحقاً إلى واحدة من أهم أولوياته السياسية، إذ كان يرى أن انهيار الخدمات الصحية أو خصخصتها، لا يمثل نقاشاً اقتصادياً، بل يعد تهديداً مباشراً للعائلات البريطانية العادية التي تعتمد على النظام الصحي العام.
حتى عندما ذهب إلى كامبردج لدراسة الأدب الإنجليزي، لم يتحول بيرنهام إلى نسخة أخرى من السياسيين القادمين من المؤسسة البريطانية التقليدية، بل ظل يحمل في جعبته لهجة الشمال وحساسيته الاجتماعية، وهو أمر استثمره لاحقاً بذكاء شديد، وفي كامبردج أيضاً تعرف على زوجته التي شاركته عشق كرة القدم، قبل أن تنجب منه ثلاثة أولاد لاحقاً.
اللافت أن بداياته المهنية لم تكن سياسية بالكامل، بل صحافية أيضاً، مثل كثير من أبناء جيله الذين حلموا بالتأثير العام من خلال الكلمة المطبوعة، فدخل عالم الصحافة أولاً عبر تدريب مجاني في صحيفة محلية، قبل أن يعمل في مجلات متخصصة، وربما تركت هذه التجربة أثراً واضحاً على طريقته الحالية في إدارة صورته الإعلامية، فبيرنهام يفهم جيداً كيف تُصنع الرواية السياسية، وكيف تتحول اللغة إلى أداة تعبئة جماهيرية قوية المفعول.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بداية مبكرة
بحسب تقارير مختلفة، جاء التحول الحقيقي في حياة بيرنهام مع انضمامه المبكر إلى حزب العمال في سن الـ15، خلال ذروة الصدام بين حكومة مارغريت تاتشر والنقابات العمالية، تأثره بإضرابات عمال المناجم لم يكن موقفاً سياسياً عابراً، بل شكل رؤيته الكاملة لبريطانيا، التي كان يراها دولة منقسمة اقتصادياً وثقافياً بين جنوب غني وشمال يشعر بأنه ترك مهملاً، وهذه الفكرة ستصبح لاحقاً العمود الفقري لمشروعه السياسي.
داخل وستمنستر صعد بيرنهام بسرعة، انتخب نائباً عام 2001، ثم تنقل بين مناصب وزارية حساسة في الصحة والثقافة والخزانة. في الظاهر، بدا جزءاً من المؤسسة العمالية التي حكمت مع توني بلير وغوردون براون، لكن المتتبعين لمسيرته يعتقدون أنه في العمق كان يحتفظ بمسافة واضحة عن "البليرية" السياسية التي اعتمدت على الوسطية الاقتصادية، والتقارب مع النخب المالية في لندن، ولهذا عندما انهار حزب العمال بعد انتخابات 2010، كان بيرنهام بين أوائل الذين فهموا أن أزمة الحزب ليست انتخابية فحسب، بل هوياتية أيضاً.
أدرك بيرنهام أن الحزب فقد علاقته العاطفية بالطبقة العاملة الإنجليزية وبخاصة في الشمال، فسعى إلى قيادة "العمال" مرتين، الأولى كانت عام 2010 واصطدم فيها بإرث بلير، فحل رابعاً بين خمسة مرشحين تصدرهم إيد ميليباند، ثم في عام 2015 هزم أمام موجة جيرمي كوربين اليسارية المتشددة، غير أن خسارته الداخلية لم تعنه سياسياً، بل ربما أنقذته، ففي وقت كان حزب العمال يغرق في حروبه الأيديولوجية، خرج بيرنهام من وستمنستر نحو مانشستر في الشمال، وهناك بدأ بناء نموذج سياسي مختلف تماماً عن مسار لندن.
منذ انتخابه عمدة لمانشستر الكبرى في عام 2017، قدم آندي بيرنهام نفسه بوصفه "حاكم الشمال" أكثر من كونه مجرد مسؤول محلي، لم يكتف بإدارة الملفات اليومية، بل عمل على إنتاج خطاب سياسي متكامل حول محاور عدة منها العدالة الإقليمية والنقل العام والإسكان، والتفاوت الاقتصادي بين لندن وبقية البلاد، وكان ذكياً في اختيار معاركه.
مكافحة التشرد
من بين كل القضايا التي تبناها بيرنهام خلال أعوامه عمدة لمانشستر الكبرى، ربما لا توجد قضية التصقت بصورته السياسية مثل ملف التشرد، فالرجل لم يتعامل مع الظاهرة باعتبارها مجرد أزمة اجتماعية هامشية، بل باعتبارها دليلاً على فشل النموذج الاقتصادي البريطاني بعد أعوام التقشف التي أعقبت الأزمة المالية. عندما تولى منصبه عام 2017، كانت مشاهد المشردين في شوارع وسط مانشستر تتحول إلى جزء يومي من الحياة في المدينة، خيام تحت الجسور، وأشخاص ينامون في العراء أمام المتاجر ومحطات النقل العام.
منذ أيامه الأولى في المنصب، حاول تحويل مكافحة التشرد إلى قضية رأي عام وطنية، لا مجرد ملف خدمات محلية، كان يقول إن وجود أشخاص ينامون في الشارع داخل واحدة من أغنى دول العالم "ليس طبيعياً، ولا يمكن التعامل معه كأمر اعتيادي"، لهذا أطلق مبادرات متعددة ركزت على فكرة "الوقاية من الأزمة بدل إدارتها"، فلم يسع إلى توفير أسرة طوارئ للمشردين فحسب، بل حاول معالجة الأسباب التي تدفع الناس أصلاً إلى الشارع كالإدمان والعنف الأسري، والبطالة ومشكلات الصحة النفسية ونقص الإسكان منخفض الكلفة.
أحد أهم المشاريع التي ارتبطت باسمه كان مبادرة "سرير كل يوم" التي أطلقتها مانشستر الكبرى لتوفير مأوى طارئ للمشردين، خصوصاً خلال فترات البرد القارس. المشروع لم يكن ضخماً مقارنة بحجم الأزمة، لكنه حمل قيمة رمزية كبيرة، إذ أراد بيرنهام أن يبعث برسالة مفادها أن السلطات المحلية لا يمكنها انتظار حلول الحكومة المركزية بينما ينام الناس في العراء، وخلال جائحة كورونا اكتسب هذا الملف بعداً أكبر بكثير.
في بريطانيا، كثير من رؤساء البلديات يظلون شخصيات محلية محدودة التأثير، أما بيرنهام، فقد تعامل مع المنصب كمنصة وطنية، وعندما حلت جائحة كورونا عام 2020 وجد فرصته الذهبية، دخل في مواجهة مباشرة مع حكومة بوريس جونسون بسبب حجم الدعم المالي المخصص لمانشستر خلال الإغلاق، لم تكن المعركة حول الأرقام فحسب بل رمزية بامتياز، فظهر بيرنهام في مؤتمر صحافي كصوت الشمال الغاضب من لندن، رافضاً ما اعتبره "إهانة" للمناطق الشمالية التي تتحمل كلفة الإغلاق دون حماية اقتصادية كافية.
تلك اللحظة صنعت صورته الجديدة بالكامل، فجأة لم يعد بيرنهام مجرد سياسي عمالي محلي، بل تحول إلى رمز سياسي عابر للأحزاب، حتى إن بعض المحافظين في الشمال رأوا فيه شخصية تدافع عن كرامة مناطقهم أكثر من نوابهم في الحكومة، ومن هنا جاء لقب "ملك الشمال"، وهو لقب يحمل في السياسة البريطانية معنى يتجاوز الطرافة الإعلامية، إنه يعكس إدراكاً حقيقياً بأن بيرنهام نجح في تجسيد شعور إقليمي واسع بالتهميش.
موقعه الإيديولوجي
المثير أن قوة بيرنهام لا تأتي فقط من شعبيته، بل من موقعه الأيديولوجي المرن، فهو ليس "كوربينياً راديكالياً" ولا "بليرياً تكنوقراطياً"، يستطيع التحدث عن العدالة الاجتماعية بلغة يسارية، لكنه يفعل ذلك بنبرة وطنية وشعبوية قريبة من الناخب التقليدي في المدن الصناعية، ولهذا تحديداً يقلق حزب "ريفورم" بزعامة نايجل فاراج، فبيرنهام ينافس اليمين الشعبوي على الأرض نفسها المتمثلة في ناخبي الشمال الغاضبين من النخب السياسية، لكنه يفعل ذلك عبر خطاب اجتماعي يساري لا قومي يقسم البلاد بين "نحن" و"الغرباء".
داخل حزب العمال الحاكم المعادلة أكثر تعقيداً، فستارمر أعاد الحزب إلى السلطة عبر خطاب منضبط وهادئ ويميل إلى الوسط، لكنه لا يملك الكاريزما الشعبية التي يمتلكها بيرنهام، كما أن ستارمر ينظر إليه غالباً باعتباره ابن المؤسسة القانونية اللندنية، بينما يبدو بيرنهام أقرب إلى السياسي الخارج من جذور المجتمع المحلي، ولهذا كلما تراجعت شعبية الحكومة العمالية أو ظهرت أزمة داخل الحزب، يصعد اسم بيرنهام إلى الواجهة بوصفه البديل.
مع الحديث الآن عن عودته إلى البرلمان عبر انتخابات فرعية، فإن كثراً يرون أن الرجل يتحرك ضمن خطة مدروسة للعودة إلى قلب السياسة الوطنية، صحيح أن البقاء كعمدة ناجح يمنحه شعبية، لكن العودة إلى وستمنستر فقط هي التي تفتح الطريق فعلياً نحو زعامة الحزب، وإذا حدث ذلك، فقد تكون بريطانيا أمام واحدة من أكثر التحولات إثارة في تاريخها السياسي الحديث، بصعود سياسي شمالي الهوية وشعبوي النبرة ويساري اجتماعياً، قادر على استعادة جزء من الطبقة العاملة التي خسرتها الأحزاب التقليدية طوال العقد الماضي.
لا تبدو قصة بيرنهام مجرد سيرة سياسي ناجح، بل قصة صراع أوسع داخل بريطانيا نفسها حول من يملك حق تعريف المملكة المتحدة؟ لندن أم الشمال؟ النخب أم المدن المنسية؟ وهل يستطيع "العمال" أن يبقى حزباً وطنياً دون أن يستعيد روحه الشمالية القديمة؟ وفي قلب كل هذه الأسئلة ينتظر "ملك الشمال" لحظته الكبرى التي كثيراً ما انتظرها، حين يقف أمام باب المنزل رقم 10 ويخاطب جميع البريطانيين، متعهداً بتغيير ربما يقلب المشهد.