ملخص
يتوقع البريطانيون تغييراً سابعاً في رئاسة حكومة لندن في غضون 10 أعوام، هناك أسباب مباشرة لكل حالة، لكن الأمر يستحق التأمل في حقيقة ما عاشته وتعيشه البلاد منذ بداية الألفية الثالثة، وقاد إلى عقد الحكومات القصيرة الذي نعيشه اليوم.
تيريزا ماي، وبوريس جونسون، وليز تراس، وريشي سوناك، وكير ستارمر، أسماء مختلفة لقصة واحدة تروى في بريطانيا خلال العقد الأخير، رئيس وزراء جديد يقف أمام المنزل رقم 10، واعداً باستعادة ثقة الشارع، وفي غضون أعوام، أو حتى أيام، يجد نفسه مطروداً من منصبه، إما عبر الناخبين أو على يد نواب حزبه.
الفصل الخاص بستارمر لم توضع نهايته بعد، فلا يزال أول رئيس وزراء لحزب العمال بعد 14 عاماً من المعارضة، يقاوم تغييره ويرفض الانضمام إلى قائمة أصحاب الحكومات القصيرة، لكن بينما نكتب هذه السطور تتحدث وسائل إعلام محلية عن تشكيلة الحكومة المقبلة بقيادة آندي بيرنهام، سابع رئيس للحكومة في 10 أعوام.
كان هناك عقد في كل من القرنين الـ18(1760-1770) والـ19 (1827-1837) استهلكت البلاد فيه رؤساء وزراء بمعدل مماثل، لكن عقد الألفية الجديدة يوصف بالفريد لأن استبدال الزعيم يرافقه تغيير واسع في هرم السلطة، إذ عرفت البلاد ثمانية وزراء مالية وتسعة وزراء خارجية قبل حتى أن يرحل ستارمر.
في القرنين الـ18والـ19 لم يكن حزب العمال طرفاً في موجات استبدال رئيس الوزراء، كان الحزبان البطلان حينها "المحافظين" و"الأحرار"، لأن "العمال" لم يكن قد ولد بعد، وإن سقط ستارمر بعد بضعة أشهر فستكون أول مشاركة للحزب الأحمر في عصور الحكومات البريطانية القصيرة منذ تأسيسه عام 1900.
في كل حالة تسهل الإشارة إلى الأسباب المباشرة التي أدت إلى فشل حكومة رئيس الوزراء، لكن من الواضح أن بريطانيا تعيش مبررات أكبر استدعت تكرار السيناريو ذاته، فلماذا لم يعد أحد يستطيع فعلياً إدارة البلاد؟ وما الأبعاد الحقيقية لعملية تغيير رئيس حكومة المملكة المتحدة ست مرات بعد استقالة ديفيد كاميرون عام 2016.
ربما استقالة كاميرون كانت الأكثر منطقية أو واقعية بين التغيرات التي طرأت على السلطة في بريطانيا خلال العقد الأخير، فالرجل ظن نفسه قادراً على قيادة المملكة المتحدة نحو البقاء ضمن الاتحاد الأوروبي وفشل، أما ما جرى في المنزل رقم 10 بعد رحيله، فكلها تبدلات ترتبط به من ناحية الأسباب، وتتمايز عنه في الغاية والآلية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
جذور القصة تعود إلى الأزمة المالية العالمية في 2008، فقد كانت لحظة حطمت النموذج الاقتصادي البريطاني وهزت ثقة البلاد بنفسها، حل الركود محل عقود من الارتفاع المطرد في الإنتاجية ومستويات المعيشة والأجور، يسهل على القادة السياسيين إدارة البلاد في أوقات ثراء تتوافر فيها الأموال للإنفاق، والعكس صحيح تماماً.
الأزمة المالية ليست السبب الوحيد، فقد شهدت المملكة المتحدة خلال العقدين الماضيين سلسلة من الصدمات ذات الآثار التراكمية، بدءاً من أزمة منطقة اليورو، إلى الاستفتاء الاسكتلندي، بعدها خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ثم جائحة كورونا، تلتها حرب أوكرانيا، إلى حرب إيران، وكل ذلك من دون نمو اقتصاد البلاد وإنتاجها.
تلك الأزمات قادت السياسيين إلى اقتراض مليارات الجنيهات الاسترلينية للحفاظ على عجلة الخدمات والوظائف وأساسات الحياة، ثم دفع مليارات إضافية لخدمة الديون التي باتت تعادل نحو 94 في المئة من الناتج الإجمالي المحلي في 2026، بعدما كانت تمثل 34 في المئة منه فقط قبل 20 عاماً، وفق مكتب الإحصاء الوطني.
ترافقت الأزمات مع تغير التركيبة السكانية للبلاد، إذ ازدادت شيخوخة المملكة المتحدة بوضوح خلال العقدين الأخيرين، وبحسب مدير السياسات في حزب المحافظين نيل أوبراين، رفعت الشيخوخة كلف الدولة 84 مليار جنيه استرليني سنوياً، وتركت رؤساء الحكومات ووزراء المالية في عجز ينتقده الناخبون على نحو متزايد.
أصبحت الدولة نتيجة لأزمتين مستمرتين، التراجع الاقتصادي والشيخوخة السكانية، تتحرك تحت ثقل كبير، وأوضح تعبير عن ذلك ذكره رئيس الوزراء السابق بوريس جونسون عندما قال إنه "خلال الجائحة، كانت تبدو محاولات دفع الحكومة إلى التحرك مثل ذلك الكابوس الذي تطلب فيه من قدميك أن تجريا، لكنهما لا تتحركان".
جونسون هو من فتح أبواب البلاد على مصراعيها أمام المهاجرين ليعالج أزمة نقص العمالة الذي أفرزته شيخوخة البلاد وتفجر بسبب "بريكست" والجائحة، فتحولت قضية الحدود والهوية والأجانب إلى عنوان تتنافس الأحزاب السياسية على صياغته في كل انتخابات، بما يلائم قواعدها الشعبية، ومزاج الناخبين في موعد الاستحقاق.
تشبيه آخر يشرح الصورة أيضاً، ورد في سياق تقرير صحافي محلي، يقول إنه عندما تولى فريق كير ستارمر السلطة قبل نحو عامين، ظنوا أن "الخدمة المدنية" التي تركها المحافظون بعد 14 عاماً من الحكم، تشبه سيارة "رولز رويس" تعرضت إلى قيادة سيئة وحسب، لكنهم اكتشفوا بسرعة أنهم سيقودون عربة "ريلاينت روبن".
في ظل الأوضاع المتأزمة، استعان السياسيون بمتخصصين محايدين، لكنهم أصبحوا عثرات على طريق التطوير، من أمثلة ذلك أن بريطانيا أنفقت على عملية التخطيط لتشييد جسر جديد فوق نهر التايمز أكثر مما صرفه النرويجيون لبناء أطول نفق في العالم، وهذا الهدر ازداد كارثية عندما تحصن لاحقاً بالمعايير البيئية وقيود البيروقراطية.
وفق تقرير نشرته صحيفة "تلغراف" أنفقت لندن ما يقدر بـ280 ألف جنيه لإنقاذ كل سمكة في موقع محطة هينكلي بوينت النووية، و300 ألف لكل خفاش في مشروع القطار السريع المعروف باسم (HS2)، أما البيروقراطية فتكفي الإشارة إلى أن بناء منزل اليوم في المملكة المتحدة يحتاج إلى أكثر من 100 إجراء رسمي تقريباً.
يعد رؤساء الوزراء بالتغيير وبمجرد وصولهم إلى مقر الحكومة يجدون أنهم لا يستطيعون تحقيق الوعود، فيقومون بتغيير الوزراء والمستشارين والموظفين المدنيين حتى آخر شخص يمكن إلقاء اللوم عليه، وهنا يواجه رئيس الحكومة مصيره بمفرده، ويصبح عرضة للرحيل تحملاً لمسؤولية فشل كان ضحية له قبل أن يكون سبباً.
هكذا أصبحت اللعبة السياسية أكثر صعوبة، لكن ماذا عن اللاعبين أنفسهم، هل أصبحوا أسوأ أيضاً؟ التمعن بقائمة رؤساء الوزراء منذ عام 2016، والأشخاص الذين استعانوا بهم في حكوماتهم، وقادة المعارضة الذين واجهوهم، تجعل طرح السؤال مشروعاً، فكم واحداً بينهم كان سياسياً محنكاً؟ أو أهلاً لثقة الشارع في إدارة البلاد؟
ربما لا يتعلق الأمر بالموهبة وإنما بالحوافز من جهة ومعايير الاختيار من جهة ثانية، فراتب عضو البرلمان اليوم يقارب 100 ألف جنيه سنوياً، لكنه رقم ضعيف مقارنة مع دخل تنفيذيين وإداريين في القطاع الخاص، ناهيك بأن العمل البرلماني يستهلك من أوقات العائلة والحياة الأسرية كثيراً، ويعرض صاحبه لخطر حقيقي أحياناً.
في معايير اختيار الأحزاب لممثليهم، يقول مدير مركز "دراسات السياسات" روبرت كولفيل، إن النواب أصبحوا يهتمون بعدد المشاهدات على وسائل التواصل الاجتماعي، بدلاً من الفلسفة السياسية أو تنفيذ السياسات، كذلك يتم اختيارهم على أساس الولاء والالتزام بالحملة الانتخابية للحزب وليس على أساس الموهبة والكفاءة، وفق تعبيره.
لا نستطيع أيضاً تجاهل التغيرات الكثيرة التي طاولت الحياة وسرَّعت من إيقاعها في العقدين، زاد هذا من أعباء المسؤولين مثل غيرهم من أفراد المجتمع، ويكفي السياسي اليوم ما أفرزته التقنية من رعب التعرض للانتقاد أو الفضيحة بسرعة البرق، بسبب صورة أو تغريدة نشرها على وسائل التواصل حتى ولو قبل دخوله عالم السياسة.
هناك رهاب آخر بات يطارد الساسة البريطانيين خلال الأعوام الأخيرة، وهو استطلاعات الرأي التي ترصد شعبيتهم في الشارع، أما الناخبون، فباتوا أقل صبراً على ساستهم بعدما خذلوا من أحزابهم وممثليها مرات عدة، ودوامة الخوف والمطاردة التي يعيشها المجتمع مع قادته ربما لن تنتهي إلا بشخص لديه صبر وخطة ومثابرة.
شهد الأمين السابق لمجلس الوزراء، غوس أودونيل، ثلاث عمليات انتقال للسلطة، من جون ميجر إلى توني بلير، ومن بلير إلى غوردن براون، ومنه إلى ديفيد كاميرون، وحين التقى الأخير قبل انتخابه عام 2010، سأله ماذا تنتظر مني كرئيس للحكومة، فرد "وزراء يبقون في مناصبهم إلى أطول وقت ممكن حتى يتقنوا مهامهم".
يتذكر أودونيل أنه في مرحلة ما خلال عمله، عرفت البلاد تعيين تسعة وزراء للمعاشات خلال خمسة أعوام، ولعل براون الذي عين أخيراً مبعوثاً تجارياً لبريطانيا حول العالم، يعرف من خلال تجارب "العمال" وخصومه المحافظين، ماذا يعني تغيير القادة والمسؤولين، ولذا كانت نصيحته لنواب "العمال" اليوم بأن لا ينقلبوا على ستارمر.
إن التهديد بالإقالة يمكن أن يسبب القدر ذاته من الاضطراب الذي يحدثه الفعل نفسه، يقول داميان غرين إن تيريزا ماي عندما خسرت الغالبية في انتخابات 2017، غرقت في هواجس البقاء في منصبها حتى استقالت بعد عامين، ولم يفدها استحداث منصب وزير الدولة الأول وتسليمه إلى غرين من أجل مساعدتها في الشؤون الداخلية.
ريشي سوناك استعان بكاميرون، وأوكل له وزارة الخارجية ليتفرغ هو إلى معاركه الداخلية، ولكن التجربة فشلت أيضاً، وها هو ستارمر اليوم يكرر الأمر ذاته عبر الاستعانة ببراون ونائبته هارييت هارمان، سعياً وراء الاستفادة من مكانتهما لإخماد نيران التمرد ضد حكومته بعد خسارة حزب العمال الانتخابات البلدية الأخيرة.
راهن ستارمر على أن قاعدته الانتخابية ليس لديها مكان آخر تذهب إليه، لكنه كان مخطئاً، وقد أظهرت صناديق الاقتراع مرتين خلال أقل من عامين، أن البريطانيين يمكنهم أن يعاقبوا قادتهم وأحزابهم بشدة على نقض العهود، فهشموا حزب المحافظين في الانتخابات العامة عام 2024، ثم "العمال" الحاكم في الاستحقاق البلدي عام 2026.
حتى الآن المستفيد هو نايجل فاراج وحزبه "ريفورم"، مما جرى ويجري للحزبين الرئيسين في البلاد، ولكن الزعيم الشعبوي يجب أن يتعظ من أخطاء غيره، فالوعود غير القابلة للتنفيذ تقود أصحابها إلى كوابيس ونهايات قائمة في مسيرتهم السياسية.