Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المصريون يستحضرون ذكريات زلزال 1992 لكن بنسخة "أندرويد"

قدرت قوته بـ 5.6 درجة على مقياس ريختر ونسبة غير قليلة من السكان لا سيما في المناطق الشعبية هرعت إلى الشارع طلباً للاحتماء الجسدي تحسباً للانهيارات

شهدت مصر ليلة أمس زلزالاً لم تنتج منه خسائر (رويترز)

ملخص

بينما الزلزال آخذ في هز العمارات السكنية، ورج النوافذ، وخضخضة "الحلل" (أواني الطهي)، وزعزعة الكراكيب المتراصة في الشرفات سمة كل بيت مصري أصيل، كانت هواتف "الأندرويد" قد أطلقت عبر "غوغل" صافرات إنذارها (ويقال قبل حدوث أو الشعور بالهزة بثوان)، مصحوبة بإنذار أحمر اللون يفيد بحدوث زلزال مع خريطة توضح مركز الزلزال! الطريف أن كثراً ممن "حظوا" بالتنبيه المبكر سارعوا بمشاركة الإنذار، فبدا وكأنهم وهواتفهم كانوا على علم بوقوع الزلزال قبل حدوثه. وكتب أحدهم على "فيسبوك"، "هاتفي كان على خاصية الصمت، وعلى رغم ذلك دوى صوت إنذار مفاجئ مفجع تسبب لي في رعب يفوق رعب الزلزال نفسه".

في تمام الثالثة صباحاً، تحركت ملايين الأيدي في حركة لا إرادية صوب الهواتف المحمولة المثبتة على جانبي الفراش. وبأعين نصف مغلقة، وقلوب تتسارع دقاتها، وعقول تحاول التيقن إذا كان ما يجري جزءاً من كابوس، أم أن شيئاً ما مرعب يحدث بينما الأصابع تدق إما على "غروب العمارة" أو "صفحة العيلة" أو تطبيق "السوشيال ميديا" المفضل، بحثاً عن الخبر اليقين.

يبدو أن صيف مصر الذي يمنع أو يدفع كثراً صوب النوم نهاراً والاستيقاظ ليلاً ظهر واضحاً جلياً عبر ملايين التدوينات والتغريدات التي اكتفت إما بكلمة "زلزال"، بعضها مصحوب بعلامة تعجب والبعض الآخر مذيل بعلامة استفهام، التي فرضت نفسها على الأثير في الثالثة وبعض ثوان، بل إن بعضها ظهر بينما خزانات الملابس تتمايل، وإضاءات الأسقف ترتطم ببعضها، وضرف (ضلف) النوافذ تبدو كأنها تهدد بالانتحار، ومحتويات خزانات المطبخ تصدر أصوات احتكاك زجاج الأكواب بمعدن أوعية الطهي.

في تلك الأثناء، كانت الطيور قد استيقظت قبل موعدها بنحو ساعتين، وأخذت تزقزق بهستيرية، والكلاب الضالة التي تصدرت "ترند" اهتمامات المصريين بين محب وكاره على مدار أشهر، انخرطت في أوركسترا نباح متصل.

صخب الزلزال

ثواني البحث عن معلومة، والتنقيب عن خبر، والركض للاطمئنان على الصغار في الغرفة المجاورة، ومحاولة تذكر مخبأ القليل أو الكثير من المشغولات الذهبية، ومحاولة حساب الوقت اللازم للهرولة على سلم العمارة، وإن كان يكفي لأخذ ما تيسر من "كاش" أم أن "العمر ليس بعزقة"، ناهيك عن تجمد البعض في وضعه على الفراش مع بحلقة في السقف وعجز عن التفكير في ما ينبغي عمله مرّت كأنها أعوام.

وفي تحرك جماعي أيضاً، أضيئت معظم الغرف في غالب العمارات السكنية في المدن والقرى المصرية التي شعر أهلها بالزلزال الذي شعرت به الغالبية وكأنه جاء شخصياً ليدق على كل باب. قوة الزلزال المقدرة بـ5.6 درجة على مقياس ريختر شعر بها المصريون وكأنها سبع درجات، وذلك للصخب الشديد الذي نجم عن الهزة التي تبين أنها وقعت على عمق 10 كيلومترات فقط وعلى بعد 38 كيلومتراً شمال السويس.

إضاءة الغرف لم تدم طويلاً، فقد بدأت الذاكرة الجماعية للكبار تستحضر الدروس القاسية المستفادة، وثقافة الزلازل التي كونها زلزال عام 1992 المحفور في ذاكرة المصريين الذين عاصروه. إنه الزلزال الذي يمكن اعتباره المصدر الرئيس لخبرة المصريين الحقيقية مع الزلازل، والمنهل المستمر لقصص وحكايات الخوف والرعب من الكوارث الطبيعية غير المعتادة في التاريخ المصري المعاصر، والسبب الرئيس لتطور ما يعرف بـ"ثقافة الزلازل"، إذ نجم عنه طوفان من المراجعات الرسمية لوضع خطط جديدة للتعامل مع الزلازل، وتفعيل وتحديث الموجود منها، ودمج القواعد والنصائح الخاصة بالتصرف في حال حدوث زلزال في المدارس وأماكن العمل والسكن في المناهج التعليمية، إضافة إلى خروج مفهوم "الزلزال" مصرياً من حيز الأفلام الهوليودية التي تطرقت إلى زلازل وعلى رأسها فيلم "زلزال" (1974) لتشارلتون هستون وآفا غاردنر، ونطاق رائعة محمد رشدي "كعب الغزال" التي ناشد فيها المحبوب صاحب "كعب الغزال" بأن "يبطل يمشي بحنية (بحنان) لا يقوم زلزال".

"قيام" زلزال (وهو الفعل الذي يستخدمه البعض للدلالة على وقوع زلزال) الثالث من أغسطس (آب) الجاري يعد التعارف الحقيقي الأول بين أجيال الألفية أو "ميلينيال"، تحديداً أواخر الألفية، و"زد"، و"ألفا"، وبالطبع "بيتا" وعمر أكبرهم عام واحد. ما سبقه من هزات رصدها "المرصد" ولم تشعر بها الغالبية، أو زلزال 1992 وما يسرده عنه الآباء والأجداد في حكايات "مملة" عن الخوف والإيمان والمباني المنهارة وتراجيديا عمارة مصر الجديدة ومعجزات انتشال البعض من تحت الأنقاض، أو ما يدرسونه في مناهج المدرسة ويكتبونه في الاختبار عن تعريف الزلزال، وأسبابه، وشرح حركة صفائح القشرة الأرضية وما يدور في باطن الأرض واحترار الطاقة بسبب الصدوع، وطريقة القياس، وقصة "ريختر"، وقواعد الأمان، كل ذلك في كفة، وما جرى في الثالثة من صباح اليوم الثالث في كفة.

 

اللافت أن كفة الزلزال بين الأجيال الأصغر سناً توقفت كثيراً عند ميزة هواتف "أندرويد" التي بدأت تفجر جدليات البيع والشراء والاستبدال في كثير من البيوت الناجية من الزلزال، لكن لم تكتب لها النجاة من تطلعات الصغار التقنية.

فبينما الزلزال آخذ في هز العمارات السكنية، ورج النوافذ، وخضخضة "الحلل" (أواني الطهي)، وزعزعة الكراكيب المتراصة في الشرفات سمة كل بيت مصري أصيل، كانت هواتف "الأندرويد" قد أطلقت عبر "غوغل" صافرات إنذارها (ويقال قبل حدوث أو الشعور بالهزة بثوان)، مصحوبة بإنذار أحمر اللون يفيد بحدوث زلزال مع خريطة توضح مركز الزلزال! الطريف أن كثراً ممن "حظوا" بالتنبيه المبكر سارعوا بمشاركة الإنذار، فبدا وكأنهم وهواتفهم كانوا على علم بوقوع الزلزال قبل حدوثه. وكتب أحدهم على "فيسبوك"، "هاتفي كان على خاصية الصمت، وعلى رغم ذلك دوى صوت إنذار مفاجئ مفجع تسبب لي في رعب يفوق رعب الزلزال نفسه".

خاصية "الأندرويد" فجّرت زلازل جدلية في بعض البيوت حيث مطالبات استبدال الـ"آيفون" به، أو تحديث الموجود بآخر فيه خاصية التنبيه والتحذير، لا سيما أن "شيماء بنت خالتي" وصلها التحذير، و"محمود ابن طنط حنان" أرسل لنا "سكرين شوت" من التنبيه.

تبقى هذه البيوت مشتتة بين محاولات صرف انتباه الأبناء بعيداً من شهوة الشراء، وبين البقاء على أهبة الاستعداد تحسباً للهزات الارتدادية، التي وقع ما لا يقل عن خمسة منها في الساعات التالية للهزة الرئيسة.

نار الشوارع الضيقة

بقية البيوت منخرطة في خليط من المراجعات والذكريات، لا سيما أن نسبة غير قليلة من السكان، وبخاصة في المناطق الشعبية هرعت إلى الشارع طلباً للاحتماء الجسدي تحسباً لانهيار العمارة، أو سعياً إلى الدعم النفسي حيث الوقوف مع "عم أحمد" و"الأستاذ فتحي" و"الحاج حسين"، أو الجلوس على قارعة الطريق جنباً إلى جنب مع الجارات والصديقات يخفف من وطأة رعب الزلزال، ويساعد على مرور وقت الترقب، وتوقع حدوث المحظور بأقل هامش من القلق والوجل.

ولأن شر البلية ما يضحك، فإن لجوء البعض إلى الشوارع جاء بناءً على نصائح متداولة منذ زلزال عام 1992، وأخرى جرى الوصول إليها عبر محركات البحث، وتنصح باللجوء إلى أرض فضاء، أو مكان فسيح مفتوح، والابتعاد تماماً عن العمارات والمباني تحسباً لانهيارها، ولو بعد حدوث الزلزال بساعات. الصور المتداولة تظهر تجمعات بشرية ضخمة في بعض الأماكن، حيث الأجساد المتلاصقة، في شوارع ضيقة جداً، تظللها المباني السكنية من الجانبين مما يجعل اللجوء إلى "أرض فضاء" أشبه بالهرب من المقلاة إلى النار.

كثر ممن عاصروا زلزال عام 1992 لاحظوا أن المشكلة التي أرّقت البعض وقتها، من أن نساء هربن إلى الشارع بملابس النوم، قد اختفت في الزلزال الجديد، إذ لوحظ قدر أوفر من الاحتشام، باستثناء بعض الرجال الذين ظهروا بملابسهم الداخلية.

 

وعلى ذكر النساء، وكما هو متوقع تماماً في ظل نسخ التدين الجاري الترويج لها، التي تتخذ من النساء والفتيات والطفلات وقوداً لها، فقد بدأت تدوينات وتغريدات تتفجر عبر الأثير عقب احتساء فنجان القهوة الأول بعد الزلزال. جانب من هذا المحتوى الذي يخضه رجال وشباب عد الزلزال إما ابتلاء للمؤمنين الغرض منه تعظيم الثواب وزيادة الحسنات داعياً الإناث إلى مزيد من الاحتشام وزيادة عدد طبقات الملابس، لأن صلاح المجتمع يبدأ من صلاح نسائه، أو بلاء للمجتمع الذي تعيش فيه نساء غير محتشمات، مطالباً بسرعة الحجاب والنقاب بغرض النجاة.

أحد هؤلاء كتب "نريد شن حملة ضد الغلط وضد النسوان الشمال (سيئات التصرف والأخلاق) والرقاصات العاريات، ربما يكون الزلزال موعظة من الله. رجاء النشر في كل الغروبات، لعل البنطلونات الضيقة والملابس العارية تختفي. شاركوا المنشور في كل الغروبات لعل ربنا يرضى عنا".

في سياق متصل، يجري تبادل ونشر أدعية الزلازل وتضرعات الكوارث، لكن بصورة أكثر عقلانية ودون تحديد جناة أو توجيه أصابع اتهام تقف وراء حدوث الزلزال والكوارث، لكن الأمر لا يخلو من أسئلة تنهمر على رأس دار الإفتاء من قبيل "هل الزلازل غضب من الله؟" و"هل الصلاة مستحبة وقت وقوع الزلزال؟" و"هل يجوز للمرأة أن تهرب إلى الشارع دون حجاب بسبب الزلزال؟"، لكنها بدأت في التدفق بعد ضمان السائلين أنهم نجوا بأنفسهم من الزلزال.

النوم شرط انتظار الإشعار

وبحكم توقيت الزلزال، فقد عادت الملايين للنوم طلباً للراحة، وربما هرباً من رعب الزلزال، لكن بعد ما جرى إرسال آلاف الرسائل للأهل والأصدقاء من حاملي الهواتف التي تحذر من الزلازل قبل وقوعها، لإبلاغهم فور ورود أنباء هزة ارتدادية شرط أن تكون ثلاث درجات أو أكثر، وذلك لعمل اللازم.

ولحسن الحظ أن صرعة توجيه الاتهامات للمؤامرات الكونية التي يجري تدبيرها من قبل أساطين التكنولوجيا، ومليارديرات الرقمنة والذكاء الاصطناعي، وأنهم من يقفون وراء الزلزال، استناداً إلى تنبؤ "أندرويد" بدعم من "غوغل" بالزلزال وقوته، قد دحرت في مهدها، وذلك بانتشار التفسيرات العلمية التي تشرح كيف حدث ذلك.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ملايين الهواتف يجري تحويلها إلى أجهزة قياس زلازل مصغرة، عبر استخدام ما يعرف بتقنية استشعار الحركة المدمجة، ونقل الموجات الزلزالية عبر بيانات الإنترنت السريعة، وإصدار إشعارات متدرجة. وعلى مدار الأعوام الخمسة الماضية، تمكن جهاز إنذارات "أندرويد" للزلازل من كشف وتحديد آلاف الزلازل، وإرسال ملايين الإنذارات إلى أصحاب هذه الهواتف في نحو مئة دولة، وهو ما أعطاهم، بحسب دراسة منشورة في دورية "ساينس" (يوليو 2025) فرصة الثواني الذهبية لاتخاذ اللازم قبل وقوع الهزة، مثل النزول من على سلم مرتفع، أو الاحتماء تحت فتحة باب أو مكتب، أو احتضان الصغار.

الطريف أن البعض رفض التخلي عن ميول الهبد العنكبوتي وجهود الإفتاء في كل شيء وأي شيء، فبدأ تحليل أسباب اختلاف الدرجات المعلنة لقوة الزلزال بين 5.2 و5.6 درجة، وتوقيت وقوعه بين الثالثة والثالثة ودقيقة، سواء على إشعارات "غوغل" أو بيانات المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية. هذه الجهود ساعدت في ملء وقت الفراغ الذي تلا الزلزال، لا سيما أن نسبة التغيب عن العمل ارتفعت بصورة ملحوظة.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات