ملخص
تُعد الطبقة الوسطى في مجتمع غزة صمام الأمان المجتمعي والعمود الفقري للاقتصاد المحلي، وتتكون من الأشخاص الذين يمتلكون رواتب جيدة وبيوتاً مريحة ولديهم مدخرات بسيطة ولا يحتاجون إلى مساعدة من أحد. لكن القتال العسكري بين حركة "حماس" وإسرائيل أدى إلى انهيار هذا الأمان بالكامل
كانت عقارب الساعة تقترب من منتصف الليل، والجوع في خيمة المعلمة سميرة ينهش بطون أطفالها. جلست المعلمة الأم في زاوية خيمتها، تضمهم إلى صدرها وهي تشعر بارتجاف أجسادهم الصغيرة من الصقيع والجوع.
لم تكُن سميرة قبل أشهر مجرد رقم في كشوفات النازحين، كانت معلمة لغة إنجليزية متميزة في إحدى أرقى المدارس الخاصة بغزة. كانت تدخل صفها كل صباح بكامل أناقتها وطاقتها وابتسامتها تسبقها، تفخر دائماً بأنها تبني جيلاً يتقن لغة العالم وتعتبر طالباتها بمثابة بناتها.
دفتر العلامات
في خيمتها الحالية، لم ينجُ من ركام بيتها وحياتها السابقة سوى حقيبة صغيرة بداخلها وثائق العائلة، ودفتر علامات قديم لطلابها، كانت دسّته بين الأوراق. في تلك الليلة، عاد زوجها للخيمة ويداه فارغتان، ووجهه يكسوه العجز والانكسار، إذ طاف المخيم كله يبحث عن قطعتي حطب أو بضع كراتين أو حتى أغصان شجر جافة لإشعال نار صغيرة، لكنه وجدها بأسعار خيالية تعجز موازنتهم المتآكلة عن دفعها.
بكى الأطفال من الجوع، والتفتوا نحو أمهم يسألونها عن علبة الفاصولياء المجففة التي وعدتهم بطهيها، نظرت سميرة حولها في عتمة الخيمة، ولم تجد شيئاً يمكن التضحية به سوى تلك الحقيبة الصغيرة. سحبت دفتر العلامات ذا الغلاف الكرتوني الملون ونظرت إليه لثوانٍ طالت كأنها دهر.
فتحت الدفتر، ووقعت عيناها تحت ضوء شمعة شاحبة على أسماء طالباتها، وخط يدها المرتب وهي تضع علامات "كاملة" للمتفوقات، وعبارات الثناء مثل "ممتازة" و"مستقبلك مشرق"، تذكرت ضحكاتهن في الممر وطموحاتهن الصبية.
بللت دمعة حارة الصفحة الأولى، لكن بكاء طفلها الصغير أيقظها من ذكرياتها، بحركة ترتجف وقاسية مزقت سميرة الصفحة الأولى ثم الثانية، ووضعتها تحت القدر الصغير وأشعلت فيها عود ثقاب. تقول "كنت أنظر إلى أسماء طالباتي المتفوقات وأنا أضع أوراقهن تحت النار لتلتهمها النيران. مع كل صفحة تحترق، كنت أشعر بأن جزءاً من روحي، من تاريخي المهني، ومن قهر تعبي طوال أعوام يتحول إلى رماد".
قبل الحرب كانت سميرة من الطبقة الاقتصادية الوسطى في مجتمع غزة، لكن بسبب القتال العسكري وما تبعه من ظروف معيشية صعبة، سحقت الطبقة الوسطى والطبقة العليا اقتصادياً واجتماعياً، جعلت معلمة اللغة الإنجليزية تتساوى مع الجميع في المعاناة بعد فقدان مصادر دخلها وممتلكاتها.
وتتابع بصوت متهدج "صدمة الهبوط الطبقي ليست مجرد خسارة مال، بل هي أن تتحول من إنسانة ملهمة تعلم أجيالاً وتخطط للمستقبل، إلى امرأة بدائية مكسورة كل همها في الحياة أن تبحث عن ورقة قديمة لتشعل بها ناراً تدفئ بها أطفالها، لقد قتلت الحرب كبرياءنا قبل أجسادنا".
تُعد الطبقة الوسطى في مجتمع غزة صمام الأمان المجتمعي والعمود الفقري للاقتصاد المحلي، وتتكون من الأشخاص الذين يمتلكون رواتب جيدة وبيوتاً مريحة ولديهم مدخرات بسيطة ولا يحتاجون إلى مساعدة من أحد. لكن القتال العسكري بين حركة "حماس" وإسرائيل أدى إلى انهيار هذا الأمان بالكامل، وانضمت هذه الفئة إلى مجتمع المسحوقين والفقراء الذين يعولون على المساعدات الإنسانية بعدما ذابت الفوارق بين الناس، وجعلت الطبيب والمهندس والتاجر والموظف يعيشون الظروف القاسية ذاتها.
طبقات مجتمع غزة الاقتصادية
قبل أحداث أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023، كان المجتمع في قطاع غزة مقسماً طبقياً واقتصادياً إلى ثلاث فئات، جميعها تأثرت بشدة من الحصار الإسرائيلي والحروب المتكررة والانقسام السياسي داخلياً، مما خلق تركيبة معقدة كانت فيها نسبة الفقر مرتفعة جداً، لكن المجتمع ظل محافظاً على ملامح طبقية.
كانت الطبقة الميسورة العليا تشكل نسبة محدودة جداً، إذ تشير بيانات مركز الإحصاء الفلسطيني (مؤسسة رسمية) إلى أن هذه الفئة تقدر بنحو خمسة في المئة كحد أقصى من المجتمع، وتتركز في كبار التجار ورجال الأعمال المستوردين والمقاولين الكبار والشركات وعائلات ذات نفوذ اقتصادي تاريخي أو سياسي، وبعض القيادات والشخصيات المتنفذة سياسياً واقتصادياً. وكان هؤلاء يمتلكون رؤوس أموال تتيح لهم العيش بترف، ولديهم القدرة على السفر والتنقل عبر المعابر وامتلاك الفيلات والسيارات.
والفئة الثانية، الطبقة الوسطى التي تُعد صمام الأمان، فبحسب بيانات جهاز الإحصاء، كانت الطبقة الوسطى تمثل الثقل الديموغرافي والعمود الفقري الحركي للاقتصاد، ونسبتها في المجتمع 45 في المئة، وتنقسم إلى شريحتين نتيجة الظروف السياسية والرواتب.
الشريحة الأولى هي الطبقة الوسطى المستقرة وتشمل الأطباء والمهندسين والأكاديميين في الجامعات والموظفين التابعين للسلطة الفلسطينية الذين يتقاضون رواتب منتظمة، وموظفي "الأونروا" والمؤسسات الدولية والمحلية الكبرى.
أما الشريحة الثانية، فهي الطبقة الوسطى الهشة وتشمل موظفي الحكومة المحلية في غزة الذين كانوا يتقاضون دفعات مالية غير كاملة من رواتبهم وأصحاب المتاجر والمشاريع الصغيرة والمقاولين. وكانت هذه الفئة تعيش حياة كريمة ومستقرة، إذ يمتلك الأشخاص ضمنها شققاً سكنية، يعلمون أبناءهم في الجامعات، ولديهم قدرة شرائية جيدة تدعم الأسواق.
والفئة الثالثة في مجتمع غزة هي الطبقة الفقيرة، وكانت تشكل 50 في المئة من السكان كأفراد يعيشون تحت خط الفقر الوطني بصورة دائمة، ويعتمدون على المساعدات الغذائية المستمرة لتسيير حياتهم. وتتكون من العمال اليوميين في البناء والزراعة والخياطة والسائقين والصيادين والعاطلين من العمل والخريجين الجدد الذين لم يجدوا فرصاً.
الطبقة الوسطى انهارت إلى القاع
يعلق الباحث الاقتصادي غسان الحرازين، قائلاً "على رغم الحصار الخانق وضيق الحال قبل الحرب، كان هناك تنوع ونظام اقتصادي يدير نفسه. فالغني والموظف ينفقان في الأسواق، والفقير يجد شبكة أمان إغاثية أو فرص عمل موقتة. لكن بعد الحرب انصهرت هذه الطبقات الثلاث تماماً وتلاشت الفوارق، لتصبح الغالبية العظمى تبحث عن مقومات البقاء الأساسية في الخيام".
ويضيف أن "الكتلة الوسطى كانت تمتلك دخلاً ثابتاً يحميها من الفقر قبل الحرب، لكنها تلاشت اقتصادياً بالكامل بعدها بسبب انقطاع الدخل وتدمير الأصول. في غزة قفزت نسبة الفقر لتتجاوز 90 في المئة من إجمال السكان الذين باتوا يعيشون في حال عوز شديد معتمدين كلياً على التكايا والمساعدات الشحيحة، وارتفعت معدلات البطالة بصورة قياسية لتصل إلى 80 في المئة".
ويوضح الحرازين أن الانصهار الطبقي جعل الـ 45 في المئة التي كانت تمثل الطبقة الوسطى تهبط بالكامل إلى قاع الهرم الاقتصادي، ليصبح المجتمع بأكمله متساوياً في المعاناة والنزوح والبحث عن أساسيات البقاء.
أسباب انهيار الطبقة المتوسطة اقتصادياً
كثيرة هي أسباب انهيار الطبقة الوسطى وتآكلها، إذ أدى تدمير المصانع والشركات والمنشآت التجارية بسبب القتال العسكري إلى خسارة مصادر الدخل وشلل قطاع الإنتاج، وتبعه الغلاء الفاحش وارتفاع أسعار السلع الأساسية بنسب جنونية تجاوزت 300 في المئة، مما أدى إلى سحق هذه الفئة.
ويقول مسؤول نقابة العمال وأكثر من تعامل مع طبقات المجتمع سامي العمصي "أسهم شح النقود وصعوبة سحب المدخرات مع تعطل الجهاز المصرفي في سحق الطبقة المتوسطة اقتصادياً، فالشقة التي دفع الموظف عمره ليشتريها قصفت، والشركة التي كانت تدرّ دخلاً تحولت إلى ركام".
ويضيف أن "غلاء الأسعار أجبر العائلات على صرف كل أموالها المدخرة لشراء أساسيات بسيطة مثل الطحين أو المعلبات بأسعار مضاعفة مئات المرات. وأصبح الشخص الذي كان ضمن الطبقة الوسطى يقف في طابور للحصول على كوبونة مساعدات، أو وجبة طعام".
ويوضح العمصي أن هذا التحول يعني أن المجتمع فقد عموده الفقري، لأن إعادة بناء أي بلد بعد الحرب تعتمد أساساً على هذه الفئة المتعلمة والمنتجة، وغيابها يجعل التعافي الاقتصادي والاجتماعي مستقبلاً أمراً في غاية الصعوبة.
ويؤكد انصهار الطبقة الوسطى في قطاع غزة، مشيراً إلى أن ذلك يعني ذوبان الفوارق الاقتصادية والاجتماعية التي كانت تميز هذه الفئة، وتحول أفرادها بالكامل إلى صفوف الطبقة الفقيرة والمعدمة، ويبيّن أن موظفي القطاع العام والعاملين مع "الأونروا" باتوا يتقاضون نسباً ضئيلة من رواتبهم، مما أدى إلى تضرر قدرتهم المالية.
ويلفت إلى أن النزوح القسري المتكرر فرض نمط حياة بدائياً موحداً، فيعيش الطبيب والمهندس في خيمة مجاورة لعائلة كانت تعاني الفقر الشديد قبل الحرب. وأسفر هذا السحق عن تلاشي قدرة الطبقة الوسطى على الاكتفاء الذاتي والشراء من السوق الحرة، بعدما اختفت الأسواق الطبيعية وأصبح المعيار الوحيد للحياة هو الحصول على الماء والطعام الإغاثي، مما جعل الطبيب والمهندس والأكاديمي يتساوون في الطابور مع الفئات الأشد فقراً للحصول على المساعدات.
تحولات قسرية
عاش الغزيون تحولات قسرية أعادت صياغة واقعهم الاقتصادي، وتقول الأستاذة الجامعية إيمان "جامعتي قصفت بالكامل، وراتبي انقطع منذ أشهر طويلة، وما بقي من مدخراتي البسيطة التهمه التضخم وغلاء الأسعار الفاحش. فكيلو البصل أو السكر أصبح يتطلب موازنة كاملة، واضطررت إلى بيع مصاغي الذهبي بالكامل لتدبير ثمن الحطب والغذاء".
وتضيف "أعيش حرجاً اجتماعياً قاتلاً، أنا التي كنت أقف أمام مئات الطلبة لأحاضر في التنمية والإدارة، أجد نفسي اليوم أبحث بين الأزقة عن كرتون أو خشب لإشعال النار لطهي المعلبات. في المرات الأولى التي اضطررت فيها إلى الذهاب إلى التكية لجلب وجبة طعام، كنت أغطي وجهي بالكامل خشية أن يراني أحد طلابي، فهذا التجريد من المكانة يدفعنا نحو الاكتئاب الحاد".
تجسد شهادات الغزيين عمق الفاجعة الإنسانية التي ضربت العمود الفقري للمجتمع، فيقول محفوظ "قبل الحرب كنت أدير شركة هندسية وأمتلك معرضاً لمواد البناء، والآن كل ذلك تحول إلى ركام بعد قصف المربع التجاري، خسرت أصولاً ومعدات تتجاوز قيمتها 150 ألف دولار، واليوم لا أملك 10 دولارات كاش في جيبي".
ويضيف أن "الأصعب ليس خسارة المال، بل الانكسار أمام أولادي. النزوح أجبرنا على العيش في خيمة من النايلون، حيث نتشارك الحمام مع 50 شخصاً. عندما يطلب مني ابني الصغير حذاءً بدلاً من حذائه المهترئ وأقف عاجزاً، أشعر بغصة تخنقني. لقد تحولتُ من شخص يشغّل عشرات العمال إلى رجل ينتظر دوره في طابور توزيع الطحين، وهذا إذلال نفسي لا يمكن وصفه".
أما الممرض أحمد، فيقول "أعمل تحت ضغط هائل وفي ظروف مستحيلة، ومع ذلك لا أتقاضى سوى سلف مالية شحيحة وبصورة غير منتظمة. عندما أعود لمراكز الإيواء أجد عائلتي تنام على الأرض بلا أغطية كافية، والفجوة بين دوري الإنساني كمنقذ في المستشفى وعجزي كأب داخل مركز النزوح، تصيبني بمرارة يومية. الطبقة الوسطى كانت تعيش بكرامتها، والآن سحقت الكرامة قبل الأجساد".
وعلاء الذي كان لديه متجر سحقته الحرب، يقول "أنا من عائلة تصنف من البيوت المستورة، اليوم نموت جوعاً داخل مكان نزوحنا ولا نخرج لطلب المساعدة أو الوقوف في الطوابير، عزة نفسي تمنعني من استجداء كوبونة أو طرد إغاثي من المؤسسات".
تفكيك محرك غزة
غياب الطبقة الوسطى وسحقها لا يعنيان مجرد زيادة في أعداد الفقراء، بل هما بمثابة تفكيك للمحرك الأساس الذي كان يحافظ على تماسك المجتمع واقتصاده، ويرى أستاذ الاقتصاد أمير الافرنجي أن "هذا الغياب يترك آثاراً كارثية وعميقة ستمتد لأعوام طويلة، أبرزها شلل تام في إنعاش الاقتصاد المحلي بسبب غياب القوة الشرائية".
ويردف أن "الطبقة الوسطى هي التي كانت تشتري المنتجات وتتردد على المطاعم، وغيابها يعني تحول غزة إلى اقتصاد إغاثي بحت، حيث يقتصر الطلب على الطحين والمعلبات، مما يمنع نشوء أية مشاريع تجارية لعدم وجود زبائن يمتلكون القدرة المادية على الشراء".
ويوضح الافرنجي أن سحق هذه الطبقة يعني أن جودة الخدمات الطبية والتعليمية تنهار تماماً، ولن تكون لدى المعلم وغيره القدرة الذهنية أو الجسدية لتقديم خدماته بكفاءة إلى المجتمع. وأضاف أن الجميع أصبحوا يبحثون عن طوق نجاة بمفردهم، ولم يعُد أمام الطبيب أو المهندس خيار للبقاء على قيد الحياة سوى التخلي عن كبريائه المالي والوقوف في طوابير المساعدات الإنسانية.
ويشرح الافرنجي أن خطة بناء غزة بعد الحرب تحتاج إلى عقول وخبرات محلية لإدارتها وتنفيذها، ومع تحول هؤلاء إلى نازحين يبحثون عن مقومات البقاء، ستواجه غزة عجزاً هائلاً في الكوادر البشرية المؤهلة لإعادة بناء ما دمرته الحرب.
لغة الحسابات
تقدم تقارير البنك الدولي لغة الواقع المالي والاقتصادي المنهار في قطاع غزة، وتكشف عن مدى تدمير وسحق الطبقة الوسطى بالكامل، إذ تقترب نسبة الفقر المطلق من 95 في المئة، بعدما كانت تبلغ 63 في المئة قبل الحرب.
أما انعدام الأمن الغذائي، فيصل إلى 96 في المئة، ومعدل البطالة في غزة هو الأعلى عالمياً، إذ وصل حالياً إلى 85 في المئة، وانكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 87 في المئة، وتجاوز معدل التضخم السلعي حاجز 250 في المئة.
وتوضح هذه الأرقام بلغة الحسابات كيف جُرد الطبيب والمهندس والتاجر والموظف، وهم فئات الطبقة الوسطى، من أمانهم المالي، وكيف تحولت ثروات ومدخرات المجتمع بالكامل إلى تمويل متطلبات البقاء والنجاة البيولوجية اليومية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
"أثرياء الأزمة"
يرتبط سحق الطبقة الوسطى في غزة طردياً بظاهرة صعود "أثرياء الأزمة" أو ما يسمى "نخب الحرب الجدد" الذين نمت وتضخمت أموالهم من خلال استغلال الجوع والندرة المطلقة، إذ أفرزت ظروف الحصار الخانق والدمار الشامل معادلة اقتصادية خطيرة، تلاشت فيها الفئات المتنوعة التي كانت تشكل نسيج المجتمع، لتنحصر البنية المجتمعية بين غالبية ساحقة تعيش الفقر المدقع، وفئة صغيرة جداً من "الأثرياء الجدد".
وتتضح معالم هذه الهيكلية الطبقية المشوهة في تحليل أستاذ الاقتصاد مازن العجلة الذي يقسم مجتمع غزة إلى قطبين، القطب الأول هم الغالبية الساحقة من الفقراء، والذي أصبح يضم الفقراء السابقين والعمال والطبقة الوسطى المنهارة من أكاديميين وأطباء وموظفين.
والقطب الثاني وهم الأقلية المستفيدة "تجار الحروب"، ويقول العجلة "نمت هذه الفئة الصغيرة نتيجة التحكم في السلع الشحيحة ومستلزمات الحياة الأساسية مثل السجائر والمعلبات والطحين والمحروقات. وباتوا يطبقون نظرية التربح من المعاناة، فيفرض هؤلاء التجار أسعاراً خيالية ومضاعفة مئات المرات مستغلين حاجة الناس، مما يتيح لهم تكديس ثروات طائلة وكاش نقدي سريع في وقت قياسي".
ويوضح العجلة أن هذا الانقسام الحاد والعمودي ليس مجرد أزمة اقتصادية عابرة، بل هو تدمير للمنظومة الأخلاقية والسلم الأهلي، إذ يشعر المواطن العادي بالقهر والظلم عند رؤية ثلة قليلة تزداد ثراء مستغلة دماره وجوعه، مما يترك ندوباً اجتماعية عميقة وصراعات داخلية قد يمتد أثرها لأعوام طويلة حتى بعد أن تتوقف الآلة العسكرية.
نزوح المال
استنزاف رأس المال التنموي والإنتاجي الذي كانت تمتلكه الطبقة الوسطى، وتحويله بالكامل إلى رأس مال طفيلي وسريع الحركة يتركز في أيدي قلة من المستفيدين، جاء بعد أن استغلت فئة تجار الأزمات، والذين باتوا أغنياء اليوم نتيجة الظروف التي يعيشها الغزيون.
يقول أستاذ الدراسات المالية أمين فايق "مع الارتفاع الفاحش في أسعار السلع وعمولات سحب الأموال، انتقلت الكتل النقدية تدريجاً وصورة كاملة من جيوب مئات الآلاف من الطبقة المتوسطة إلى صناديق فئة محدودة من تجار السوق السوداء والمضاربين. وهذا التحول خلق فجوة طبقية حادة، فجُردت الفئة التكنوقراطية والمثقفة من قوتها المالية، مقابل تخزين كاش مالي كبير لدى شبكات احتكارية لا تساهم في أي نشاط اقتصادي حقيقي".
ويضيف أن "رأس المال نزح بعد توقف الاستثمار في المشاريع طويلة الأجل إلى فئة المضاربة السريعة على المواد الشحيحة مثل الوقود والسجائر والطحين، إذ يشتري التاجر البضاعة صباحاً ويبيعها ظهراً بضعف السعر، محققاً أرباحاً سريعة من دون تقديم أية قيمة مضافة للمجتمع".
ويوضح فايق أنه في الوضع الطبيعي يتدرج المجتمع من فقير إلى متوسط دنيا، متوسطة، متوسطة عليا، ثم غني. لكن الحرب شطبت كل هذه الدرجات البينية وخلقت فرزاً عمودياً حاداً لا يعترف بالشهادات أو التاريخ المهني، فاستقرت الطبقة الوسطى بكل فروعها في قاع الهرم الاقتصادي جنباً إلى جنب مع الطبقات الأشد فقراً وعمال المياومة، في المقابل تشكل قطب معزول تماماً يضم "أثرياء الأزمة".
متلازمة الانكسار
خطورة هذا التحول تكمن في تجريد المجتمع من الطبقة العازلة الوسطى التي كانت تمتص الصدمات السياسية والاقتصادية، مما يجعل المجتمع بعد الحرب هشاً معرضاً للجريمة الاقتصادية. ويقول أستاذ علم النفس عدنان شرشرة "تُعد صدمة الهبوط الطبقي واحدة من أقسى الندوب النفسية غير المرئية التي خلفتها الحرب في غزة. هذا التحول القسري من دور المنتمي للنخبة والمخطط للمستقبل إلى دور الباحث عن النجاة البيولوجية خلف آثاراً نفسية وسلوكية مدمرة".
ويضيف أن "الدور الأبوي الحمائي تحطم، وأصيب الرجل في غزة بمتلازمة الانكسار الصامت والحرج الاجتماعي والاكتئاب الانعزالي، وبات يعاني الشعور بالذنب، وتسبب هذا التغير في اختلال العلاقات الأسرية بسبب عقدة التقصير الجسيمة. وينعكس هذا الاحتراق النفسي والضغط المتواصل في كثير من الأحيان على شكل توترات عائلية حادة وسرعة غضب".
ويشرح شرشرة "عندما يرى الأب المتعلم الذي قضى عمره في البحث والدراسة والعمل الشريف نفسه عاجزاً عن حماية كرامة أسرته، بينما يرى أثرياء الأزمة والمراهقين المضاربين ينعمون بالمال والنفوذ، يصاب بأزمة وجودية حادة، وتنمو لديه مشاعر الإحباط والعدائية الطبقية، ويتولد لديه شعور عميق بالظلم والاضطهاد النفسي، وحينها يفقد الثقة بقيم العدالة الاقتصادية والاجتماعية".