ملخص
تواجه نساء غزة فراغاً قانونياً وإنسانياً قاسياً بعد انهيار المحاكم وتدمير المؤسسات، فيما تضاعفت حاجتهن إلى الدعم النفسي والقانوني وسط الحرب والنزوح وفقدان المعيل. منظمة "وفاق" تحاول سد هذا الفراغ بموارد محدودة بعد قطع التمويل الأميركي، في وقت تتحمل فيه النساء أعباء الولادة والفقر والعنف والصدمة النفسية بلا حماية كافية.
عندما دخلت رنين مرحلة المخاض في غزة، اتصلت بيأس لطلب سيارة إسعاف، لكن المسؤول عن تنسيق الإسعاف أخبرها أن الخدمة لا تستجيب إلا للمصابين، وفي النهاية عثر أحد جيرانها على عربة يجرها حصان لنقلها، فأخذت تشق طريقها ببطء عبر خان يونس، جنوب القطاع المحاصر، فيما لم تكن رنين تجد متسعاً كافياً لالتقاط أنفاسها بين الانقباضات.
أبصرت ابنتها النور في حرب كانت قد أودت بحياة ابنها وتركت زوجها مريضاً حد العجز عن العمل، وخلال حملها عانت سوء التغذية وفقر الدم ونقص الفيتامينات، وتقول لـ "اندبندنت"، "معاناتنا هائلة، وُلدت ابنتي وسط هذه المأساة".
بعد أشهر عدة سمعت رنين عن منظمة "وفاق"، وهي منظمة تقودها نساء في غزة، من طريق معارفها، وقدمت لها المنظمة فراشاً وأتاحت لها الحصول على دعم من معالجة نفسية.
ورنين واحدة من 50 ألف شخص تلقوا الدعم هذا العام من "وفاق" التي تقدم المساعدة القانونية والرعاية النفسية والاجتماعية، وخطاً ساخناً لحالات العنف القائم على النوع الاجتماعي، ومساعدات إنسانية، وهو رقم يزيد على ضعف عدد من كانت تصل إليهم قبل الحرب.
اندلعت الحرب داخل غزة عقب هجوم دموي شنته "حماس" داخل إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، قُتل فيه نحو 1200 شخص واحتُجز 250 آخرون رهائن، أما الحرب التي شنتها إسرائيل رداً على "حماس"، فأودت بحياة أكثر من 70 ألف فلسطيني، وفقاً لمسؤولي الصحة في القطاع.
وبحسب "وفاق"، قطعت واشنطن تمويل برنامج مدته خمسة أعوام كانت تدعمه "الوكالة الأميركية للتنمية الدولية" بقيمة تقارب المليون دولار سنوياً، وذلك مطلع عام 2025، بعد عامين من بدايته، وجاء ذلك ضمن تفكيك دونالد ترمب للوكالة بعد عودته للبيت الأبيض لولاية رئاسية ثانية.
تقول مديرة "وفاق"، بثينة صبح، "توقف كل شيء فجأة وكانت فترة صعبة للغاية، ولو استمر ذلك المشروع لكان نطاق الخدمات وجودتها مختلفين تماماً".
وقد تواصلت "اندبندنت" مع وزارة الخارجية الأميركية للتعليق على خفض التمويل.
عثرت "وفاق" على ممولين آخرين وواصلت عملها لكن بطاقة أقل، في محاولة لاستيعاب موجة متصاعدة من الحاجات بجزء ضئيل من مواردها السابقة.
وتواصل هذه الحاجة الاتساع لأن المؤسسات التي كانت النساء يلجأن إليها عادة لم تعد قائمة، فقد كانت المحاكم الشرعية في غزة صاحبة الاختصاص الحصري في قضايا الطلاق والحضانة والميراث والوصاية، ووثق تقرير صادر عام 2025 عن "المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان" انهياراً شبه كامل لهذا النظام، مع تدمير المحاكم والأرشيف، وفقدان آلاف ملفات القضايا، ومقتل قضاة وموظفين أو نزوحهم.
وفي جلسة أممية لحقوق الإنسان عقدت في مارس (آذار) الماضي، قالت ممثلة لمنظمات نسائية فلسطينية إن تسوية النزاعات انتقلت إلى مخيمات النزوح وجلسات وساطة مرتجلة "حتى تحت الركام".
وتقول رندا، وهي محامية تعمل مع "وفاق" من خلال منظمة "أكشن إيد"، إن العنف وجد طريقه إلى هذا الفراغ، فبعد تدمير مقر القضاء في غارات جوية، عُلّق عمل المحاكم بالكامل، تاركاً النساء بلا سبيل قانوني للمطالبة بحقوقهن، وتضيف "أتاحت هذه الحرب للرجال التهرب من منح النساء حقوقهن بسبب غياب الشرطة والمحاكم، وتوقف كثير من الرجال عن منح النساء حقوقاً مثل النفقة أو إعالة الأطفال".
وتتلقى رندا اتصالات من نساء يحتجن إلى الطلاق، وأخريات لم يحصلن على نفقة أطفالهن منذ أكثر من عام، ونساء لا يستطعن تنفيذ ترتيبات حضانة كانت قائمة قبل بدء الحرب، ويُعتقد أن في غزة الآن ما لا يقل عن 22 ألف أرملة، فيما تتجاوز بطالة النساء 90 في المئة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويقول "المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان" إن استهداف المحاكم الشرعية يندرج ضمن سياسة إسرائيلية ممنهجة لتفكيك البنى المؤسسية والقانونية الفلسطينية، وقد نفت إسرائيل ذلك مراراً، وقالت إنها لا تستهدف المدنيين أو البنية التحتية المدنية.
تدير نسرين، وهي إحدى المعالجات النفسيات في "وفاق"، جلساتها من داخل خيمة، ومعها طفلتها الرضيعة البالغة شهرين، وتصف نساء يصلن إلى الجلسات غير قادرات على التركيز بسبب سوء التغذية، وبعضهن يُغمى عليهن داخل الغرفة، وتقول "بدت على كثيرات منهن علامات واضحة للصدمة النفسية، وكثيرات حملن شعوراً عميقاً بالذنب، معتقدات أن أطفالهن أو أزواجهن كانوا سيبقون على قيد الحياة لو أبقين أبناءهن في المنزل، أو منعن أزواجهن من الخروج"، مضيفة أن "أصعب ما في عملنا أننا في كثير من الأحيان نكون طالبات الدعم ومقدماته في الوقت نفسه".
ووفقاً لـ"هيئة الأمم المتحدة للمرأة"، تتلقى منظمات حقوق النساء حول العالم أقل من واحد في المئة من التمويل الإنساني والتمويل الموجه إلى قضايا النوع الاجتماعي، على رغم أنها منظمات محلية ومتجذرة وتعمل فعلاً على الأرض، في وقت لا تزال المنظمات الدولية تحاول ترتيب سبل وصولها وعملها الميداني.
كان تمويل "الوكالة الأميركية للتنمية الدولية" الذي وصل إلى "وفاق" فعالاً، إذ أبقى المحامين في وظائفهم، والخدمات قائمة للنساء اللواتي لم يكن لديهن مكان آخر يلجأن إليه، وتقول نسرين "أعيش الآن في خيمة لا توفر الأمان ولا الحماية، وهذه كلها أمور فقدناها الآن".
هذه المادة أُنجزت ضمن مشروع "إعادة التفكير في المساعدات العالمية" الذي تنشره "اندبندنت".
© The Independent