ملخص
ما بين الشد والتضييق، أغلق المضيق وتأثرت الصادرات والواردات الخليجية، ومارست إيران ورقة قرصنة دفعت ثمنها مع جيرانها ولسان حالها يردد "أنا الغريق فما خوفي من البلل؟"، فهل تغرق إيران في مضيق هرمز؟ أم أن ترمب سيخفف الخناق عليها ويوسعه بموجب اتفاق يراوح في إسلام آباد، ونسمع عنه ولم نره منذ وقف إطلاق النار؟
المضيق ممر مائي طبيعي يربط بين بحرين، وتتشاطأ حوله دولتان أو أكثر، وإذا ما استثنينا مضيق البوسفور الذي يمر عبر الأراضي التركية، فإن المضائق الأخرى في العالم تتشاطأ حولها دولتان أو أكثر، أما القنوات البحرية فتكون من صنع الإنسان الذي حفرها على أرض بلاده، وأشهرها قناة السويس المصرية، وقناة بنما في جمهورية بنما بأميركا الوسطى.
ومضائق العالم الرئيسة المهمة هي مضيق هرمز الذي يربط الخليج العربي ببحر عُمان وبحر العرب، وصولاً إلى المحيط الهندي، ومضيق ملقا الذي يربط المحيط الهندي بالهادئ، وتطل عليه إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، وكذلك تتشاطأ مضيق باب المندب كل من اليمن وجيبوتي وإريتريا، ويطل المغرب وإسبانيا على مضيق جبل طارق الذي يتبع بدوره بريطانيا.
أصبح مضيق هرمز حديث العالم بعد القرصنة التي أقدمت عليها إيران بإغلاقه، مخالفة القانون الدولي ومبادئ حسن الجوار، وتعطيل الملاحة والتجارة الدوليين، لكن بعيداً من الجانب السياسي لأزمة هذا المضيق التي خاض فيها القاصي والداني، من الناحية التجارية والسياسية والعسكرية والإستراتيجية، فقد دفعني شغفي اللغوي بالبحث المتعمق في كلمة المضيق ذاتها، وعكسها في المعنى، فأصلها من "ضِيّق" واشتقت لتعكس معنى الممر المائي تحديداً، والضِيق يأتي بمعنى الزعل وكدر الخاطر، وعكسه السِعة، فيقال "ضاق خُلقه" بمعنى زعل كثيراً، وعكس "ضِيقة الخلق" هي سعة البال والسعادة والراحة، وقد غنى محمد عبده من كلمات الأمير خالد الفيصل:
يا ضايق الصدر بالله وسع الخاطر
دنياك يا زين ما تستاهل الضيقة
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتكون السعة بمعنى الابتعاد من المشكلات، فكانت النصيحة "السعة لا بارك الله في الضيق"، وتأتي في سياق الدعوة إلى تجنب المشكلات، فيقال "السعة وسيعة" أي أرض الله واسعة، فابتعد من احتمالات الخطر، ويأتي الضيق بمعنى المصائب وعوائد الدهر، فقال الإمام الشافعي:
ولرب نازلة يضيق لها الفتى
ذرعًا وعند الله منها المخرج
ضاقت ولما استحكمت حلقاتها
فرجت وكنت أظنها لا تفرج
ويقال باللهجة الخليجية "فلان باله وسيع"، كناية عن طول البال، ويقال "باله أوسع من الدهنا"، والدهناء صحراء واسعة في وسط وشمال شرقي الجزيرة العربية، ويقال "باله خرم إبرة"، كناية عن الغضب السريع وعدم تقبل المزاح.
وفي شرح علم اللغويات التاريخية تحولت صفة واسع إلى وسيع باللهجة الخليجية عبر ما يسمى بـ "القياس النسقي"، أو تأثير المعاني المتقاربة، فكلمة واسع صفة تصف المساحة، وصفات الأبعاد والمسافات والأحجام والمساحات المقاربة لها كلها على وزن "فعيل"، فهي طويل وقصير وبعيد وقريب وعميق وسمين وسميك ورفيع ومتين وكبير وصغير، فتأثرت كلمة "واسع" التي هي على وزن "فاعل" بوزن هذه الصفات، وتحولت في اللهجة الخليجية إلى وسيع على وزن "فعيل" بدلاً من وزن "فاعل".
وضيّق عليه الخناق تعني شدّه فحرمه التنفس، ويمكن القول إن إيران ضيّقت الخناق على الاقتصاد العالمي، فشد ترمب الخناق الاقتصادي عليها، ومنع كل السفن من الخروج من موانئها أو التوجه إليها، ولعل شد الخناق أقوى من تضييقه.
وما بين الشد والتضييق أُغلق المضيق وتأثرت الصادرات والواردات الخليجية، ومارست إيران ورقة قرصنة دفعت ثمنها مع جيرانها، ولسان حالها يردد "أنا الغريق فما خوفي من البلل؟"، فهل تغرق إيران في مضيق هرمز؟ أم أن ترمب سيخفف الخناق عليها ويوسّعه بموجب اتفاق يراوح في إسلام آباد، ونسمع عنه ولم نره منذ وقف إطلاق النار؟