ملخص
عندما اندلعت الحرب في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023، أمرت إسرائيل بإخلاء مقر "الأونروا" الرئيس في مدينة غزة، حيث تركت الوثائق تحت رحمة القصف والخطر الرقمي، ويقول المسؤول في "الأونروا" وأحد المشرفين المباشرين على العملية الميدانية روجر هيرن "من هذا الوقت انطلقت الشرارة الأولى للتخطيط".
في حقائب دبلوماسية مجهولة الهوية، جرت خلف الكواليس عملية "التهريب" الأكثر جرأة التي شهدتها الأراضي الفلسطينية، حيث خاضت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) على مدى 10 أشهر، سباقاً سرياً مع الزمن والقصف والتشريعات الإسرائيلية، لتنجح في تهريب "الشيفرة الوراثية الورقية" للاجئين الفلسطينيين.
بدأت الرحلة المثيرة بجمع مستندات أرشيف اللاجئين الفلسطينيين، من مقار "الأونروا" في غزة المهددة، وعبرت الحدود كأوراق مكتبية روتينية لتفادي المصادرة، وانتهت بجسر جوي عسكري أوصل الأرشيف إلى بر الأمان داخل قبو محصن في العاصمة الأردنية عمان.
لكن بعد الكشف عن نقل 30 مليون وثيقة وبطاقة ملكية للاجئين الفلسطينيين، تحولت القضية إلى محور مواجهة سياسية ودبلوماسية ساخنة، إذ ترى فيها إسرائيل قرصنة والتفافاً على القانون، بينما يتمسك بها الفلسطينيون والمؤرخون كخط دفاع أخير يحمي حق العودة من الإبادة الرقمية والمادية.
بداية العملية
عندما اندلعت الحرب في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023، أمرت إسرائيل بإخلاء مقر "الأونروا" الرئيس في مدينة غزة، حيث تركت الوثائق تحت رحمة القصف والخطر الرقمي، ويقول المسؤول في "الأونروا" وأحد المشرفين المباشرين على العملية الميدانية روجر هيرن "من هذا الوقت انطلقت الشرارة الأولى للتخطيط".
وخلال صيف 2024 بدأ النقل الفعلي، إذ انطلقت عمليات النقل السري للوثائق الورقية على دفعات من مدينة غزة باتجاه مدينة رفح جنوب القطاع، ثم عبرت الحدود إلى مصر.
وغادرت آخر شحنة من قطاع غزة قبل أسابيع قليلة من دخول الدبابات الإسرائيلية إلى رفح وإغلاق المعابر تماماً، فيما اكتملت عملية التهريب ووصلت آخر الوثائق إلى الأمان داخل المستودعات المخصصة بالعاصمة الأردنية عمان في الـ14 من مايو (أيار) الجاري.
ويوضح المستشار الإعلامي لـ"الأونروا" عدنان أبو حسنة أن "العملية استمرت نحو 10 أشهر لحماية الأرشيف التاريخي، وشاركت فيها طواقم متعددة من الوكالة في أربع دول من أجل تأمين المستندات الورقية الأصلية، والبدء فوراً بمشروع الرقمنة الشامل داخل قبو مخصص في العاصمة الأردنية".
أما مدير شؤون "الأونروا" بالإنابة في غزة سام روز، فيقول "بعد أيام من اجتياح القوات الإسرائيلية لغزة، صدرت الأوامر بإخلاء المكاتب في المدينة، وحينها غادر الموظفون الدوليون خلال ساعات من دون القدرة على أخذ الأرشيف، وكان هناك خطر حقيقي من أن يدخل الإسرائيليون ويدمروا الوثائق، أو أن تدمر ببساطة في حريق أو انفجار".
ويضيف "كانت هناك فترة خطرة للغاية، إذ كنا نتعرض لكثير من الهجمات الإلكترونية يومياً، واعتقدنا بصدق أننا قد نرى الأصول الورقية الأصلية تدمر وأية نسخ رقمية صنعناها تمحى، وحينها كان كل شيء سينتهي إلى الأبد. إن صون هذه السجلات وحمايتها أمر أساس وضروري للغاية من أجل حماية حقوق لاجئي فلسطين بموجب القانون الدولي".
ويتابع أن "تدمير هذا الأرشيف كان سيكون كارثياً، لكن إذا تم التوصل يوماً ما إلى حل عادل ودائم لهذا الصراع، فإن هذه السجلات هي الدليل الوحيد الذي يمكن للناس استخدامه لإثبات أن هناك فلسطينيين عاشوا ذات يوم في مكان معين".
المسار الجغرافي
لتهريب 30 مليون وثيقة أرشيفية من قطاع غزة إلى الأردن، كان المسار الجغرافي خطراً للغاية، من المحطة الأولى داخل المقر الرئيس لـ"الأونروا" في غزة جمعت الملفات وسط ظروف أمنية بالغة التعقيد وقصف مستمر.
بعد ذلك، وضعت الصناديق الكرتونية والأوراق في شاحنات نقل صغيرة مخصصة أصلاً لنقل المواد الغذائية أو الخضراوات لتمويه الطائرات ونقاط التفتيش المنتشرة، وتحركت الشاحنات على ثلاث دفعات منفصلة عبر الطرق المدمرة من شمال القطاع إلى مستودع تمويني تابع للوكالة في مدينة رفح.
وعُبئت الأوراق في حقائب وأظرف بريدية ضخمة غير معنونة ولم تُكتب عليها أية تفاصيل تشير إلى ماهية المحتوى، وعبر موظفو "الأونروا" الدوليون، أي الأجانب، الحدود عبر معبر رفح إلى شبه جزيرة سيناء في مصر، مستغلين حصانتهم، ثم جمعت الشحنات كافة عند نقطة تجميع موقتة وآمنة في مدينة العريش.
ونظراً إلى حساسية الشحنة وخوفاً من أية ملاحقة أمنية على الطرق البرية، نقلت الصناديق من مصر إلى الأردن جواً عبر طائرات شحن عسكرية كانت تلقي المساعدات فوق قطاع غزة، وفور وصول الطائرات إلى العاصمة الأردنية عمان، نقل الأرشيف مباشرة إلى مستودع محصن وقبو مخصص ومجهز تكنولوجياً وبيئياً لحماية الأوراق التاريخية، حيث يخضع حالياً لعملية مسح ورقمنة شاملة.
المسؤول في "الأونروا" الذي أشرف على عملية النقل روجر هيرن يوضح أن السرية كانت الطريقة الوحيدة لحماية الوثائق، ويعلق "كان الموظفون يتخفون بالأوراق عند الحدود، إذا تم إيقاف أي شخص كانوا يقولون ببساطة إنهم يحملون أوراقاً، إن هذا التحرك السري كان هرباً من المصادرة المادية المستندة إلى تجارب تاريخية مريرة مثل مصادرة إسرائيل لأرشيف منظمة التحرير في بيروت عام 1982".
عن طابع التهريب
تمت عملية نقل الوثائق بسرية تامة وبأسلوب التخفي وليس بطريقة علنية لتفادي المصادرة العسكرية الإسرائيلية الحتمية، ومنع الحجز السياسي والقانوني على الأصول، وحماية سلامة الموظفين الميدانيين، ولذلك وصفها باحثون بأنها عملية تهريب.
ويقول الباحث في التاريخ الفلسطيني وحيد البهتيني "نقلت الأوراق في شاحنات خضراوات ووضعت داخل حقائب غير معنونة من دون لفت انتباه السلطات الإسرائيلية التي كانت تفرض حصاراً مشدداً وتفتيشاً صارماً على كل ما يخرج من غزة، كان الأمر يجري في سباق مع الزمن، إذ نقلت الدفعات الأخيرة قبل أسابيع قليلة جداً من سيطرة الجيش الإسرائيلي على معبر رفح، مما يعني أن التأخير كان سيؤدي إلى مصادرتها حتماً".
وعن أسباب اتباع السرية الشديدة، يوضح البهتيني أن "الأونروا" كانت خائفة من المصادرة والاحتجاز الإسرائيلي، إذ لو أعلنت عن نيتها إخراج ملايين الوثائق التاريخية وبطاقات الملكية خارج الحدود، لكانت السلطات الإسرائيلية صادرتها فوراً تحت ذريعة الدواعي الأمنية أو التحقيق".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويشير إلى أن العملية جرت بالتزامن مع حراك تشريعي مكثف داخل الكنيست الإسرائيلي لإقرار قوانين تصنف "الأونروا" كمنظمة إرهابية، لذلك اضطرت الوكالة إلى تهريب الأصول قبل فوات الأوان، إذ إن الإعلان العلني كان سيمنح إسرائيل المبرر القانوني المحلي لوضع اليد عليها باعتبارها أصولاً تابعة لمنظمة محظورة.
ويبين البهتيني أن السرية حمت الموظفين الذين نقلوا الصناديق في شاحنات خضراوات وعبروا بها معبر رفح، وكانوا سيتعرضون للاعتقال المباشر أو الملاحقة القضائية والأمنية من قبل الجيش الإسرائيلي بتهمة تهريب مواد حساسة لو انكشف أمرهم.
ولا تعتقد "الأونروا" بأن ما قامت به يُعد تهريباً وإنما عملية إنقاذ وثائق وحمايتها، وفق المفوض العام للوكالة فيليب لازاريني الذي أكد أن "صون هذه السجلات وحمايتها أمر أساس وضروري للغاية من أجل حماية حقوق لاجئي فلسطين بموجب القانون الدولي، والحفاظ على هوية الفلسطينيين والموروث التاريخي العالمي للقضية الفلسطينية. إن إتلاف هذا الأرشيف سيكون كارثة بكل ما تعنيه الكلمة، فسجلات العائلات الفلسطينية تم الحفاظ عليها وأرشفتها على مدى 75 عاماً، وحمايتها تعني منع تصفير الذاكرة التاريخية".
لهذا يقول البهتيني إن "الهدف الأول لم يكُن إخفاء الأوراق لأغراض مشبوهة، بل لحماية التاريخ الفلسطيني من الإتلاف، بخاصة بعد تعرض مقار ’الأونروا‘ وخوادمها الرقمية للقصف والتعطيل، وهذه السجلات هي سند الملكية الوحيد لملايين الفلسطينيين".
ماذا في الوثائق؟
نقلت "الأونروا" 30 مليون وثيقة أرشيفية، وتنقسم هذه المواد التاريخية إلى ثلاث فئات تشكل معاً الأرشيف الوطني والحيوي الأكبر للشعب الفلسطيني منذ عام 1948. والقسم الأول هو الوثائق الورقية وبطاقات الأنساب، ويحوي سجلات اللجوء وبطاقات التسجيل الأصلية التي كتبت بخط اليد عند تأسيس الوكالة، وتسجل بدقة اسم كل لاجئ وعمره والبلدة أو القرية الأصلية التي هجر منها داخل ما يعرف اليوم بإسرائيل، وهناك أيضاً ملفات الأنساب والتتابع العائلي، وهي أوراق ممتدة عبر أربعة أجيال متتالية توثق شهادات الميلاد والزواج والوفاة، مما يتيح تتبع شجرة العائلة لكل لاجئ فلسطيني بصورة قانونية متسلسلة من دون انقطاع، فضلاً عن إثباتات الملكية، وهي عقود ووثائق تاريخية تثبت ملكية عائلات فلسطينية لأراضٍ وعقارات وبيوت في مدنهم وقراهم الأصلية.
أما القسم الثاني، فهو الأرشيف البصري والفيلمي النادر، ويقدر بنحو نصف مليون مادة، وهو نفسه الأرشيف الذي صنفته "اليونيسكو" عام 2009 كإرث عالمي ذي قيمة استثنائية، ويشمل شرائح "النيغاتيف" التي تحفظ مئات آلاف الصور الأصلية باللونين الأبيض والأسود والتي تلخص اللحظات الأولى للنكبة وبناء الخيام ونشأة المخيمات في غزة، فضلاً عن فيديوهات نادرة توثق الحياة الاجتماعية داخل المخيمات الفلسطينية خلال الخمسينيات والستينيات والسبعينيات. وهناك توثيق بصري للمراحل التاريخية والحروب كافة التي مر بها اللاجئون.
القسم الثالث هو الأرشيف الإداري والتاريخي للوكالة، ويضم مستندات الاستجابة الإنسانية وتقارير ومراسلات دولية وميدانية تروي قصة عمليات الإغاثة والرعاية الصحية وتأسيس أولى المدارس التابعة للأمم المتحدة على الأرض منذ عام 1949 وحتى اليوم.
لماذا نقلتها "الأونروا"؟
ليس عبثاً أن نقلت "الأونروا" 30 مليون وثيقة، فوراء هذه الخطوة ثلاثة أهداف كبيرة، ويقول المؤرخ الفلسطيني ناجي سكر "من أجل الحماية القانونية وإثبات الحقوق نقلت ’الأونروا‘ الأرشيف، فهذه السجلات تُعد الإثبات القانوني والشرعي الوحيد لـ5.9 مليون لاجئ فلسطيني، وتهدف الوكالة إلى إنشاء الأرشيف الوطني الرقمي، لذا فإن عملية نقل الوثائق إلى مستودعات مخصصة تتيح أرشفتها إلكترونياً، ليستطيع أي لاجئ فلسطيني حول العالم الوصول إلى ملف عائلته وأوراقه الثبوتية بضغطة زر".
عايشت أماني، وهي مسؤولة الوسائط المتعددة والأرشفة في "الأونروا" بقطاع غزة، تفاصيل حماية هذه الأوراق ميدانياً، وتقول "كنت أعمل من المقر الرئيس بمدينة غزة قبل إخلائه قسراً في بداية الحرب، عشت صدمة وخوفاً مما قد يحدث للأرشيف والمقار، وكان القصف والتدمير يفوقان أسوأ مخاوفنا وتوقعاتنا، شعرت بأن جينات الغزيين التاريخية تشطب للأبد، قبل أن تنجح الجهود الدولية لاحقاً في تهريب الأصول الورقية والمادية إلى الأردن لحمايتها نهائياً".
تُعد أماني من الكوادر التاريخية للوكالة، فهي تعمل لديها منذ 25 عاماً، وعايشت مراحل توثيق ورقمنة أرشيف اللاجئين على مدى عقدين ونصف العقد، وبحكم منصبها أشرفت بصورة مباشرة على الملفات البصرية والفيديوهات والصور التاريخية النادرة التي توثق نشأة المخيمات والرحلات الأولى للاجئين.
تدير أماني وتشرف على أرشيف ضخم يضم نحو نصف مليون مادة بصرية وفيلمية، وتتقاطع كلماتها مع الأهداف الكبرى للعملية، فالأرشيف بنظرها ليس مجرد أوراق ومستندات جافة، بل هو سجل إنساني حيوي يثبت الوجود الفلسطيني. وتقول "هذا الأرشيف يروي قصة استجابة ’الأونروا‘ على الأرض بمختلف جوانبها مثل التعليم والرعاية الصحية الأولية والإغاثة والخدمات الاجتماعية. الأرشيف تذكير قوي وشاهد على هذه المأساة التي لم تنتهِ طوال تلك العقود. إنه يحمي ويحافظ على تراث لاجئي فلسطين".
من يملك صلاحيات نقلها؟
يُعد الأرشيف ملكية خاصة لمنظمة تابعة للأمم المتحدة، وحمايته تقع في صلب تفويض الوكالة الدولي، ولم يكُن نقله من غزة خروجاً عن القانون الدولي، بل تطبيقاً لواجب حمايته، وتمتلك "الأونروا" الصلاحيات القانونية المطلقة والكاملة لنقل وثائقها وأرشيفها من غزة أو أية منطقة عمليات أخرى، بموجب القانون الدولي والاتفاقات المبرمة مع هيئة الأمم المتحدة.
ووفقاً لاتفاق امتيازات وحصانات الأمم المتحدة عام 1946، تتمتع جميع أصول الأمم المتحدة بحصانة مطلقة، وتنص المادة الثانية (القسم 5) من الاتفاق صراحة على أن "محفوظات الأمم المتحدة ووثائقها بصفة عامة تكون لها حرمة مقدسة أينما كانت وحيثما وجدت".
وترى "الأونروا" أن نقل الوثائق إلى مستودعاتها في عمان يُعد تحريكاً داخلياً لأصول المنظمة بين مقارها الرسمية المحمية بالقانون الدولي، وليس ترحيلاً لجهة غريبة. ويقول المفوض العام فيليب لازاريني "السجلات ملكية حصرية للأمم المتحدة، ولا يحق لأية دولة أو سلطة عسكرية مصادرتها أو تفتيشها أو منع الوكالة من نقلها لحمايتها، ’الأونروا‘ هي الوصي القانوني الوحيد على هوية وتاريخ لاجئي فلسطين بموجب تفويض الجمعية العامة للأمم المتحدة، وحماية هذه الملفات وتأمينها في مكان آمن بمثابة واجب قانوني وتنفيذي أصيل نلتزم به لضمان استمرار تقديم خدماتنا وحفظ حقوق اللاجئين، وليس مجرد خيار اختياري".
وهذه ليست المرة الأولى التي تنقل فيها الوكالة وثائقها تاريخياً، إذ نقلت أجزاء واسعة من أرشيفها المركزي من بيروت إلى فيينا أواخر السبعينيات هرباً من الحرب الأهلية اللبنانية، ونقلت لاحقاً بعض السجلات إلى غزة خلال التسعينيات عقب توقيع "اتفاق أوسلو"، وتتحرك هذه الوثائق دائماً جغرافياً تبعاً للأخطار الأمنية لضمان سلامتها.
لماذا الأردن؟
لثلاثة أسباب وقع الاختيار على الأردن، إذ تضم العاصمة عمان أحد أكبر المقار الرئاسية التنفيذية للوكالة، وهو أكبر مستضيف للاجئين الفلسطينيين حيث يحتضن أكثر من 2.4 مليون لاجئ فلسطيني مسجل لدى "الأونروا"، كما يوفر الأردن بيئة أمنية مستقرة تماماً بعيدة من القصف والعمليات العسكرية المستمرة في غزة.
ووُضعت الوثائق داخل قبو محصن بدلاً من المكاتب العادية لحمايته من الهجمات والتجسس، وكذلك من أجل التحكم في درجات الحرارة ونسب الرطوبة ومنع الضوء، ولضمان عدم تعرض الأجهزة التي تقوم بعمليات المسح الضوئي لأية هجمات إلكترونية.
ويقول المسؤول الرفيع في "الأونروا" والمشرف على العملية روجر هيرن "الحفاظ على الأرشيف داخل قبو مخصص وفي بيئة محصنة واجب الوكالة لمنع ضياع الأصول الورقية التاريخية، لدينا الآن فريق يضم أكثر من 50 موظفاً يعملون في هذا القبو، حيث يقومون بمسح ضوئي لـ30 مليون وثيقة يدوياً، إنها عملية ضخمة ومستمرة".
ما مواقف الأطراف؟
في ما يتعلق بالموقف الرسمي داخل الأردن، فإن الحكومة فضلت عدم إصدار تصريحات علنية أو بيان رسمي، لطبيعة العملية الحساسة والسرية للغاية، وللاعتبارات الدبلوماسية المرتبطة باستخدام طائراتها العسكرية لنقل أصول أممية من دون إذن إسرائيل.
ووجدت عملية التهريب ارتياحاً في الأوساط الفلسطينية، فيقول رئيس دائرة شؤون اللاجئين في "منظمة التحرير"، أحمد أبو هولي إن "إنقاذ الوثائق التاريخية من خطر التدمير والقرصنة خطوة استباقية مهمة لحماية الموروث السياسي والقانوني للقضية الفلسطينية أمام محاولات التصفية الإسرائيلية المستمرة".
أما وزير الثقافة الفلسطيني عماد حمدان، فيرى أن "إنقاذ أرشيف ’الأونروا‘ ونقله إلى مكان آمن يمثل انتصاراً للرواية التاريخية الفلسطينية في وجه محاولات الإبادة الثقافية والطمس الديموغرافي التي تمارسها إسرائيل، هذه السجلات والوثائق التاريخية ليست مجرد أوراق قديمة بل وثائق سيادية، وصيانة 30 مليون وثيقة في بيئة آمنة تمنع تل أبيب من فرض روايتها أو محو التاريخ الديموغرافي لفلسطين".
من جانبه يعتقد متحدث "حماس" حازم قاسم بأن "اضطرار الوكالة إلى نقل أرشيفها التاريخي سراً لحمايته هو دليل قاطع على حجم الإرهاب والغطرسة الإسرائيلية التي تستهدف شطب حقوق اللاجئين الفلسطينيين وتصفية قضيتهم".
وينظر مؤسس "هيئة أرض فلسطين" سلمان أبو ستة إلى هذه العملية على أنها إحباط لأكبر محاولة إبادة أرشيفية، قائلاً إن "أرشيف ’الأونروا‘ هو العمود الفقري الديموغرافي للشعب الفلسطيني، وحمايته تعني الحفاظ على الشيفرة الوراثية التي حاولت إسرائيل تصفيرها عبر القصف المنظم للمقار وخوادم البيانات".
ويضيف أن "خروج هذه الوثائق إلى بر الأمان يمنع غياب الشاهد القانوني، فإسرائيل كانت تراهن على احتراق هذه الأوراق مادياً لتعلن للعالم مستقبلاً أن ليست هناك سجلات تثبت ادعاءات اللاجئين بملكيتهم لقرى ومدن الداخل"، موضحاً أن نقل الأرشيف أحبط مساعي شطب صفة اللاجئ.
وأدت هذه العملية السرية لإنقاذ الأرشيف إلى أعمق نقطة تصادم سياسي ودبلوماسي بين إسرائيل و"الأونروا"، إذ اعتبرتها تل أبيب خرقاً أمنياً، ويقول عضو الكنيست عن حزب "الليكود" بواز بيسموت "هذه العملية تُعد خرقاً أمنياً خطراً والتفافاً غير قانوني، إن نقل هذه المواد خارج قطاع غزة لم يكُن بغرض حمايتها، بل محاولة متعمدة من إدارة ’الأونروا‘ لإخفاء مستندات وأدلة حيوية تخشى الوكالة من أن تقع في يد الجيش الإسرائيلي".
ويضيف بيسموت أن "تهريب ملفات رسمية بأسلوب العصابات وخارج الأطر القانونية والتنسيقية المتبعة، خطوة تؤكد مجدداً أن الوكالة تعمل ككيان غامض يتجاوز سلطات الدولة المستضيفة والرقابة الأمنية، وهذه أدلة تدين نشاطاتها الميدانية وتثبت تداخلها مع البنية التحتية لحركة ’حماس‘، مما دفعنا إلى اتخاذ إجراءات صارمة فورية تشمل وقف التنسيق ومنع منح تأشيرات دخول لمسؤولي الوكالة المعنيين بهذه المؤامرة".
ورداً على نقل الأرشيف، منعت السلطات الإسرائيلية المفوض العام للوكالة فيليب لازاريني ومعاونيه القانونيين والتنفيذيين من الحصول على تأشيرات دخول أو تصاريح تحرك بين القدس والضفة الغربية وغزة، وأغلقت تل أبيب قنوات التنسيق المدني والأمني الباقية كافة مع الوكالة، وفرضت إجراءات تفتيش بالغة التعقيد والصرامة على أية شاحنات أو حاويات لوجستية تابعة للأمم المتحدة تخرج من القطاع.