Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

صراع ثلاثي على السلطة يهدد بإشعال تيغراي مجددا

مجلس إثيوبي جديد يتوعد بإسقاط "الجبهة الشعبية" ومراقبون: الوضع القائم في الإقليم ينذر بأخطار كبيرة

مهاجرة من تيغراي تنتظر العودة إلى إثيوبيا، في مركز مساعدة تابع للمنظمة الدولية للهجرة في أوبوك، 13 أبريل 2026 (أ ف ب)

ملخص

يأتي إعلان المجلس، الذي يضم أربعة أحزاب سياسية معارضة إلى جانب ذراع عسكرية، في ما يشهد الإقليم صراعاً محتدماً على السلطة بين حكومتين.

أُعلن في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا الإثنين الماضي تشكيل "مجلس تيغراي للسلام والتغيير" باعتباره هيئة انتقالية لإدارة الحكم في إقليم تيغراي (شمال البلاد).

ويأتي إعلان المجلس، الذي يضم أربعة أحزاب سياسية معارضة إلى جانب ذراع عسكرية، في ما يشهد الإقليم صراعاً محتدماً على السلطة بين حكومتين، الأولى برئاسة الجنرال تادسي وريدي، الذي عُين من قبل الحكومة المركزية في أديس أبابا، وحكومة أخرى شكلتها الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي بحجة أن تعيين تادسي جاء مخالفاً لمقررات "اتفاق بريتوريا" للسلام، إذ أعلنت الجبهة عن إعادة المؤسسات المنتخبة في سبتمبر (أيلول) 2020، أي قبل اندلاع الحرب، مؤكدة أن حكومة آبي أحمد سدت كل الطرق المفضية إلى التطبيق الأمين لـ"اتفاق بريتوريا"، ومن ثم اضطرت إلى استعادة الشرعية الانتخابية للتيغراويين.

ثم جاء تشكيل المجلس الانتقالي الجديد في أديس أبابا ليمثل "الحكومة الثالثة"، من دون أن يتمكن من الدخول إلى إقليم تيغراي. وقال المجلس في اجتماعه الذي عقد الإثنين الماضي، إنه يسعى إلى إسقاط حكومة الجبهة التي وصفها بالانقلابية، متوعداً بتحقيق ذلك خلال فترة وجيزة لا تتجاوز شهراً واحداً.

أوليغارشية مسيطرة

قال منسق الإعلام والاتصالات في حزب "سمريت" برهاني جبريسوس، الذي يقوده مستشار رئيس الوزراء الإثيوبي لشؤون دول الشرق الأفريقي جيتاشوا ردا، إن المجلس الجديد يضم ممثلي عدد من الأحزاب السياسية المعارضة، إضافة إلى شخصيات بارزة وذات نفوذ، مشيراً إلى أن منتسبيه ظلوا يتشاورون منذ سبعة أشهر لإحداث "تغيير جذري في تيغراي".

وأوضح أن أربعة أحزاب شاركت في تشكيل المجلس، هي "بايتونا" و"أرينا تيغراي" و"تنيساي 70"، إضافة إلى حزب "سمريت"، فضلاً عن شخصيات بارزة ومؤسسات إعلامية وجمعيات المجتمع المدني التيغراوي، مضيفاً "نسعى جاهدين لإقامة حكومة تشرك كل أطياف العمل السياسي في تيغراي من خلال اقتلاع النظام القائم الآن بحكم سياسة الأمر الواقع".

 

وتابع المتحدث أن "إقليم تيغراي بأكمله يعيش حالاً من الفوضى وسوء الإدارة وانعدام الأمن والبطالة، لأن مجموعة أوليغارشية صغيرة تتحكم في مصير ومقدرات التيغراويين"، نافياً أن يكون هدف المجلس إطاحة الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي كحزب سياسي يحمل تاريخاً نضالياً طويلاً، ومشيراً إلى أن "مجموعة صغيرة سطت على تاريخ الجبهة واسمها، ثم استولت على السلطة في الإقليم".

وأوضح أن طرق مواجهة هذه المجموعة سيراعى فيها اتباع مسار حكيم لا يدخل الإقليم في فوضى أو إراقة دماء"، نافياً أن يكون مجلس السلام والتغيير تأسس بدعم من الحكومة الفيدرالية، ومقراً في الوقت نفسه أن معظم أعضائه القياديين موجودون في أديس أبابا لعدم قدرتهم على تنظيم صفوفهم واستقطاب أعضاء جدد في تيغراي ممن يتبنون آراءهم وأهدافهم السياسية، وأشار إلى أن بعضهم يتقلد مناصب في الحكومة الإثيوبية.

ورجح إمكانية إجراء المجلس محادثات مع الحكومة الفيدرالية حول سبل تطبيق "اتفاق بريتوريا" للسلام، وآليات خلاص التيغراويين من الوضع الراهن، والدعم الذي ينبغي أن تقدمه الحكومة الفيدرالية لضمان تحقيق ذلك بصورة سلسة.

حرب جديدة

من جهته، قال المستشار الحالي لرئيس الوزراء الإثيوبي والرئيس السابق لحكومة تيغراي جيتاشوا ردا إن تشكيل مجلس السلام والتغيير يعد حدثاً تاريخياً ينبغى دعمه من أجل ضمان انتقال سياسي آمن في تيغراي، واصفاً رئيس الجبهة الشعبية بأنه "فاقد للأهلية السياسية والقانونية"، ومؤكداً أن "ثمة جماعة استغلالية تسيطر على إرادة الشعب التيغراوي من خلال القوة العسكرية، وأعضاء الجماعة التي تتولى مقاليد السلطة في الإقليم مورطون بصورة مباشرة في عمليات فساد واسعة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقال جيتاشوا للصحافيين على هامش إعلان تأسيس المجلس إن إقليم تيغراي الذي ظل يتمتع بأفضل مستويات السلام والاستقرار والتنمية من بين أقاليم البلاد، يشهد الآن تدهوراً واضحاً في الخدمات الأساس وعمت الفوضى، ولم تتمكن الجماعة الحاكمة من إعادة النازحين إلى مناطقهم.

وأشار إلى أن المجلس الانتقالي يتحمل مسؤولية تخليص تيغراي من الوضع الاستثنائي الذي يعيشه، من دون الإخلال بالتزامات "اتفاق بريتوريا"، موضحاً أن "المجموعة التي تسيطر على الجبهة تقود البلاد إلى حرب جديدة، من خلال التحالف مع قوى خارجية"، بحسب وصفه.

أخطار كبرى

بدوره يرى المتخصص في الشأن التيغراوي سلمون محاري أن الوضع القائم في تيغراي يُنذر بأخطار كبيرة، وبخاصة في ظل تجاهل الحكومة المركزية في أديس أبابا، وعدم سعيها لإطلاق حوار مع الطرف الثاني الموقع على "اتفاق بريتوريا" في شأن سبل تنفيذ الالتزامات المنصوص عليها كافة، بما يضمن عدم تدهور الأوضاع نحو مواجهات مسلحة.

ويرى أن الأزمة الأساس تكمن في عدم تنفيذ بنود الاتفاق، بما في ذلك التوافق على تسمية رئيس الحكومة، وإعادة انتشار القوات من المناطق المتنازع عليها، إضافة إلى إطلاق الموازنة السنوية المخصصة للإقليم.

ويتابع أن الحكومة المركزية في أديس أبابا تعمدت لأكثر من أربعة أعوام خلق هذه الأزمة من خلال المماطلة في تنفيذ البنود، في ظل انشغال رعاة الاتفاق بالأزمات الإقليمية بما فيها حرب إيران، موضحاً أن "قرار سحب الاعتراف بالجبهة الشعبية لتحرير تيغراي كحزب سياسي مثل الحلقة الأولى من سلسلة الخلافات بين الإقليم والمركز، فيما عدت خطوة تعيين تادسي وريدي كرئيس لحكومة الإقليم من دون التشاور مع الجبهة بمثابة النقطة التي أفاضت كأس التوترات بين الطرفين، مما دفع بالجبهة إلى تجميد العمل بالاتفاق، واستعادة شرعية الحكومة المنتخبة في سبتمبر 2020".

 

ويرى سلمون أن سردية الحكومة المركزية التي تحاول اختزال التوتر القائم بينها والإقليم في تحالف الجبهة مع النظام الإريتري، تعد محاولة للإفلات من الاستحقاقات المنصوص عليها في "اتفاق بريتوريا" وتصدير الأزمة نحو الخارج، منوهاً بأن تشكيل حكومة موازية تحت مسمى "المجلس الانتقالي للسلام والتغيير في تيغراي" يمثل انتهاكاً لاتفاق وقف العدائيات بين الطرفين، وبخاصة أن المجلس يضم فصيلاً مسلحاً أعلن الحرب على تيغراي، ويتخذ من الإقليم العفري منطلقاً له.

ويضيف أن المجلس يضم أيضاً قياديين يتقلدون مناصب عليا في الحكومة الإثيوبية، من بينهم مستشار رئيس الوزراء لشؤون دول الشرق الأفريقي، وهو برتبة وزير دولة، ويضم قيادات عسكرية كبرى برتبة فريق، مما يؤكد تورط الحكومة المركزية في تشكيل هذا المجلس، الذي يعد بالانقلاب على الحكومة في تيغراي.

ويتابع أن الحكومة الإثيوبية خصصت موازنات طائلة لتمويل ما يُعرف بـ"حرا مريت" في إقليم العفر لتجنيد وتدريب عناصر مناوئة للجبهة بغرض إعلان الكفاح المسلح، مؤكداً أن ثمة عسكريين يحملون رتباً عليا في الجيش الإثيوبي يشرفون على تلك المعسكرات.

ويرى سلمون أن سياسات رئيس الوزراء الإثيوبي تعتمد بالأساس على تخليق الأزمات في كل إقليم بدلاً من مناقشة المطالب، مشيراً إلى أن إثيوبيا لم تشهد عهداً في تاريخها انتشر فيه السلاح وعمت الفوضى كما هي الحال الآن، فالمسيرات تقتل العشرات من المدنيين كل أسبوع في إقليم الأمهرة الذي يعيش حرباً مفتوحة منذ ثلاثة أعوام، وثمة معارك متكررة تدور في إقليمي الأورومو وبني شنقول، ولا يتمكن المواطنون من الانتقال بسلام من إقليم إلى آخر.

هرب من الاستحقاقات

من جهته، يرى المتخصص في الشأن الإثيوبي بيهون غيداون أن الأزمة الحقيقية في ما يجري في تيغراي تعود إلى عدم التزام طرفي الاتفاق كل باستحقاقاته، منوهاً بأن بنود الاتفاق تنص على تشكيل حكومة وفاق تضم مختلف الأطياف السياسية في تيغراي، بالتشاور بين الطرفين، لكن تجربة الحكومة الأولى التي قادها جيتاشوا رداً كشفت عن أن الجبهة سيطرت على نحو 96 في المئة من الحقائب الوزارية. كما أن تواصل الجبهة مع النظام الإريتري لإقامة ما يعرف بـ"ظمدوا"، أي التحالف، من دون العودة إلى الحكومة المركزية في ظل توتر علاقات الأخيرة مع أسمرة، ضاعف أزمة الثقة بين الطرفين.

وأشار غيدوان إلى أن الحكومة الفيدرالية من جهتها لم تلتزم ببنود الاتفاق عند التمديد للجنرال تادسي وريدي لعهدة ثانية من دون الحصول على موافقة الجبهة، مؤكداً أن كلا الطرفين أخل بالتزاماته تجاه "اتفاق بريتوريا"، في حين بدا الاتحاد الأفريقي متأثراً بالسردية الرسمية التي تروج لها أديس أيابا، واكتفى بدعوة الطرفين لضبط النفس من دون جهود جادة لجلبهما إلى طاولة المفاوضات.

ويرى أن تجميد العمل بالاتفاق من قبل الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي يمثل "ذروة الانتهاك"، فتجاهل الحكومة الفيدرالية لهذه الخطوة يمثل موافقة مبدئية على تعطيل "اتفاق بريتوريا"، ومن ثم تهيئة الأوضاع لاحتمالات يصعب توقعها، منوهاً بأن إعلان تشكيل مجلس انتقالي في أديس أبابا يضم شخصيات تتقلد مناصب وزارية في حكومة آبي أحمد يمثل وجهاً آخر من أوجه انتهاك الاتفاق ويمثل مقدمة لمواجهات مسلحة، وبخاصة أن المجلس تعهد بالانقلاب على السلطة الحالية، وكذلك يضم فصيلاً مسلحاً قرب الحدود التيغراوية.

ويختم غيداون بأن "ثمة حاجة لتحكيم العقل من خلال العودة إلى طاولة المفاوضات بين الحكومة الفيدرالية والجبهة برعاية الاتحاد الأفريقي، وذلك للنظر في سبل التطبيق الحرفي للاتفاق وإبطال فرص دخول حرب جديدة، وبخاصة أن كل طرف أضحى يحظى بتحالفات إقليمية ودولية".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير