Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التوتر بين إثيوبيا وتيغراي يشتد وتخوف أوروبي من تمدد الصراع

تداعيات مدمرة على منطقة لا تزال تتعافى من حرب استمرت عامين وانتهت بتوقيع "اتفاق بريتوريا"

يدعو الاتحاد الأوروبي إلى خفض التصعيد بين إثيوبيا وتيغراي (رويترز)

ملخص

على رغم مضي ثلاثة أعوام ونيف على توقيع "اتفاق بريتوريا" في نوفمبر 2022 الذي أنهى الحرب الأهلية الدامية في شمال إثيوبيا، لا تزال ترتيبات السلام هشة وقابلة للانهيار تحت ضغط التنافس على السلطة الإقليمية، وسط تباين التفسيرات لبنود الاتفاق وتبادل الطرفين اتهامات تتعلق بعدم التزام روح التفاهم ونصه.

أعرب الاتحاد الأوروبي عن قلقه البالغ تجاه التطورات الأخيرة في إقليم تيغراي شمال إثيوبيا، وقال ضمن بيان أصدره المتحدث الرسمي للاتحاد الأسبوع الماضي، إنه يتابع بقلق بالغ المستجدات التي تحدث في تيغراي بوتيرة متسارعة، داعياً إلى خفض التصعيد فوراً وتجنب أية إجراءات من شأنها تعريض "اتفاق بريتوريا للسلام"، الموقع بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية و"الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2022، للخطر.

وأضاف أن من الضروري تجنب نشوب صراع مدمر آخر في الإقليم، موصياً بضرورة حل الخلافات بين الأطراف كافة عبر الحوار السياسي البناء. وأكد أن تجدد الصراع ستكون له تداعيات مدمرة على منطقة لا تزال تتعافى من حرب استمرت عامين وانتهت بتوقيع "اتفاق بريتوريا".

وتزامن البيان الأوروبي مع بيان أصدرته السفارة البريطانية في أديس أبابا، أشار إلى أن المملكة المتحدة تتابع عن كثب التطورات في إقليم تيغراي، وتحث على خفض التصعيد، محذرة من أن تجدد الصراع ستكون له "عواقب وخيمة" على تيغراي وإثيوبيا والمنطقة بأسرها.

وأردف البيان أن لندن لا تشجع أية أعمال "لا تتوافق مع روح أو إطار" اتفاق وقف إطلاق النار الموقع بين الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا و"الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" في مقلي.

وتأتي التحذيرات الأوروبية بعد إعلان المجلس المركزي لـ"الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي"، إعادة الأوضاع لما قبل الرابع من نوفمبر عام 2020، وعودة الحكومة المنتخبة والبرلمان احتجاجاً على تمديد رئيس الوزراء الإثيوبي بصورة منفردة، ولاية رئيس حكومة تيغراي الجنرال تادسي وريدي، من دون التشاور مع الجبهة كما ينص الاتفاق.

واعتبرت الجبهة الخطوة بمثابة "استكمال لسلسلة من السياسات التي اتبعتها الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا، لسد الطريق أمام التنفيذ الأمين والعادل لاتفاق بريتوريا للسلام، مما يتطلب اتخاذ تدابير موازية لهذا التوجه".

وعلى رغم مضي ثلاثة أعوام ونيف على توقيع "اتفاق بريتوريا" في نوفمبر 2022 الذي أنهى الحرب الأهلية الدامية في شمال إثيوبيا، لا تزال ترتيبات السلام هشة وقابلة للانهيار تحت ضغط التنافس على السلطة الإقليمية، وسط تباين التفسيرات لبنود الاتفاق وتبادل الطرفين اتهامات تتعلق بعدم التزام روح التفاهم ونصه.

ظروف استثنائية

من جهته قال الجنرال وريدي خلال حوار مع إحدى القنوات التيغراوية إن قرار "تمديد ولاية حكومته في تيغراي" لا ينبغي أن يكون مبرراً كافياً للانسحاب من "اتفاق بريتوريا"، مشيراً إلى أن القرار الذي اتخذته الجبهة حول إعادة حكومة ما قبل الحرب، يُعد بمثابة إلغاء لشرعية الاتفاق، مما يفتح الباب أمام أخطار جمة.

وأضاف أن مثل هذه القرارات تتطلب توفير "توافق وطني عام" حولها، ولا ينبغي أن تختزل في قرارات حزب واحد، موضحاً أنه يتفهم البعد الإجرائي الذي كان ينبغي اتباعه في تمديد ولاية حكومته، كما ينص "اتفاق بريتوريا"، ونوّه إلى أن التقيد الحرفي بالإجراءات الإدارية والقانونية، يفرض وجود محادثات بين الطرفين الموقعين على الاتفاق، كاشفاً عن ظروف استثنائية يشهدها الإقليم جراء انعدام التواصل بين أديس أبابا ومقلي ومحذراً من احتمالات عودة الحرب مجدداً.

وقال وريدي إن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها سكان تيغراي نتيجة تصاعد الخلافات السياسية بين المركز والإقليم، تستدعي تأجيل المآخذ كافة والعمل على ضمان عدم انزلاق الأوضاع لحرب أخرى.

وجدد في الوقت ذاته استعداده لتسليم السلطة في حال إصرار الجبهة على قرارها بإعادة حكومة عام 2020، داعياً الطرفين إلى تحكيم العقل والعودة للمحادثات في شأن التطبيق الآمن لـ"اتفاق بريتوريا".

إعادة ضبط الأوضاع

من جهته يرى المتخصص في الشأن التيغراوي محاري سلمون أن قرار المكتب المركزي لـ"الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" له دلالات مهمة "تعكس فقدان الثقة بمسار تطبيق اتفاق بريتوريا، إذ أضحى واضحاً أن الحكومة الفيدرالية ليست لديها نية لتنفيذ الاتفاق بالكامل، بخاصة في ما يتعلق بتقاسم السلطة وإعادة النازحين لمناطقهم، إضافة إلى إعادة انتشار القوات وحل النزاعات الإقليمية، ولا سيما أن كل الدعوات السابقة لم تجد آذاناً مصغية، بما في ذلك الرسائل الموجهة للضامنين الدوليين، (الاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي) لدفع الحكومة الإثيوبية إلى التزام بنود الاتفاق.

وقال إن "صبر الجبهة الحاكمة في تيغراي قد نفد، في ظل التسويف الممنهج الذي تتبعه حكومة آبي أحمد التي تتعاطى مع بنود الاتفاق بصورة انتقائية وغير منصفة".

وأشار المحلل التيغراوي إلى أن "الحفاظ على السلام الهش الذي تحقق بفضل الاتفاق، يفرض على الطرفين العمل على تنفيذ كل البنود، في حين أن الأعوام الثلاثة كشفت عن عدم استعداد أديس أبابا للتعاطي مع نصوص الاتفاق بروح بناءة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويوضح سلمون أن "انشغال الضامنين الدوليين، بخاصة الإدارة الأميركية بمجريات الحرب في إيران ومن قبلها حرب غزة، أدى إلى تفرد أديس أبابا بالقرار السياسي في تيغراي، من دون أدنى مسؤولية تجاه بنود الاتفاق".

ولفت إلى أن "الأمر لا يتعلق بإعادة تعيين تادسي وريدي كرئيس لحكومة تيغراي الموقتة، بل ثمة جملة من الانتهاكات المستمرة منذ أكثر من عامين، من بينها تجاهل إعادة النازحين لمناطقهم ومنع وصول المواد الأساسية إلى الإقليم من أغذية ووقود وغيرهما، إضافة إلى تعليق الموازنة الخاصة بتيغراي، مما أدى إلى عدم قدرة حكومة الإقليم على التزام سداد رواتب الموظفين الحكوميين".

إسقاط الجبهة

وأضاف سلمون أن "الهدف الرئيس لهذه التدابير يتمثل في تأليب التيغراويين ضد الجبهة الحاكمة وخلق حال من عدم الاستقرار، بما يهيئ الأرضية لاندلاع انتفاضة شعبية، بغرض تحقيق أهداف سياسية عجزت أديس أبابا عن تحقيقها عبر حرب 2020- 2022".

ويرى أن المناشدات الدولية الأخيرة، ولا سيما تلك الصادرة عن الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، ينبغي أن تستند إلى الوقائع الجارية على الأرض التي أفضت إلى قرار الجبهة الأخير باستعادة الشرعية التي سبقت قيام الحرب، معبراً عن اعتقاده بأن "حكومة آبي أحمد لا تتوانى عن إعلان أهدافها المتمثلة في إسقاط الجبهة، بخاصة تصريحات بعض قادة الجيش، إضافة إلى اتخاذ إجراءات ميدانية من خلال تعيين جنرالين سابقين، هما صادقان جبري تنسائي وسامورا يونس، لتدريب المنشقين التيغراويين في منطقة حرا مريت بإقليم العفر، بهدف فتح جبهة ضد إقليم تيغراي".

وتابع أن "كل تلك الإجراءات تُعد تنصلاً واضحاً من اتفاق بريتوريا للسلام، ومن ثم لا يمكن اتهام الجبهة بإنهاء التفاهم".

ويختم سلمون إفادته بأن الاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة الأميركية فضلاً عن الاتحاد الأوروبي، تتحمل مسؤوليات  قانونية وسياسية باعتبارها شريكة وضامنة لاتفاق بريتوريا، مشيراً إلى أن دور هذه الدول ينبغي أن يتجاوز مهمة إصدار البيانات إلى اتخاذ تدابير ملموسة لصون الاتفاق، أهمها إدانة الانتهاكات وممارسة الضغوط اللازمة على الحكومة الإثيوبية لتنفيذ بنوده.

إعلان حرب

لكن المتخصص في الشأن الإثيوبي بيهون غيداون يرى أن إعلان "جبهة تيغراي" إنهاء شرعية الحكومة الحالية وإعادة الحكومة التي تسببت في اندلاع الحرب، يُعد بمثابة انسحاب أحادي من "اتفاق بريتوريا" ومحاولة فرض الأمر الواقع.

وأوضح أن التحجج بذريعة أن حكومة 2020 ومجلسها التشريعي يمثلان الإرادة الشعبية التيغراوية، عار تماماً من الصحة، بخاصة أن الانتخابات التي نظمت في سبتمبر (أيلول) عام 2020، تفتقد إلى الشرعية القانونية والسياسية لجهة مخالفتها للدستور الإثيوبي الذي ينص على جملة من شروط ينبغي توافرها لإجراء أية انتخابات في البلاد، من بينها إيجاز قرار تنظيم الانتخابات من قبل البرلمان الفيدرالي، وتكليف اللجنة العليا للانتخابات الوطنية الإشراف المباشر على الاستحقاق الانتخابي، ومن ثم إعلان نتائجه، إضافة إلى وجود مراقبين محليين ودوليين. وهذه شروط لم تتحقق خلال تلك الانتخابات، إذ حصلت بقرار من الجبهة وبإشرافها وهي التي أعلنت نتائجها، فتحولت الجبهة من منافس في الانتخابات إلى منظم ومشرف ومراقب، فضلاً عن كونها الفائز لاحقاً.

انتخابات في غياب المضمون

ويعتقد غيداون بأنها الانتخابات الأكثر انتهاكاً لمعايير النزاهة والصدقية في تاريخ البلاد، منذ إيجاز الدستور الفيدرالي عام 1995، ومن ثم لا يمكن الادعاء بأن قرار الجبهة الأخير يهدف إلى "استعادة الشرعية الشعبية".

ويرى أن القرار بالأساس يهدف إلى جذب الاهتمام الدولي، من خلال خلق أوضاع تنذر بإمكان قيام حرب بين الإقليم والمركز، بخاصة أن الجبهة فقدت حليفها الاستراتيجي في واشنطن برحيل الديمقراطيين من سدة الحكم، ومن ثم فإن سردية الشرعية لا تقف على أرضية صلبة، وفي حال تدخل القوى الدولية لضبط الأوضاع، فمن المؤكد أن تتراجع الجبهة عن قرارها.

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات