ملخص
اتهمت الجبهة الحكومة الفيدرالية بالتقاعس عن التنفيذ الكامل لاتفاق بريتوريا، مدعية أن القوات التي وصفتها بـ"الغازية" لا تزال متمركزة في أجزاء من تيغراي، مما يحول دون عودة السكان النازحين ويعرض المدنيين لمزيد من العنف والمعاناة.
أعلنت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي حل الحكومة الموقتة التي شكلت في الإقليم (شمال إثيوبيا) بموجب اتفاق بريتوريا للسلام، واستبدالها بما وصفته بالحكومة "المنتخبة" لشعب تيغراي، وهي الحكومة التي يعود تشكيلها لما قبل حرب 2020.
وكشفت اللجنة المركزية للجبهة عن هذا القرار في بيان صحافي صدر مساء أمس الإثنين، منهية بذلك ولاية الجنرال تادسي وريدي، الذي جرى تمديد رئاسته لحكومة تيغراي في الـ19 من أبريل (نيسان) الجاري، من رئيس الوزراء الاثيوبي آبي أحمد، مما عد القرار بمثابة تجميد لمقررات اتفاق بريتوريا للسلام الموقع بين الجبهة والحكومة الفيدرالية الإثيوبية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022.
وفي بيان صدر عقب اجتماع لجنتها المركزية المنعقد في الفترة من الـ15 إلى الـ16 من أبريل 2026، قالت الجبهة "يجب على المجلس المنتخب من أكثر من 2.8 مليون نسمة أن يعود لممارسة مهماته"، واصفة إياه بأنه المصدر الرئيس للسلطة السيادية في الإقليم.
تحولات محتملة
وأشار البيان إلى تحول محتمل في نظام الحكم في ظل الإدارة الموقتة لتيغراي، القائمة منذ اتفاق وقف إطلاق النار، وفي حين أكدت الجبهة أن السلطة العليا بيد المجلس، وأشارت إلى ضرورة إعادة هيكلة السلطة التنفيذية للحكومة الإقليمية لتكون "أكثر فعالية".
وتأتي هذه الخطوة وسط ضغوط داخلية وخارجية متزايدة على الحكومة الموقتة، إذ تزعم الجبهة أن المؤسسات القائمة لم تخدم مصالح شعب تيغراي على النحو الأمثل، وأن اتفاق بريتوريا تم الالتفاف عليه من الحكومة المركزية في أديس أبابا، مشيرة إلى إعادة تكليف تادسي وريدي بإدارة الحكومة الموقتة في تيغراي، من دون الاتفاق معها، بصفتها إحدى أبرز مظاهر تجميد الاتفاق من أديس أبابا، إذ ينص الاتفاق على تشكيل الحكومة الموقتة بالتشاور بين الطرفين.
واتهمت الجبهة الحكومة الفيدرالية بالتقاعس عن التنفيذ الكامل لاتفاق بريتوريا، مدعية أن القوات التي وصفتها بـ"الغازية" لا تزال متمركزة في أجزاء من تيغراي، مما يحول دون عودة السكان النازحين ويعرض المدنيين لمزيد من العنف والمعاناة.
كما زعمت الجبهة أن الخدمات الأساسية لم تستأنف بالكامل، وأن القيود المفروضة على موازنة الإقليم تؤثر في العاملين بالقطاع العام، مما يسهم في تفاقم الوضع الإنساني، بحسب وصفها، وحذرت الجبهة أيضاً مما وصفته بمحاولات تقويض الحكم الذاتي الدستوري لتيغراي، مدعية أن القرارات التي تؤثر في الإقليم تتخذ خارج الأطر المتفق عليها في اتفاق السلام.
تأتي هذه التطورات في ظل تصاعد التوترات السياسية داخل حكومة تيغراي الموقتة، عقب الجدل الدائر حول تمديد ولاية هذه الإدارة بقيادة الفريق تاديسي ووريدي، ورداً على الانتقادات المتزايدة والمطالبات باستقالته، دافع الرئيس تاديسي عن شرعية تعيينه، مؤكداً أنه تم في إطار القانون والمؤسسة الحاكمة للإدارة الموقتة، ورفض مطالب التنحي، معتبراً أن تغييرات القيادة يجب أن تخضع للقانون لا للضغوط السياسية أو المصالح المتضاربة.
تقويض نظام الحكم
وحذر تاديسي من أن محاولات تغيير هيكل القيادة خارج الإجراءات المعتمدة تهدد بتقويض نظام الحكم الهش الذي أرسي بعد وقف الأعمال العدائية، وأكد أهمية الحفاظ على الاستقرار المؤسسي في وقت تسعى فيه المنطقة إلى التعافي من آثار النزاع وتطبيق بنود اتفاق بريتوريا.
وفي الوقت نفسه، شدد تاديسي على ضرورة التركيز على الأولويات الملحة، بما في ذلك استعادة الخدمات الأساسية، وتلبية الاحتياجات الإنسانية، وتيسير عودة النازحين، وأكد ضرورة ألا تعرقل الخلافات السياسية الداخلية الجهود المبذولة لتحقيق الاستقرار في المنطقة ودفع عجلة التعافي.
أخطار كبيرة
من جهته يرى المتخصص في الشأن التيغراوي لايني صاموئيل أن القرار الذي اتخذته الجبهة ينطوي على أخطار كبيرة، في ظل عدم توصل الحزب إلى اتفاق مع الرئيس الموقت لحكومة الإقليم، بعبارة أخرى عدم التزام الجنرال تادسي بالقرارات التي أصدرتها الجبهة كمرشح سابق لها لقيادة الحكومة، مما قد يقود الوضع نحو المواجهة بين مؤيدي تادسي المدعوم من السلطة المركزية في أديس أبابا، والجبهة الشعبية المسيطرة على معظم مقدرات الإقليم.
وينوه صاموئيل إلى أن هذا التنازع قد يؤدي إلى صراع مسلح تيغراوي - تيغراوي، بخاصة في ظل عدم وجود الجيش النظامي الاثيوبي في الإقليم.
وكان الجنرال تادسي قائداً سابقاً للجيش، وعضو القيادة العسكرية أثناء حرب تيغراي، كما كان مسؤولاً أعلى لأجهزة الامن والاستخبارات، ولذلك فبإمكانه الاستفادة من مقدرات حكومته لمواجهة أي تحرك محتمل للانقلاب عليه.
وفي المقابل فإن الجبهة الشعبية باعتبارها الحزب الحاكم للإقليم منذ بدايات التسعينيات، فضلاً عن سيطرتها على قوات الدفاع التيغراوية (TDF)، من خلال عضوية قيادات هذه القوات في اللجنة المركزية للحزب، بإمكانها التحرك لعزل تادسي، ومن ثم ففي حال عدم إعلان تادسي تنازله عن إدارة الحكومة طواعية، سيكون السيناريو الأقرب للتحقق هو النزاع المسلح بين الطرفين.
ثلاثة سيناريوهات
ويقدر لايني أن انفجار أي صراع مسلح داخل الإقليم، سيمنح الذريعة للجيش النظامي وفقاً للتكليف الدستوري، للتدخل في الإقليم وفرض قانون الطوارئ، ومن ثم عودة الأوضاع لحال الرابع من نوفمبر 2020.
أما السيناريو الثاني فهو نجاح الجبهة في إنهاء حكم تادسي والانتقال مباشرة إلى وضع اليد على السلطة، وإعادة إحياء البرلمان المنتخب في سبتمبر (أيلول) 2020، وفي هذه الحالة يرى لايني أنه سيكون الصراع تيغراوياً - إثيوبياً، معتبراً أن الجيش الإثيوبي قد لا يتدخل بصورة مباشرة، لكن الحكومة الفيدرالية تمتلك أوراقاً رابحة، لإطباق الحصار على الإقليم، عبر تدابير عدة من بينها تجميد الموازنة السنوية الموجهة للإقليم، وإيقاف الخدمات الأساسية مثل البنوك والكهرباء وغيرها، كما حدث قبيل اندلاع الحرب في عام 2020، مما يجدد المخاوف المتعلقة بتوجيه "العقاب الجماعي للتيغراويين"، وفق ما ذكر لايني.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويستطرد المتحدث قوله "من المحتمل أن تكون الجبهة استعدت جيداً لهذا السيناريو لجهة حدوثه سابقاً"، مرجحاً أن تكون أسمرة قد وفرت ملاذاً، بمعنى أن تفتح حدودها مع تيغراي وتوفر البضائع الأساسية، بخاصة وأنها سبقت وأعلنت استعدادها التام لفتح موانئها أمام التيغراويين، وذلك في إحدى البرامج التلفزيونية المقربة من الرئيس الإريتري أسياس أفورقي.
ويضيف ثمة سيناريو ثالث، يتعلق بتدخل الأطراف الراعية لاتفاق بريتوريا للسلام، كالاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة، لمنع تصاعد الأحداث نحو النزاعات المسلحة، ومحاولة الحفاظ على السلام الهش، وفي هذه الحالة يفترض أن يتوجه الطرفان لمفاوضات جديدة، بغرض إعادة إحياء مقررات الاتفاق وتنفيذ بنوده، ومن بينها إلغاء قرار تعيين الجنرال تادسي في مقابل تراجع الجبهة عن قراراتها الأخيرة.
وضع شاذ
بدوره يرى الناشط التيغراوي يوهانس عقباي أن قرارات الجبهة مسنودة بالإرادة الجماعية داخل الإقليم، مشيراً إلى أن عودة البرلمان والحكومة المنتخبة من نحو 3 ملايين تيغراوي تمثل الخطوة الأولى نحو العودة للشرعية الدستورية، التي أجهضتها الحرب في عامي 2020 و2022.
ويتابع المتحدث "الخطأ الذي ارتكبه المفاوضون التيغراويون في بريتوريا، هو قبول تجميد البرلمان والحكومة المنتخبين"، مؤكداً أن القبول يأتي في إطار ضغوط الحرب، أما وقد توقفت الحرب وامتنعت حكومة الازدهار في أديس أبابا عن الالتزام ببنود اتفاق بريتوريا، فإن الشعب التيغراوي لن يتحمل مسؤولية الوضع الشاذ والمخالف لمقررات الاتفاق.
كلفة الحرب أقل
ويقلل عقباي من تداعيات القرار الذي اتخذته اللجنة المركزية للجبهة، موضحاً أن العودة للحرب لن تكون أكثر كلفة من البقاء في حال اللاحرب واللاسلم التي ظلت سائدة منذ ثلاث سنوات ونيف، متابعاً أن إقليم تيغراي لم يعد جزءاً من إثيوبيا منذ نهاية الحرب، إذ إنه غير ممثل في البرلمان الإثيوبي، كما لا يوجد له تمثيل في الحكومة المركزية، وهما الجهتان اللتان تديران شأن الإقليم.
علاوة على ذلك تمتنع الحكومة في أديس أبابا من الالتزام بمقررات الاتفاق، وتتعاطي مع بنودها بصورة انتقائية، إذ تمارس عقاباً جماعياً على التيغراويين، من قبيل تأخير أو تجميد الموازنة، ومنع وصول السلع الأساسية من وقود وغذاء وغيرها بغرض تأليب الرأي العام التيغراوي ضد الجبهة الشعبية، علاوة على الحملات الإعلامية الواسعة التي تؤججها وسائل الإعلام المملوكة للدولة ضد أبناء الإقليم بحجج وذرائع واهية، فضلاً عن موقف وزارتي العدل والسلام المركزيتين، بعدم الاعتراف بالجبهة الشعبية كحزب معتمد في البلاد، مشيراً إلى أن كل تلك الخطوات تمثل عقاباً جماعياً يستهدف التيغراويين.
ويتابع المتحدث "الأمر لم يتوقف عند حدود هذه الإجراءات العقابية، بل تطور إلى الإعداد للحرب، من خلال إقامة معسكرات عدة في إقليم العفر المجاور، بغرض استضافة مجموعات تيغراوية مسلحة، لإعلان الحرب ضد الإقليم"، مشيراً إلى أن وزارة الدفاع الإثيوبية تتكفل بالدعم المالي واللوجستي لهذه المعسكرات بجانب تكليف قيادات عسكرية مثل الجنرال صادقان غبري ميكائيل، والجنرال سامورا يونس وغيرهما لإعداد جيش مواز لقوات الدفاع التيغراوية.
فض الشراكة
ويقدر الناشط التيغراوي أن الإجراءات التي أعلنتها الجبهة تمثل جزءاً من "الإرادة الشعبية" التي تبلورت في مواقف عدة سابقة، بخاصة في ظل إصرار حكومة آبي أحمد على إبقاء ملف النازحين على حاله، فضلاً عن عدم التزامها بالمستحقات المالية للموظفين الحكوميين، إضافة إلى منع التجار التيغراويين من استيراد المواد الأساسية بما فيها الأغذية والوقود، ومن ثم فإن الاستمرار تحت هذه الظروف لم يكن ممكناً.
وأشار عقباي إلى أن الاجتماعات الشعبية التي عقدت أخيراً في عدد من مناطق تيغراي، تكشف عن حجم السخط الشعبي ضد حكومة أديس أبابا، إذ تبلورت مواقف عدة تطالب بفض الشراكة الناتجة من اتفاق بريتوريا.
ويضيف عقباي أن الوضع الذي ظل قائماً منذ نوفمبر 2020، لا يخدم إلا السلطة الحاكمة في أديس أبابا بجانب الجماعات الأكثر راديكالية في تيغراي التي تطالب بالاستقلال عن إثيوبيا، مؤكداً أن الجبهة لا تبدو على عجلة من أمرها للتراجع عن القرارات التي اتخذتها، باعتبار أنها تدابير تحظى بتأييد شعبي كبير، فضلاً عن أنها تعيد إحياء الحياة السياسية التي ظلت معطلة، بخاصة عودة المؤسسة التشريعية.