Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الاغتراب الرقمي... أكذوبة المجتمع الافتراضي

التعرض المستمر لأنماط متكررة للصورة التي يجب أن تكون عليها الحياة يؤدي إلى العزلة والإحباط وقد يصل الأمر إلى اضطرابات نفسية

أصبحت وسائل التواصل تكرّس للعزلة بعدما فقدت دورها الاجتماعي (أ ف ب)

ملخص

الأنظمة الرقمية لا تتعامل مع الإنسان بوصفه كياناً، بل باعتباره مجموعة من البيانات من خلال مشاهداته على السوشيال ميديا، وبناءً عليه تقدم له اختيارات معينة قد لا تتوافق معه، فهي تقرر له ما يشاهده وما يظهر أمامه على المنصات، ويجعله هذا مفعولاً به لا فاعلاً، فيتم منحه توصيات أو تقييمات أو أولويات معينة للأخبار والأحداث، فتنتج من هذا فجوة معرفية بين المستخدم والتكنولوجيا، ومن هنا يزيد شعوره بالاغتراب الرقمي

كم مرة طالعت مواقع التواصل الاجتماعي بمنصاتها المختلفة وقلت: هذا العالم لا يشبهني؟ أنماط الحياة، الملابس، الأماكن، الأشخاص، هذا الشعور الذي تسرب إليك هو ظاهرة عالمية معروفة تحت اسم الاغتراب الرقمي تتفاوت حدتها وأشكالها بين الناس طبقاً لعوامل كثيرة، بينها السن والظروف الاقتصادية وطبيعية المجتمع.

تفرض خوارزميات مواقع التواصل الاجتماعي على (المستهلكين) نمطاً معيناً لكل شيء وتضعه في قالب يوحي بأن الجميع يعيش هكذا، ويجب أن تلاحق التريند، وإلا ستكون مختلفاً، سواء في الموضة وديكورات المنازل التي أصبحت جميعها تشبه بعضها، صور وطبيعة الاحتفالات، مثل أعياد الميلاد وحفلات الزفاف، شكل وطبيعة العلاقات ونوعية الأماكن التي من المفترض أن نتردد عليها. ومن هنا انتشر مفهوم الاغتراب الرقمي، الذي أخذ صوراً متعددة، بينها الثقافي أو الاجتماعي أو النفسي، ما جعله مثاراً للبحث والدراسة، للإجابة عن تساؤل: كيف أثرت وسائل التواصل الاجتماعي في الإنسان لهذا الحد؟

أخيراً، نشر تقرير السعادة العالمي لعام 2026 تحت عنوان "صورة عالمية معقدة لوسائل التواصل الاجتماعي والسعادة"، وهو صادر عن مركز أبحاث الرفاهية بجامعة أكسفورد وشبكة حلول التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة، وأشار التقرير إلى انخفاض ملحوظ في مستوى السعادة، بخاصة عند الشباب أقل من 25 سنة، وربط ذلك بالاستخدام المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي، وأطلقوا على هذا اسم انقلاب منحنى السعادة، مشيراً إلى أن المنصات التي تعتمد على الخوارزميات والمحتوى البصري، مثل "تيك توك" و"إنستغرام" لها تأثير سلبي أكثر بكثير من المنصات التي تعتمد على التواصل المباشر.

 

ولفت التقرير إلى مفهوم الاغتراب الرقمي كناتج رئيس لعلاقة الإنسان بالتكنولوجيا، وأظهره بصور متعددة باختلاف الأجيال، فبينما يستخدم الكبار وسائل التواصل الاجتماعي لإنجاز مهام محددة، فإن الشباب يعيش داخلها كبيئة ومجتمع، وينتج من هذا أن الشباب والأصغر سناً يشعرون بالاغتراب نتيجة للخوارزميات التي تعرض لهم نماذج حياة مثالية ورفاهية زائدة فيشعرون بأنهم غرباء عن هذا العالم، ولا يحققون المعايير التي يروج لها للنجاح والسعادة والتفوق، بينما الأجيال الأكبر سناً إلى جانب ذلك يجدون أيضاً صعوبة في فهم لغة التواصل الجديدة أو الاندماج الرقمي والحصول على الخدمات التي أصبح معظمها رقمياً، مثل التسوق والخدمات المصرفية فيشعرون بالتهميش والوحدة الاجتماعية والاغتراب، لأن هذا العالم لا يشبههم، لكن طبقاً للتقرير فإن الأثر عليهم أقل نسبياً، لأن قطاعاً منهم لا يزال يتمسك بعلاقات حقيقية مع الأصدقاء أو الجيران.

هوية رقمية تخاصم الواقع

وفق رؤية استشاري علم النفس الرقمي وعضو الهيئة الاستشارية العليا لتكنولوجيا المعلومات نيفين حسني، "الاغتراب الرقمي يتمثل في شعور الناس بالغربة نتيجة للمقارنات بما يشاهدونه على مواقع التواصل الاجتماعي على كل المستويات، لكن قطاعاً كبيراً من الناس يقع في فخ كبير يتمثل في أن غالب ما هو معروض على السوشيال ميديا ليس حقيقياً، فالبعض يرغب في رسم صورة معينة عن نفسه وعن حياته بأنه يعيش نمطاً معيناً من الحياة، ويتردد على أماكن بعينها أو يعيش في وضع معين ينافي الحقيقة، وهذا ما يطلق عليه حالياً الهوية الرقمية التي قد تتنافي مع الواقع، وهناك قطاع آخر من الناس يرغب في تحقيق المكاسب بأي ثمن، فيقدم محتوى بغرض تحقيق المشاهدات والأرباح أياً كانت الوسيلة ليقتنع الناس بأن هذا هو الطبيعي، وغالب الناس تعيش حياة مشابهة".

 

وتضيف حسني، "الأزمة حالياً أن الناس ليس لديهم تفكير نقدي، ولا يحللون هذه التصرفات، إنما يأخذونها كأمور مسلم بها، ويبدأون في المقارنات بين حياتهم وما يقدم على السوشيال ميديا، وبالفعل يشعر قطاع كبير منهم بالغربة، وبأنه لا يعيش مثل هذا العالم الذي يشاهده على مواقع التواصل، الذي في الحقيقة معظمه مزيف، تتزايد الأزمة مع ضغط بعض الناس على أنفسهم مادياً لملاحقة نمط الحياة المقدم على السوشيال ميديا أو القيام بفعل أشياء عكس قناعاتها حتى لا يشعروا بالاغتراب، ويقنعوا أنفسهم بأنهم يعيشون في عالم يشبه الذي يشاهدونه"، مشددة على أن "الوعي الرقمي حالياً أصبح أولوية مع تزايد التزييف بكل صوره، لأنه أصبح سبباً في اضطرابات سلوكية وتشوهات معرفية، وإذا كان الأهل بهذا الأسلوب، فكيف سيكون الأطفال، بخاصة مع الواقع الحالي الذي أصبحت فيه السوشيال ميديا تمثل حياة الناس مع تراجع للحياة الحقيقية".

اغتراب لكن خوارزمي

في كتابه "مجتمع الصندوق الأسود" يشير الكاتب فرانك باسكوالي إلى مصطلح بعنوان الاغتراب الخوارزمي، ويوضح أن الأنظمة الرقمية لا تتعامل مع الإنسان بوصفه كياناً، بل باعتباره مجموعة من البيانات من خلال مشاهداته على السوشيال ميديا، وبناءً عليه تقدم له اختيارات معينة توجهه نحو محتوى معين قد لا يتوافق معه، فهي تقرر له ما يشاهده، وما يظهر أمامه على المنصات، ويجعله هذا مفعولاً به لا فاعلاً، فيتم منحه توصيات أو تقييمات أو أولويات معينة للأخبار والأحداث، فينتج من هذا فجوة معرفية بين المستخدم والتكنولوجيا، ومن هنا يزيد شعوره بالاغتراب، وقد ينتج من هذا اضطرابات نفسية متعددة.

 

يقول إبراهيم السيد (33 سنة، يعمل محاسباً بإحدى الشركات)، "بعض منصات السوشيال ميديا تعكس واقعاً معيناً بصورة مكثفة، وكأنه الواقع، فبجولة على (إنستغرام) سنجد الجميع في أفضل صورة، ويرتدي الملابس الفاخرة، ويتنزه في أفضل الأماكن، وأجد أنني غير قادر على أن أكون مثلهم، وإذا انتقلت إلى (تيك توك)، أفاجأ بعالم آخر يهدف فيه غالب الناس لتحقيق الربح بأي وسيلة كانت، حتى ولو كان على حساب القيم والأخلاق، اكتشف أنني لا أنتمى إلى أي من الفريقين، وأن كل من العالمين لا يشبهني، وبالفعل أشعر بالاغتراب، بخاصة مع قلة العلاقات الحقيقية حالياً".

فيما تشير دينا نبيل (مدرسة 29 سنة)، "حينما أتصفح مواقع التواصل الاجتماعي أطالع كثيراً من مقاطع الفيديو المتعلقة بالتجميل والديكور والموضة لكثير من المؤثرين. في البداية، كنت أراها صورة من صور التسلية والترفيه بعد يوم عمل طويل، لكن أخيراً بدأت تصيبني بالإحباط، وأصبحت أشعر بعدم الرضا عن منزلي وملابسي وشكلي وعملي، وينتابني إحساس بأنني لا أشبه هؤلاء الناس الذين أتعرض لمحتواهم باستمرار".

التأثير في الصحة النفسية

طبقاً لمنظمة الصحة العالمية، ففي عام 2025 فإن واحداً من كل 6 أشخاص في العالم يعاني الوحدة، ويعاني نحو 332 مليون شخص في العالم الاكتئاب، وفي تقرير سابق بنهاية عام 2020 قالت منظمة الصحة العالمية إن هناك ما يشبه الجائحة الموازية لكورونا، لكنها تتعلق بالاضطرابات النفسية المختلفة التي عاناها قرب المليار شخص، من يذكر هنا أن فترة كورونا إلى جانب الضغوط النفسية التي تعرض لها الناس قلقاً من الوباء، فإنها شهدت تعرضاً مضاعفاً لوسائل التواصل الاجتماعي بفعل الحظر والإغلاق.

وعلى رغم التأثير الكبير للسوشيال ميديا في كل فئات المجتمع من كل الأعمار فإن الشباب والمراهقين باعتبارهم من أكبر المستهلكين لها سيزداد تأثرهم بكل الجوانب السلبية والإيجابية الناتجة منها، ومن بينها الاغتراب الذي أثبتت كثير من الدراسات حول العالم أثره الكبير عليهم.

في دراسة أجريت عام 2024 في أميركا بعنوان "تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الصحة النفسية والرفاهية" أفادت بأن الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي أدى إلى آثار سلبية كبيرة على تقدير الذات والإحساس بالاغتراب، بخاصة بين المراهقين، باعتبار هذه الفئة العمرية معرضة بصورة خاصة لتأثير وسائل التواصل الاجتماعي نظراً إلى طبيعتهم، حيث لا يزال تقديرهم للذات والهوية قيد التكوين.

وأثبتت الدراسة أن المراهقين أكثر عرضة للتأثر بالصور المثالية التي يصادفونها، بخاصة لشكل الجسد والمعايير الجمالية المحددة التي غالباً ما يهيمن عليها النحافة للإناث والعضلات للذكور، مما يؤدي غالباً إلى عدم الرضا عن أجسادهم وتدني تقدير الذات، باعتبار أن من لا يتوافق مع هذه المواصفات قد يتعرض للتنمر أو الإقصاء، بالتالي تتأثر حالتهم النفسية ويشعرون بالاغتراب.

 

فيما أثبتت دراسة مصرية بعنوان "العلاقة بين استخدام الشباب الجامعي المصري لتطبيقات التواصل الاجتماعي، ومستوى الشعور بالاغتراب لديهم" أجريت في جامعة عين شمس عام 2023، أن الغالبية العظمي من الشباب الجامعي لعينة الدراسة يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثافة عالية إلى متوسطة بنسبة (87.5 في المئة)، وأن هناك علاقة ارتباطية بين كثافة الاستخدام وزيادة الشعور بالاغتراب.

يوضح استشاري الطب النفسي علي بهنسي، "الأجيال الجديدة أصبحت السوشيال ميديا هي المقياس لكل شيء بالنسبة إليهم، وهذا أصبح أمراً واقعاً، وللأسف فإن له تأثيراً كبيراً عليهم بصور متعددة، أهمها أن قدراتهم على التخيل أصبحت ضعيفة، ولديهم مشكلة كبيرة في التعبير عن المشاعر. يوجد قطاع منهم كامل تفاعله وحياته على السوشيال ميديا، بل إنه قد يشعر بالاغتراب في التعامل في العالم الحقيقي، ولا يستطيع التواصل مع الناس، وهذه واحدة من الأزمات القائمة بشدة حالياً عند الأجيال الجديدة بعكس الأكبر سناً التي لا يزال لديها قدرة على التواصل الحقيقي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويتابع "وسائل التواصل الاجتماعي فقدت دورها الاجتماعي بالفعل، وأصبحت منصات تكرس للعزلة ونتج من هذا مشكلات نفسية متعددة طبقاً لمنظمة الصحة العالمية من أهمها القلق والاكتئاب والشعور بالوحدة، إضافة إلى الإحساس بالخجل والإحباط نتيجة لعدم قدرة الشخص على مجاراة ما يشاهده، الإنسان بالأساس كائن اجتماعي، ومن المفترض أن يتعامل مع الناس، ويتفاعل بصورة حقيقية، وعلى رغم أنه أصبح واقعاً فإنه يجب العمل على تقليل النشاطات الأونلاين لصغار السن مثل التعليم وغيره حتى تتاح لهم الفرصة للتفاعل الحقيقي".
ويضيف "يشاهد الناس بالفعل كثير من المؤثرين على السوشيال ميديا يعيشون أنماطاً من الحياة تختلف كلياً عن واقع حياتهم، وتشعرهم بالإحباط، بخاصة بالنظر إلى خلفيات حياة بعض هؤلاء المؤثرين التي أحياناً ما تفتقر للتعليم أو الوعي، وعلى رغم من ذلك يحققون مكاسب طائلة، فينتج من ذلك أن كثيراً من الناس يشعرون بالاغتراب بالفعل، وبأنهم لا ينتمون إلى هذا العالم الذي تعكسه مواقع التواصل الاجتماعي".

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات