Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

النووي الإيراني و"الدرس الليبي"... خوف قديم راود خامنئي

رأى أن نزع السلاح يمثل نموذجاً للثقة الخاطئة بالغرب

تُظهر الصورة لقاءً بين علي خامنئي رئيس إيران وقتها ومعمر القذافي خلال قمة عدم الانحياز في زيمبابوي عام 1986، في ذروة التقارب السياسي بين إيران وليبيا خلال الحرب الإيرانية ـ العراقية.  (غيتي) 

ملخص

سمحت ليبيا لمسؤولين من روسيا والولايات المتحدة وبريطانيا بزيارة 10 مواقع سرية سابقة، إضافة إلى عشرات المختبرات والمصانع العسكرية الليبية، للبحث عن أدلة تتعلق بأنشطة دورة الوقود النووي والبرامج الكيماوية والصاروخية.

أبدى المرشد الإيراني السابق علي خامنئي ردود فعل لافتة إزاء ما جرى للمشروع النووي الليبي، ووجه تحذيرات متكررة إلى القادة العسكريين وإلى الشعب الإيراني في هذا الشأن. وقد فعل ذلك سعياً إلى تجنيب إيران ومشروعها النووي، وكذلك تجنيب نفسه، المصير الذي انتهت إليه التجربة النووية الليبية والرئيس الليبي السابق معمر القذافي.

مآلات المشروع النووي الليبي

كان معمر القذافي، خلال عقد الثمانينيات، يلجأ إلى السوق السوداء، ويستعين بالمهندس النووي السويسري فريدريش تينر، للشروع في تطوير أسلحة نووية. وفي يوليو (تموز) 1995، أفادت الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأن ليبيا اتخذت قراراً استراتيجياً بإعادة تفعيل أنشطتها النووية، بما في ذلك تخصيب اليورانيوم باستخدام أجهزة الطرد المركزي الغازية، القادرة على تخصيب اليورانيوم للاستخدام في المفاعلات النووية، وكذلك لإنتاج المواد الانشطارية اللازمة لصناعة الأسلحة النووية.

وكان تبرير القذافي لامتلاك السلاح النووي نابعاً من قلقه إزاء القدرات النووية الإسرائيلية، وقد عبر علناً عن رغبته في امتلاك هذا السلاح. كذلك لعب عبدالقدير خان، الذي يصفه الباكستانيون بـ"أب المعرفة النووية"، دوراً مؤثراً في نقل التكنولوجيا وأجهزة الطرد المركزي إلى ليبيا.

وقد خضع البرنامج النووي الليبي لضغوط شديدة نتيجة العقوبات الأميركية، وفي عام 1999 اقترح القذافي، خلال محادثات سرية مع إدارة بيل كلينتون، التخلي عن أسلحة الدمار الشامل وفتح منشآته أمام التفتيش الدولي.

وبعد الهجوم الأميركي على أفغانستان، سعى القذافي بصورة متزايدة إلى تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة، وركز في البداية على رفع العقوبات الأميركية المفروضة على ليبيا.

وكان الحدث الذي دفع القذافي في نهاية المطاف إلى التخلي عن أسلحة الدمار الشامل وبرنامجه النووي، رسالة تلقاها في عام 2001 من الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش، جاء فيها: "إما أن تتخلوا بأنفسكم عن أسلحة الدمار الشامل، أو أن الولايات المتحدة ستتولى تدميرها بنفسها، وتقضي على كل شيء من دون أي تفاوض".

وعقب ذلك، بدأ المسؤولون الليبيون عقد اجتماعات سرية مع مسؤولين من المملكة المتحدة وروسيا والولايات المتحدة، بهدف القضاء رسمياً على هذا البرنامج.

وفي مارس (آذار) 2003، وقبل أيام قليلة من غزو العراق، تواصل مبعوثو القذافي الشخصيون مع كل من جورج دبليو بوش وفلاديمير بوتين وتوني بلير، في شأن رغبة ليبيا في تفكيك برنامجها النووي.

وبناء على أوامر القذافي، سلم المسؤولون الليبيون وثائق وتفاصيل إضافية حول الأنشطة الكيماوية والبيولوجية والنووية، إضافة إلى برامج الصواريخ الباليستية، إلى دبلوماسيين بريطانيين وروس وأميركيين.

وفي الـ19 من ديسمبر (كانون الأول) 2003، أعلن القذافي، بصورة مفاجئة، نيته تفكيك برامج أسلحة الدمار الشامل الليبية.

ونقل عن مسؤولين في وزارة الخارجية الليبية أن ليبيا اشترت مكونات نووية من سماسرة متعددين في السوق السوداء، وقدمت تصاميم متنوعة لأجهزة الطرد المركزي إلى المسؤولين الأميركيين، أيضاً كشفت عن أسماء مورديها.

كذلك سمحت ليبيا لمسؤولين من روسيا والولايات المتحدة وبريطانيا بزيارة 10 مواقع سرية سابقة، إضافة إلى عشرات المختبرات والمصانع العسكرية الليبية، للبحث عن أدلة تتعلق بأنشطة دورة الوقود النووي والبرامج الكيماوية والصاروخية.

وفي الـ22 من يناير (كانون الثاني) 2004، نقلت طائرات نقل عسكرية أميركية نحو 55 ألف رطل (25 ألف كيلوغرام) من الوثائق والمعدات المتعلقة ببرامج الصواريخ النووية والباليستية الليبية إلى مختبر "أوك ريدج" الوطني في ولاية تينيسي.

وفي مارس 2004، أخرج أكثر من ألف قطعة إضافية من أجهزة الطرد المركزي والصواريخ من ليبيا.

وقد أدى إضعاف القدرات الردعية الصاروخية والنووية الليبية، بعد اندلاع الانتفاضة في عام 2011، إلى سقوط نظام القذافي إثر تدخل حلف شمال الأطلسي، وتحول ليبيا إلى دولة ممزقة بين جماعات مسلحة مرتبطة بقوى أجنبية عدة، فضلاً عن اندلاع حرب أهلية طويلة الأمد.

وقد أشار علي خامنئي، المرشد الإيراني، مراراً في خطاباته إلى تجربة تفكيك البرنامج النووي الليبي، أو ما يعرف بـ"النموذج الليبي"، واصفاً إياها بأنها تحذير ودرس وعبرة لإيران، وذلك على رغم العلاقات الودية التي جمعت البلدين، ودعم ليبيا القذافي لإيران خلال حربها مع العراق.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"النموذج الليبي" وتحذيرات خامنئي

وفي ما يأتي أبرز النقاط التي طرحها خامنئي في هذا السياق:

أولاً انتقاد تفكيك المشروع النووي: أشار علي خامنئي إلى خطأ استراتيجي ارتكبه القذافي في ديسمبر 2003، عندما وافق على شحن جميع التجهيزات النووية الليبية بحراً وتسليمها بالكامل إلى الولايات المتحدة، في مقابل وعود برفع العقوبات.

وقال خامنئي، منتقداً القذافي، "إن هذا السيد (القذافي) جمع كل تطلعاته وتجهيزاته النووية، ووضعها في سفينة، وشحنها إلى الغربيين، وقال: خذوها. لقد سلمهم كل شيء، في مقابل وعود كاذبة بأنهم سيغضون الطرف عنه ولن يهددوه".

ثانياً انتقاد الثقة بالغرب: انتقد خامنئي معمر القذافي بسبب تسليمه جميع المعدات النووية للغرب استناداً إلى ما وصفه بتهديدات ووعود فارغة، وقد ورد ذلك في أبرز خطاب تناول فيه خامنئي هذا الملف بالتفصيل، وهو الخطاب الذي ألقاه يوم الأحد الـ20 من مارس 2011 في مدينة مشهد، بمناسبة العام الإيراني الجديد.

وجاء هذا الخطاب بالتزامن مع انطلاق العمليات العسكرية لحلف "الناتو" ضد ليبيا وسقوط نظام القذافي، إذ شرح خامنئي بالتفصيل الأبعاد التاريخية لـ"النموذج الليبي."

كذلك رأى أن نزع السلاح النووي الليبي يمثل نموذجاً للثقة الخاطئة بالغرب، وهي الثقة التي أدت، بحسب رأيه، إلى سقوط النظام الليبي في نهاية المطاف.

خطاب الـ23 من أغسطس (آب) 2011: ألقى خامنئي هذا الخطاب خلال لقائه بمسؤولي النظام الإيراني في شهر رمضان، وجدد فيه تحذيره مما وصفه بمطامع الغرب في ليبيا بعد تجريدها من عناصر قوتها.

خطاب فبراير (شباط) 2020: أشار خامنئي، بصورة غير مباشرة، إلى "مفاوضات التفكيك"، محذراً قادة الحرس الثوري والجيش من تكرار "نماذج الاستسلام" الإقليمية التي أدت، بحسب تعبيره، إلى تدمير البنية الدفاعية للدول. كذلك أكد أن الهدف النهائي للولايات المتحدة هو الإغلاق الكامل للصناعات النووية الإيرانية، تماماً كما حدث في ليبيا.

النقاشات الأخيرة (2025 ـ 2026): عاد الحديث بكثافة في الأوساط الإيرانية الرسمية عن الموقف ذاته، مع الاستشهاد بخطابات خامنئي السابقة، ولا سيما بعد تسريبات أشارت إلى شروط أميركية تطالب بإنهاء عمليات تخصيب اليورانيوم بصورة كاملة، لتجنب التصعيد العسكري.

مصير القذافي ومصير خامنئي

أدت الانتفاضة الليبية في عام 2011 إلى نهاية مأسوية للقذافي، الذي حكم ليبيا لمدة 42 عاماً بقبضة من حديد، قبل أن يقتل على يد معارضيه بصورة مروعة.

وقد شهد علي خامنئي، خلال أعوام حكمه الطويلة، تلك النهاية، كذلك شهد قبلها ما حدث لصدام حسين في العراق عام 2003، ثم تابع لاحقاً سقوط نظام حليفه الوثيق، رئيس النظام السوري السابق بشار الأسد، وفراره إلى روسيا في عام 2024، إضافة إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى الولايات المتحدة في يناير 2026.

ويبدو أن خامنئي، سعياً إلى تجنب مصير الأسر بيد القوات الأميركية أو المعارضة الإيرانية، أو التعرض للخطف أو الهرب إلى خارج إيران، لم يجد خياراً سوى البقاء في مقره، وذلك أدى في النهاية إلى اغتياله داخل قصر "مرمر" في طهران يوم الـ28 فبراير 2026، إثر قصف نفذته طائرات أميركية وإسرائيلية.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل