ملخص
إن السيرة معطى فيزيقي واقعي وليس متخيلاً، من هنا تكمن صعوبة الاشتغال على السيرة الذاتية سينمائياً، فهي تدعو المخرج السينمائي ومعه السيناريست إلى ضرورة البحث عن معلومات والحفر في خفايا تمثل "كبد الحقيقة"
يعثر المشاهد داخل الفيلموغرافيا الغربية على نماذج سينمائية كثيرة جعلت من السيرة أفقاً لبناء حكاية سينمائية تتصادى فيها الحقيقة بالخيال. ذلك أن السينما الهوليوودية تحبل بأفلام مذهلة راهنت جمالياً على مفهوم الأوتوبيوغرافيا المستند فكرياً إلى تجارب إنسانية من عوالم مختلفة تتصل بالفن والإعلام والسياسة والرياضة، إذ يروم المخرج الكشف عن شخصية أيقونية أثرت بصورة كبيرة في المخيال الجمعي، بما يجعله يعيد نسج علاقة سينمائية مع هذه الشخصيات وطفولتها وتاريخها وذاكرتها. إن السير الذاتية تستند في الأساس إلى معلومات حقيقية، وطالما شكلت أفقاً لعديد من الكتاب والأدباء الذين أعادوا من خلال شخصيات معينة رسم ملامح تجاربهم الإنسانية، ليكون الغرض من هذه المؤلفات تقديم دروس في الحياة.
لكن السيرة وإن استندت إلى وقائع حقيقية معاشة، تبقى من الأعمال الأدبية التي يتسرب إليها هاجس الخيال حتى لو كان عن طريق اللغة الواصفة. وتختلف السير المكتوبة عن نظيرتها المصورة، فالأولى تركز على التفاصيل والجزئيات والنتف الصغيرة التي تغذي شراهة القارئ، وتغدو الأشياء الصغيرة ذات قيمة أكبر من المعلومات التي نعتقد أنها أكثر أهمية. أما في السينما فتخضع السيرة إلى نوع من الانتقائية بالنسبة إلى المخرج، لأن الأخير لا يهمه السرد الرتيب الموجود بين ثنايا اللغة الأدبية، وإنما يبحث عن اللحظات المثيرة والمراحل الأكثر إشراقاً داخل السيرة الذاتية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتحظى السير المكتوبة بمبيعات هائلة داخل أميركا وفرنسا وبريطانيا، بخاصة إذا كانت الشخصية المكتوب عنها مشهورة وتنتمي إلى عالم الفن أو السياسة أو المال، إذ ترتفع شهية القارئ تجاه هذه السير من أجل قراءتها ومعرفة الطريق التي مرت منها شخصية البطل ليصل إلى نجاحاته. ونظراً إلى الطابع الواقعي الذي تتميز به السيرة الذاتية، فإن أغلب المخرجين يحاولون عبر هذه اليوميات والمذكرات أن ينقلوا مسار الشخصيات إلى عالم الفن السابع، حيث لا تصبح حياتهم ملكاً لهم فقط، بل لأشخاص آخرين يناقشون حياتهم وأفكارهم ومواقفهم عبر فعل التأويل.
معطى واقعي وفعل مركب
إن السيرة معطى فيزيقي واقعي وليس متخيلاً، من هنا تكمن صعوبة الاشتغال على السيرة الذاتية سينمائياً، فهي تدعو المخرج السينمائي ومعه السيناريست إلى ضرورة البحث عن معلومات والحفر في خفايا تمثل "كبد الحقيقة"، ليكون الفيلم ملحاً للتجسد وتكون السيرة ذات أثر واضح يحدد الأسباب التي جعلت المخرج يعمل عليها سينمائياً. وهذا المنزع الواقعي في السيرة الذاتية يجعلها صعبة ومركبة وتحتاج إلى أكثر من عقل للتفكير في عوالمها.
وتعد مرحلة الإعداد القبلي و"التوثيق" بالغة الأهمية بالنسبة إلى السيناريست، من أجل جمع المعلومات والصور والوثائق ورصد الظلال المؤثرة في حياة البطل والتقاط تفاصيلها وإعادة كتابتها وفق آلية فكرية تراهن على الحقيقة وتجعل منها النبراس الذي يضيء معالم الطريق بالنسبة إلى المخرج. ويزداد الفيلم صعوبة إذا كانت الشخصية مشهورة جداً لا تزال حية وتحظى دائماً بآراء متباينة من المعجبين في مختلف العالم، وهنا تكون مهمة المخرج صعبة، ويتوجب عليه أن يكون عمله أشبه بـ"القاضي" على مستوى فحص الوثائق والصور والحوارات، من خلال آلية دقيقة "تغربل" الأحداث وتركز على الأهم منها، بغية العثور على خيط مضيء، هو الذي يصبح عماد السيناريو ويشكل حكاية الفيلم، وتصبح معها الأحداث والوقائع الأخرى مجرد ظلال عابرة في بنية الحكاية الأصل.
لكن على رغم الضغط الذي تمارسه السيرة الذاتية على المخرج، فقد نجحت السينما الغربية في "تخييل" كثير من السير الذاتية التي لم يكن العالم يعرف عنها شيئاً، لكن بتحويلها إلى فيلم سينمائي تغدو شهيرة ومركزية في المتخيل الجماعي، كما هي الحال مع فيلم "أوبنهايمر" (2023) للمخرج البريطاني الأميركي كريستوفر نولان، الذي حقق نجاحاً ساحقاً في تاريخ السينما الأميركية.
والمثير في فيلم كريستوفر نولان أنه أعاد الاعتبار لهذا النمط من السينما الذي يندرج ضمن سينما التأليف، مقابل نماذج كثيرة حولت هوليوود إلى مختبر لإنتاج سينما تجارية تراهن في مجملها على الترفيه والاستهلاك. فالنجاح الذي حققه الفيلم المستند إلى حياة عالم الفيزياء النظرية روبرت أوبنهايمر، جعل المؤسسات الإنتاجية تؤمن بأهمية أفلام السيرة الذاتية والمكانة التي تتنزلها في قلوب المشاهدين.
جماليات التخييل
لكن يسجل المرء في هذه الأفلام كيف أن السير السياسية تغيب عن متخيلها، إذ نعثر على نماذج قليلة شرحت الأفق السياسي لبعض الأفلام مثل "لينكون" (2012) للمخرج الأميركي ستيفن سبيلبرغ، و"مانديلا.. طريق طويل إلى الحرية" (2013) للمخرج جاستين شادويك، و"غاندي" (1982) للمخرج ريتشارد أتنبره، وغيرها من الأفلام التي أعادت الاعتبار للسير السياسية وجعلت منها مادة للتخييل. وأغلب هذه الأفلام رافقها ضجيج إعلامي وجدل نقدي، لأنها لا تكشف فقط عن الوجه الحقيقي للمسار السياسي الذي طبع تجارب هذه الشخصيات.
وحتى لو كانت نية المخرج ترتكز على ضرورة نقل "الحقائق" ووقعت كأحداث تاريخية في مسار السيرة الذاتية، فإن الشكل السينمائي دائماً ما يجعل المادة فيها نوعاً من التخييل البصري. فالعقل البشري أمام الشاشة الكبيرة يكون مصاباً بنوع من السحر الذي يجعله لا ينقب عن الحقيقة والخيال في بنية العمل السينمائي. ذلك أن مصدر الجدل يكون هو "الواقعي" و"التخييلي" في الفيلم، فغالباً ما تطرح هذه الأفلام التي تكون ذات نبرة سياسية كثيراً من الأسئلة بين السياسيين الموالين لبعض الأفكار والمواقف والمعتقدات.
يبدأ نجاح فيلم السير السياسية انطلاقاً من الأثر الجمالي الذي يتركه في ذائقة المُشاهد. ذلك أن المخرج مطالب بضرورة الرهان على البعد الفني وتأسيس لغة جمالية تستند إلى دقة السيناريو وشعرية الصورة وفتنة الأداء. فهذه العناصر الفنية تظل بمثابة أساس فلسفي تتأسس عليه الصناعة السينمائية في العالم. إن ابتكار مساحة الخيال تفرض نفسها على المخرج لحظة الاشتغال على السيرة الذاتية، فهو معني بـ"المُثير" و"المُدهش" الذي ينبغي التركيز عليه لجذب انتباه المشاهدين ومحاولة بناء مسار تخييلي للحكاية في علاقتها بالقصص الصغيرة التي تكون مكملة لها.
وبمجرد نجاح المخرج في التقاط حكاية فيلمه، يؤثر ذلك جمالياً على مسار الفيلم، إذ يركز ببساطة على النفس السردي للسيرة ويجعلها تنساب هادئة في بنية العمل السينمائي. لكن في حال ضاعت الحكاية بالنسبة إلى المخرج فإن الفيلم يصبح لا محالة سلسلة من الصور والمَشاهد التي تكون أشبه بـ"أرشيف" بصري غير منظم، مما يجعل عين المُشاهد ترتبك ولا تحقق لنفسها أية متعة جمالية لحظة عرض الفيلم.
وينبغي أن نميز بين الأفلام السياسية وأفلام السير السياسية، فالأولى عامة تصبح فيها السينما وسيلة لخدمة الأيديولوجيا، وتكون موضوعاتها ذات علاقة بقضايا سياسية تتعلق بالبرلمان أو "البيت الأبيض" أو الاستخبارات أو المظاهرات والاحتجاجات. ويغلب على هذه الأفلام الطابع الاحتجاجي في بناء الصور والمَشاهد، إذ تصبح ذات نبرة سينمائية تعلي من قيمة المواقف السياسية على حساب المعالجة البصرية. وتعتبر أفلام من قبيل "آرغو" (2012) لبين أفليك، و"المرشح المنشوري" (2004) لجوناثان ديم، و"زد" (1969) لكوستا غافراس، ذات أثر بالغ في الذاكرة بحكم ما طرحته من أسئلة سياسية عميقة تعيد الاعتبار لسلسلة من القضايا المنسية داخل الفضاء السياسي العام.
أما الثانية، فهي قليلة داخل السينما الغربية لأنها أفلام تركز على عنصر السيرة الذاتية، وأغلب السياسيين يتجنبون الأفلام والوثائقيات حول حياتهم، بخاصة حين يكون منسوب الفساد مرتفعاً، فهم يخافون على مصالحهم وصورتهم. وهناك أفلام وثائقية لا يهمها البعد الجمالي بقدر ما تجعل مسار الفيلم يتخذ نمطاً حفرياً، ويصبح عمل المخرج شبيهاً بعمل الصحافي من ناحية البحث عن الحقائق وكشف المخفي وتعرية المكبوت الذي طالما تسترت عليه بعض الرموز السياسية في علاقتها بالشأن العام. ويعد فيلم "المتدرب" (2024) للمخرج الإيراني على عباسي من النماذج السينمائية المضيئة في هذا الصدد، والتي رصدت سيرة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وصعوده في حياته المهنية كرجل أعمال قبل أن يعرج على التمثيل ثم السياسة.