ملخص
يتوقع أن تكون إدارة آبي أحمد قد ضاعفت من جهود التواصل مع واشنطن بعد عزم الأخيرة إعادة الدفء لعلاقاتها مع أسمرة، ومن ثم فإن مناقشة أمن البحر الأحمر مع الوفد الإثيوبي في واشنطن، لا يعني أبداً اعتراف الولايات المتحدة بحق إثيوبيا في توفير منفذ بحري في السواحل الإريترية، بل قد يشير إلى أن واشطن تتبنى رؤية أشمل لأمن البحر الأحمر تتعلق بالاستقرار الإقليمي الأوسع.
وقعت إثيوبيا اتفاقاً إطارياً ثنائياً للتشاور الهيكلي مع الولايات المتحدة يتعلق بـ"التعاون الدفاعي"، إضافة إلى التعاون الأمني والاستثماري. وذلك خلال زيارة وفد إثيوبي ضم إلى جانب وزير الخارجية جيداون تيموثيوس، المدير العام لجهاز الاستخبارات والأمن القومي رضوان حسين، ومستشار رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية الكلية، السفير جيرما بيرو.
ووقع الاتفاق الإطاري من طرف إثيوبيا وزير الخارجية جيداون تيموثيوس، ومن الطرف الأميركي أليسون هوكر، مساعدة وزير الخارجية للشؤون السياسية في وزارة الخارجية الأميركية.
وأجرى الوفد الإثيوبي في واشنطن محادثات موسعة مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، شملت عدداً من القضايا من بينها ملف سد النهضة والاستقرار الإقليمي في منطقة القرن الأفريقي.
وتأتي هذه الخطوة في أعقاب صدور تقارير عدة عن سعي الولايات المتحدة إلى رفع العقوبات المفروضة على إريتريا، في إطار إعادة تقييم السياسات الأميركية تجاه المنطقة ارتباطاً بالمستجدات المترتبة على الحرب الأميركية على إيران، وتجدد التحديات الأمنية في البحر الأحمر وجهود الولايات المتحدة لمواجهة عدم الاستقرار حول الممرات البحرية الرئيسة، بخاصة بعد أزمة مضيق هرمز.
وأعرب عدد من المسؤولين الإثيوبيين، من بينهم مستشار رئيس الوزراء الإثيوبي لشؤون دول شرق أفريقيا جيتاشوا ردا، بأن "خطوة الولايات المتحدة بإعادة تطبيع علاقاتها مع أسمرة ينبغي أن ترتبط بشروط، من بينها ضرورة حلحلة خلافات أسمرة مع أديس أبابا، حتى يتحقق الاستقرار الإقليمي الحقيقي في القرن الأفريقي".
كذلك طرح بعض المراقبين لشؤون منطقة القرن الأفريقي، عدداً من التساؤلات حول موقف الولايات المتحدة جراء الخلافات الإريترية - الإثيوبية الناتجة من سعي الأخيرة إلى إيجاد منفذ على سواحل البحر الأحمر، بخاصة في ظل تزايد أهمية هذا الممر المائي الدولي.
بولس يحدد المحاور
من جهته، صرح مسعد بولس، كبير مستشاري الشؤون العربية والأفريقية في الولايات المتحدة، بأنه عقد "اجتماعات مثمرة وشاملة" مع الوفد الإثيوبي، تناولت القضايا المتعلقة بسد النهضة والحرب في السودان وأمن البحر الأحمر وتوسيع الاستثمارات الأميركية في إثيوبيا.
وأضاف بولس في بيان عقب المحادثات أن المناقشات، التي ضمت وفداً إثيوبياً برئاسة وزير الخارجية جيديون تيموثيوس ومسؤولين أميركيين رفيعي المستوى، كانت "مثمرة وشاملة".
وأشار أن الجانبين أجريا "محادثات بناءة حول نهر النيل وسد النهضة"، مما يشير إلى تجدد التزام الولايات المتحدة بأحد أهم المشاريع الجيوسياسية لإثيوبيا.
تأتي تصريحات بولس بعد أشهر من تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن حل التوترات المحيطة بسد النهضة الإثيوبي "على رأس أولوياتي"، عارضاً استئناف الوساطة الأميركية بين إثيوبيا ومصر في شأن هذه القضية.
وفي رسالة وجهها في يناير (كانون الثاني)، كان الرئيس الأميركي قد حذر من خطر المواجهة العسكرية في شأن السد، مقترحاً في الوقت ذاته استئناف المشاركة الأميركية في المفاوضات الرامية إلى ضمان "تصريف مياه منتظم خلال فترات الجفاف والأعوام الجافة الممتدة" لمصر والسودان، مع السماح لإثيوبيا بمواصلة توليد الكهرباء من السد.
وأوضح بولس أن المناقشات التي جرت في واشنطن تناولت الأوضاع الراهنة في السودان، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة كثفت من جهودها الدبلوماسية حول الملف السوداني.
وقال "ناقشنا الجهود الدولية لتيسير هدنة إنسانية وتحقيق سلام دائم في السودان"، وأضاف أن "المحادثات جددت الالتزام المشترك بتعزيز الاستقرار الإقليمي، بما في ذلك الأمن البحري في البحر الأحمر"، مما يعكس التركيز الاستراتيجي الأميركي المتزايد على القرن الأفريقي، بخاصة ما يتعلق بمضيق باب المندب كممر مائي دولي، في ظل تزايد اضطرابات الشحن العالمية واشتداد التنافس الجيوسياسي.
وعلى الصعيد الاقتصادي، قال بولس إن المحادثات أتاحت "فرصة مهمة لمناقشة القضايا الاقتصادية والتجارية الثنائية، بما في ذلك تشجيع الاستثمارات الأميركية".
إلا أن هذه المناقشات الاقتصادية تأتي في وقت تواصل فيه إثيوبيا جهودها لاستعادة أهليتها بموجب قانون النمو والفرص في أفريقيا (AGOA)، وهو برنامج التجارة الأميركي الذي علقت عضويتها فيه عام 2021 عقب اندلاع الحرب في إقليم تيغراي.
وعلى رغم أن الكونغرس الأميركي مدد في الفترة الأخيرة العمل بقانون AGOA حتى عام 2028، لا تزال إثيوبيا مستبعدة من البرنامج، ولم يتضح ما إذا كان هذا الموضوع من بين المواضيع التي نوقشت.
ووفقاً لبيان صادر عن وزارة الخارجية الأميركية، ناقش الوزير روبيو (الاثنين الماضي) دور إثيوبيا في الأمن الإقليمي خلال اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء آبي أحمد، تزامناً مع زيارة الوفد الإثيوبي لواشنطن، وأضاف البيان أن روبيو وآبي أحمد ناقشا "الاستقرار الإقليمي والتعاون في مكافحة الإرهاب"، فضلاً عن "بناء أساس لأمن طويل الأمد في القرن الأفريقي".
الخارجية الإثيوبية تعلق
وفي بيان منفصل صادر عن وزارة الخارجية الإثيوبية، أكدت أديس أبابا أن المحادثات ركزت على ثلاثة محاور رئيسة: الازدهار الاقتصادي من خلال توسيع مجالات الاستثمار الأميركي، والتعاون الدفاعي والأمني، إضافة إلى تعزيز السلام والاستقرار الإقليميين.
وأكدت الخارجية الإثيوبية أن إنشاء آلية المشاورات الثنائية بين البلدين من شأنه أن "يعزز ويدعم العلاقات التاريخية" بين إثيوبيا والولايات المتحدة، مشيرة إلى أن لجنة المشاورات ستعقد اجتماعاً دورياً مرة كل عام في العاصمتين.
وأثارت زيارة الوفد الإثيوبي لواشنطن وعقده اتفاقات إطارية، جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية المهتمة بمنطقة القرن الأفريقي، بخاصة وأنها تزامنت مع تقارير عدة تحدثت عن عزم واشنطن رفع العقوبات المفروضة على إريتريا، في الوقت الذي تشهد فيه العلاقات بين الجارتين إثيوبيا وإريتريا تدهوراً ملاحظاً.
وكان وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح قد حضر للمرة الأولى منذ عقد ونصف عقد، حفلة في السفارة الأميركية بأسمرة، بمناسبة الذكرى الـ250 لاستقلال أميركا، مما اعتبر مؤشراً على ذوبان جليد الخلافات بين أسمرة وواشنطن.
إذابة الجليد
من جهته، يرى المتخصص في الشأن الإثيوبي بيهون غيداون أن المحادثات التي أجراها الوفد الإثيوبي رفيع المستوى في واشنطن أعادت الحرارة للعلاقات الإثيوبية - الأميركية بعد أعوام من الجمود النسبي، نتيجة خلافات تتعلق برؤية كل طرف لأزمة سد النهضة، إضافة إلى تداعيات حرب تيغراي (2020-2022).
ويضيف أن العلاقات بين أديس أبابا وواشنطن لها جذور تاريخية عميقة، وظلت توصف بالاستراتيجية، إذ تعتبر أثيوبيا حليفاً تاريخياً واستراتيجياً للولايات المتحدة في القارة السمراء، مشيراً أنها شهدت خلال الأعوام الماضية بعض الفتور، بدأت بموقف إدارة ترمب في عهدته الأولى، أثناء مفاوضات سد النهضة بين إثيوبيا وكل من مصر والسودان، برعاية وزارة الخزانة الأميركية، إذ اعتمد اقتراح "وثيقة إعلان واشنطن" في شأن قواعد ملء وتشغيل السد الإثيوبي الكبير، وهي الوثيقة التي اعترضت عليها أديس أبابا، وأعلنت انسحابها من المفاوضات، مما كان له أثر في العلاقات بين الطرفين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعلى رغم التحسن الذي حدث بعد وصول الإدارة الديمقراطية بقيادة بايدن إلى البيت الأبيض، فإن الأخبار المتداولة حول وقوع انتهاكات واسعة في الحرب التي جرت في تيغراي، أدت إلى فرض عقوبات قاسية على كل من إثيوبيا وإريتريا.
ويضيف غيداون أن العلاقات المتجذرة بين "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" والحزب الديمقراطي الأميركي، قد لعبت دوراً كبيراً في توتير العلاقات الرسمية بين واشنطن وأديس أبابا، وأسهمت في ترويج روايات حول وقوع انتهاكات ممنهجة ترقى لجرائم حرب وإبادة في إقليم تيغراي، مما مثل عاملاً إضافياً لاستبعاد إثيوبيا من الاستفادة من قانون النمو والفرص الأميركي، إضافة إلى تعليق المساعدات بما في ذلك أعمال الإغاثة الموجهة من USAid وغيرها من المؤسسات الإغاثية.
ويكشف غيدوان عن أن ثمة أبعاداً شخصية أيضاً كان لها دور ثانوي في حدوث التجميد النسبي في علاقات البلدين، إذ لا يزال الرئيس ترمب يعتقد أنه الأحق بالحصول على جائرة نوبل للسلام في عام 2019، نظراً إلى دوره في تحقيق السلام بين إريتريا وإثيوبيا وليس رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، موجهاً انتقادات لاذعة ضد الأخير في أكثر من مناسبة.
السد العقدة والحل
ويقدر المتخصص الإثيوبي أن رؤية ترمب في ملف سد النهضة لا تزال متأثرة بـ"السردية المصرية"، إذ أشار مرات عدة إلى أنه لم يكن ليسمح ببنائه، كذلك قال إن السد الإثيوبي بني بأموال أميركية ووجه انتقادات لإدارة أوباما لإسهامها في بناء السد. ووصف ذلك بأنه "هدر للأموال العامة وإخلال بأمن أحد أهم حلفاء الولايات المتحدة"، في إشارة إلى مصر.
ويضيف أن ما جعل تحسين العلاقات مع واشنطن أكثر صعوبة بعد عودة ترمب مجدداً، هي تصريحاته المتكررة حول السد، بما فيها تلك التي لفت فيها إلى إمكان اتخاذ مصر تدابير عسكرية ضد منشآت السد الإثيوبي.
ويقدر المحلل أن "رسالة ترمب إلى الرئيس المصري في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، في شأن ضرورة العودة لطاولة المفاوضات حول السد، والتحذير المتعلق بضرورة عدم تصعيد الموقف عسكرياً، والتزام الأطراف كافة بالحوار، قد طمأن الإثيوبيين ودفعهم لمد حبال التواصل مجدداً".
وينوه أن الحرب في إيران قد ضاعفت من اهتمام إثيوبيا بتأمين الممرات المائية الدولية، ورغبتها في الاندماج بالديناميات الأمنية والعسكرية في المنطقة، وبخاصة الشراكة الأمنية والاستخبارية مع الولايات المتحدة.
ولا يستعبد غيداون أن يكون لرفع العقوبات الأميركية عن إريتريا دور في تسريع وتيرة التقارب الإثيوبي - الأميركي، متوقعاً أن يكون الملف الإريتري قد أدرج ضمن محادثات الطرفين، بما في ذلك مساعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري، مدللاً على ذلك بتصريحات بولس مسعد حين أشار إلى أن أمن البحر الأحمر كان إحدى أجندات المحادثات.
ويتوقع غيداون أن تعيد الإدارة الأميركية إطلاق مسار واشنطن التفاوضي مع مصر، مع إجراء تعديلات عميقة على الوثيقة القديمة، بخاصة وأن السد قد اكتمل بناؤه وملؤه.
ولفت إلى أن الاتفاق الإطاري الذي جرى توقيعه أخيراً يتضمن ملفات تعاون دفاعي واستخباري وأمني، مما يؤشر إلى أن العلاقات قد انتقلت إلى مرحلة "التحالف"، بخاصة في ظل التحديات الجديدة التي تفرضها الحرب القائمة في الخليج.
تفاهمات آنية
في حين، يرى المتخصص الإثيوبي في العلاقات الدولية محاري سلمون أن الاتفاقات التي جرى توقيعها في واشنطن لا ترقى إلى مستوى التحالف، بل هي تفاهمات فرضتها الظروف الإقليمية والدولية، بخاصة وأنها لم تلغ الأوامر التنفيذية الموجهة ضد أديس أبابا منذ عام 2021، على خلفية مزاعم ارتكاب انتهاكات في حرب تيغراي.
ويضيف أن أديس أبابا ظلت توسط دولاً أخرى لتحسين علاقتها مع واشنطن طوال الأعوام الماضية، لإعادة إدماجها في البرامج الإنمائية الأميركية الموجهة للدول النامية، وتوفير غطاء سياسي ودبلوماسي لمطالبها المتعلقة بالمنفذ البحري، إلا أن تلك المحاولات لم تنجح حتى الآن.
ويرى سلمون أن إدارة ترمب لديها رغبة كبيرة في إنهاء ملف سد النهضة من خلال رعاية مفاوضات ثلاثية بين كل من إثيوبيا ومصر والسودان، ليضاف ذلك إلى رصيد ترمب الطامح في الحصول على نوبل للسلام، كذلك التحديات الجديدة الناجمة عن حرب إيران تفرض على واشطن شروطاً جديدة تتعلق بضرورة تأمين الممرات المائية، مما يفسر سعيها إلى إلغاء العقوبات المفروضة على إريتريا منذ 17 عاماً من دون شروط مسبقة.
إنهاء العزلة
وينوه إلى أن رفع العقوبات يهدف بالأساس إلى إنهاء عزلة أسمرة وإعادة إدماجها في المشاريع المتعلقة بالجهود الأمنية والعسكرية على سواحل البحر الأحمر من جهة، وضمان عدم قيام حروب جديدة في المنطقة من جهة أخرى.
ويلفت المتخصص الإثيوبي إلى أن الوثيقة الحكومية، التي ذكرت في تقرير وكالة "رويترز"، تؤكد هذا التوجه، وتشير إلى إصدار واشنطن تحذيراً لأديس أبابا بعدم اللجوء للقوة العسكرية للحصول على منفذ بحري، وفي المقابل تكشف المحادثات الأخيرة عن ضمان عدم تعرض السد لاستهداف عسكري من أية جهة، مما يعني أن واشنطن توازن بين مصالح الحلفاء والحلفاء المحتملين في المنطقة.
ويتوقع أن تكون إدارة آبي أحمد قد ضاعفت من جهود التواصل مع واشنطن بعد عزم الأخيرة إعادة الدفء لعلاقاتها مع أسمرة، بخاصة في ظل التوترات القائمة الآن بين الطرفين. ومن ثم فإن مناقشة أمن البحر الأحمر مع الوفد الإثيوبي في واشنطن، لا يعني أبداً اعتراف الولايات المتحدة بحق إثيوبيا في توفير منفذ بحري في السواحل الإريترية، بل يشير إلى أن واشطن تتبنى رؤية أشمل لأمن البحر الأحمر تتعلق بالاستقرار الإقليمي الأوسع، الذي يشمل المنطقة المتاخمة لدول البحر الأحمر، وتبديد أي احتمالات لقيام حرب في هذه المنطقة، سيما إذا ما كان هدفها احتلال موانئ على البحر الأحمر.