Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أزمة الطاقة تختبر قدرة إثيوبيا على الصمود

أكدت نجاحها في الحفاظ على إمدادات الوقود وتوظيف التنقل الكهربائي لتخفيف الضغط على محطات البنزين والديزل

كانت إمدادات الديزل اليومية انخفضت في إثيوبيا إلى النصف تقريباً لتصل إلى نحو 4.5 مليون ليتر (أ ف ب)

ملخص

انعكس نقص الوقود في مظاهر تكدس سيارات الديزل والشاحنات في صفوف طويلة على طرقات متعددة أمام عديد من محطات التزود بالوقود في العاصمة أديس أبابا، وعلى رغم عدم انقطاع الإمداد النفطي فإن أزمة الوقود تظهر أيضاً وبصورة واضحة في أزمة المواصلات وطوابير المواطنين المنتظرين عند الذهاب إلى أعمالهم أو العودة منها. وعلى عكس ازدحام الطرقات المؤدية إلى محطات الديزل فإن البنزين في محطات الوقود شهد وفرة واستقراراً تشهد به الحركة الطبيعية للسيارات الخاصة.

شكلت أزمة الطاقة العالمية التي تسببت فيها الحرب الأميركية - الإيرانية المشتعلة حالياً منعطفاً مهماً تجاه تعامل العالم مع سلع حيوية كالبترول والقمح، ومنذ إغلاق إيران مضيق هرمز الاستراتيجي في الثاني من مارس (آذار) الماضي، والنقص العالمي في المواد البترولية، لا تزال دول أفريقية تواجه ظروفاً معقدة كغيرها من دول العالم. فكيف واجهت إثيوبيا الظرف الحالي، وإلى أي مدى تستطيع سياساتها الاستراتيجية المدخرة تجاوزه؟ 

أثرت أزمة الطاقة العالمية على مختلف دول العالم وبصور متعددة من التأثير، وهو ما ينعكس حالياً على الدول الأفريقية في ظل الأوضاع الراهنة من تعطل حركة تدفقات المنتجات النفطية، وكلف النقل، وتوفر وأمن الإمدادات. ويواجه الأهالي أزمة ارتفاع أسعار السلع لارتباطها بالطاقة وتأثر حركة المواصلات إلى جانب انعكاسات سلبية على الخدمات العامة.

وضمن مواكبة الاهتمام بالظرف الحالي الذي يمر به العالم والقارة الأفريقية على وجه الخصوص، كشف مسؤول برنامج أبحاث النفط والغاز بمفوضية الطاقة الأفريقية فيليكس بوب أوسيتي في تصريحات خاصة في مطلع مايو (أيار) الجاري، عن أن "الصراع الحالي أثر في قطاع الطاقة داخل أفريقيا، وفي معظم دول القارة"، مؤكداً أن "العالم يمر بمرحلة شديدة الصعوبة، وأن تداعيات النزاع في الشرق الأوسط امتدت إلى الأسواق الأفريقية بصورة مباشرة وغير مباشرة".

وأشار أوسيتي إلى أن "بعض مناطق القارة كانت أكثر تأثراً من غيرها، إذ تعتمد دول في شرق أفريقيا وجنوبها على استيراد المنتجات النفطية من الشرق الأوسط، مما جعلها عرضة لأي اضطراب في الإمدادات"، موضحاً أن اضطرابات الشحن البحري أثرت كذلك في حركة البضائع المنقولة عبر البحر المتوسط ومضيق هرمز، مما انعكس على التجارة وإمدادات الطاقة داخل القارة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأوضح أوسيتي أن "هذه الأزمة تمثل في الوقت ذاته فرصة لأفريقيا من أجل الاستعداد بصورة أفضل لملف أمن الطاقة"، مشيراً إلى أن الدروس المستفادة خلال الأعوام الخمسة الماضية، بدءاً من تداعيات جائحة كورونا، ثم الحرب الروسية - الأوكرانية، وصولاً إلى الأزمة الحالية المرتبطة بإيران، تؤكد ضرورة رفع جاهزية القارة لمواجهة الصدمات المستقبلية.

ووفق ما أشارت منصة الطاقة الإعلامية البحثية المتخصصة في أسواق الطاقة، أعادت الأزمة الراهنة طرح ملف أمن الطاقة في أفريقيا بوصفه أولوية عاجلة، سواء من خلال تعزيز قدرات التكرير المحلية، أو بناء احتياطات استراتيجية، أو تسريع مشروعات الربط والتجارة البينية. كذلك أبرزت الأزمة الحالية الحاجة إلى زيادة الاستثمارات في الاستكشاف والإنتاج، وتوفير التمويل اللازم لمشروعات النفط والغاز بالقارة.

على مستوى محلي أكدت إثيوبيا نجاحها في الحفاظ على إمدادات الوقود من دون انقطاع، واستمرار عمليات الطيران على رغم أزمة الوقود العالمية، وذلك بفضل تبني سياسات واضحة واستراتيجية. وفي رسالة نقلتها خدمة الاتصال الحكومي، أشار رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى أن السياسات الاقتصادية المتسقة والمنسقة شكلت أساس صمود البلاد في مواجهة الصدمات العالمية. وأوضح أن النهج الاستراتيجي الذي تنتهجه الحكومة عزز قدرة الدولة السيادية على التكيف مع الأزمات الاقتصادية المعقدة وأزمات الوقود على المستوى الدولي، مبرزاً أداء الخطوط الجوية الإثيوبية كنموذج عملي على هذه المرونة. ففي وقت شهدت فيه شركات طيران دولية كبرى اضطرابات وخفضت عملياتها بسبب نقص الوقود، واصلت الناقلة الوطنية عملياتها من دون انقطاع. وأشار إلى أنه "في وقت اضطرت فيه شركات طيران أوروبية كبرى إلى تقليص رحلاتها، بل أعلنت أخرى احتمال تعليقها خلال أيام، تمكنت الخطوط الجوية الإثيوبية من مواصلة نشاطها بكفاءة والحفاظ على حضورها في الأجواء"، مشدداً على أن "هذا الإنجاز لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة مباشرة لسياسات اقتصادية وقائية صممت بعناية".

طوابير وتكدس وحلول

وانعكس نقص الوقود في مظاهر تكدس سيارات الديزل والشاحنات في صفوف طويلة على طرقات متعددة أمام عديد من محطات التزود بالوقود في العاصمة أديس أبابا، وعلى رغم عدم انقطاع الإمداد النفطي فإن أزمة الوقود تظهر أيضاً وبصورة واضحة في أزمة المواصلات وطوابير المواطنين المنتظرين عند الذهاب إلى أعمالهم أو العودة منها. وعلى عكس ازدحام الطرقات المؤدية إلى محطات الديزل فإن البنزين في محطات الوقود شهد وفرة واستقراراً تشهد به الحركة الطبيعية للسيارات الخاصة.

وفي ما يتعلق بإمدادات الوقود أوضح آبي أحمد أن استمرارية التوزيع تعكس تدخلاً حكومياً موجهاً، إذ جرى تحديد أولويات استراتيجية لتخصيص الموارد الوطنية المحدودة، وضمان توجيه العملات الأجنبية والآليات الداعمة نحو السلع الأساسية. وأضاف أن هذه الإجراءات أسهمت في حماية الاقتصاد من أخطار حادة خلال فترة الأزمة.

ولفت رئيس الوزراء إلى أن التحول نحو التنقل الكهربائي يمثل عاملاً مهماً في تخفيف الضغط على الطلب على الوقود، مشيراً إلى أن التوسع السريع في استخدام المركبات الكهربائية ساعد في تقليل العبء على الاقتصاد الكلي بصورة ملموسة.

وبين أن تنامي القوة الاقتصادية لإثيوبيا، واتساع نطاق انتظامها الدبلوماسي، وتحسن مكانتها الدولية، مكنها من تأمين بدائل موثوقة لإمدادات الوقود، وأتاح لها قدرة جيوسياسية واسعة لضمان استقرار خيارات إمدادات الوقود وحماية المواطنين من الصدمات الحادة، مشيراً إلى أن تنسيق السياسات وتعزيز القدرات الاقتصادية والدبلوماسية أرسيا "أسساً استراتيجية راسخة مكنت البلاد من مواجهة الاضطرابات العالمية، مع الحفاظ على مسارها التنموي وصون مصالحها الوطنية".

 

وأعلنت الحكومة الإثيوبية الأربعاء الـ29 من أبريل (نيسان) الماضي استعادة إمداداتها اليومية من الديزل بالكامل إلى مستويات ما قبل الأزمة، لتصل إلى تسعة ملايين ليتر اعتباراً من تاريخ الإعلان. وصرح وزير المالية الإثيوبي أحمد شيدي بأن قرار الاستعادة يأتي في أعقاب الاضطرابات الأخيرة المرتبطة بالنزاع في الشرق الأوسط، والتي أدت إلى ارتفاع حاد في أسعار الوقود العالمية وتقييد سلاسل التوريد.

قال أنور فسها، الذي يدير محلاً تجارياً في أديس أبابا، "ليس هناك انعكاس مباشر في نقص سلع بعينها نتيجة الأزمة العالمية الحالية، فالسوق الإثيوبية لا تزال محتفظة بجميع أنواع البضائع والسلع"، مستدركاً "لكن شح المواد البترولية يؤثر في عملية النقل مما ينعكس أحياناً على أسعار بعض السلع ويتحمل المواطن والتاجر الصغير معاً زيادات تفرضها الظروف الحالية".

ووفق ما أوردته وكالة الأنباء الإثيوبية ENA كانت إمدادات الديزل اليومية انخفضت في إثيوبيا إلى النصف تقريباً لتصل إلى نحو 4.5 مليون ليتر. وأكد الوزير أحمد شيدي "استئناف نقل الوقود من جيبوتي إلى أديس أباباً فوراً، على أن يبدأ التوزيع على الولايات الإقليمية في اليوم التالي"، مشيراً إلى أن "إمدادات البنزين ووقود الطائرات ظلت مستقرة طوال الفترة ولم تتأثر بالأزمة". ولحماية الاقتصاد المحلي من الصدمات العالمية أوضح أن الحكومة تستورد الوقود بأسعار أعلى بكثير من خلال اتفاقات شراء خاصة. وتغطي الحكومة حالياً كلفة دعم إضافية تقدر بنحو 20 مليار بر إثيوبي شهرياً على واردات الوقود، متجاوزة بذلك مستويات إنفاقها السابقة، وهذه الخطوة نعيد الأمور إلى طبيعتها وتخفف الضغط على قطاعي النقل والخدمات اللوجيستية اللذين تأثرا بانخفاض إمدادات الديزل.

انكشاف الاقتصادات الأفريقية

في سياق متصل، قال الباحث المتخصص في الشؤون الأفريقية إبراهيم قارو إنه "لا يمكن التعامل مع أزمة الطاقة الراهنة باعتبارها اضطراباً عابراً في السوق، فهي تعكس اختلالات بنيوية في النظام الدولي تتجلى مع التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران وما ارتبط به من تهديدات بإغلاق مضيق هرمز باعتباره شرياناً رئيساً لتدفقات النفط العالمية. هذا التحول أعاد تشكيل العلاقة بين الجغرافيا السياسية وأسواق الطاقة، وأبرز أن الدول التي تفتقر إلى أدوات إنتاج أو بدائل استراتيجية تبقى في موقع التعرض المباشر للصدمات، وهو ما ينطبق على عدد واسع من الاقتصادات الأفريقية". وأضاف "يمتد أثر أزمات الطاقة في أفريقيا إلى ما هو أبعد من ارتفاع الأسعار، إذ يسهم في تعميق الاختلالات الاقتصادية القائمة، فالدول المستوردة للطاقة تواجه ضغوطاً مباشرة على موازين المدفوعات نتيجة تضخم فاتورة الواردات النفطية، مما يؤدي إلى تسارع التضخم وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع كلف الإنتاج والنقل، وينعكس ذلك على الأمن الغذائي بحكم الترابط بين الطاقة وسلاسل التوريد. في المقابل تحقق الدول المصدرة للنفط مكاسب مرتبطة بارتفاع الأسعار، إلا أن محدودية التنويع الاقتصادي تبقي هذه العوائد ضمن إطار ريعي لا يحقق استقراراً طويل الأمد. أما الدول الهشة فتتعرض لصدمة مركبة تتداخل فيها الضغوط الاقتصادية مع ضعف القدرة المؤسسية على الاستجابة، وهو ما يواجهه عديد من الدول الأفريقية".

 

وتابع قارو "عموماً عكست أزمة الطاقة في الدول الأفريقية الاختلال المصاحب لعدم ترتيب الأولويات، إذ يغلب الطابع التفاعلي القصير المدى على حساب التخطيط الاستراتيجي. فيستمر الاعتماد على الدعم غير الموجه بما يؤدي إلى استنزاف الموارد العامة من دون معالجة جذور الاختلال، إضافة إلى أن التركيز على مشاريع منفصلة في قطاع واحد لا يعوض غياب التكامل بين مكونات منظومة الطاقة.

وفي ما يتعلق بالحال الإثيوبية أوضح قارو "هناك نجاح جزئي، حيث تبرز إثيوبيا كنموذج لاستجابة جزئية لأزمة الطاقة من خلال توجهها إلى تقليل الاعتماد على الواردات عبر الاستثمار في الطاقة الكهرومائية، بخاصة من خلال مشروع سد النهضة الإثيوبي الكبير، مما أسهم في تخفيف الضغط على قطاع الكهرباء وتعزيز القدرة على تلبية الطلب المحلي. ويعكس هذا التوجه إدراكاً لأخطار التبعية، إلا أنه ظل محصوراً ضمن نطاق قطاع محدود". وأضاف أيضاً "تتمثل الإشكالية حالياً في أن هذا الاستثمار لم يتحول إلى إعادة هيكلة شاملة لمنظومة الطاقة، حيث لا يزال يستمر الاعتماد على الوقود السائل في النقل وبعض القطاعات الإنتاجية، مما أبقى الاقتصاد عرضة لتقلبات السوق العالمية في ظل محدودية احتياطاته من النقد الأجنبي".

وأشار الباحث إلى أن "مواجهة أزمات الطاقة بصفة عامة تتطلب تبني رؤية تقوم على إعادة تشكيل منظومة الطاقة ضمن إطار اقتصادي مترابط، بحيث يصبح تنويع مزيج الطاقة مدخلاً أساساً لتقليل الاعتماد على الوقود المستورد، من خلال التوسع في المصادر المتجددة وربطها بسياسات صناعية تقلل الاعتماد على الوقود السائل في النقل والقطاعات الإنتاجية، وهذا ما بدأته إثيوبيا تدريجاً، ويجب أن يتكامل هذا المسار مع بناء احتياطات استراتيجية من الوقود توفر هامشاً زمنياً لإدارة الأزمات، إلى جانب تطوير سياسات نقدية ومالية تعزز استقرار الاقتصاد الكلي عبر دعم احتياطات النقد الأجنبي والحد من أخطار الدين". وتابع "تعيد أزمة الطاقة الحالية طرح موقع أفريقيا داخل النظام الاقتصادي العالمي من زاوية الانكشاف، وتؤكد أن التعرض للصدمات يرتبط بخيارات اقتصادية وسياسية قابلة للمراجعة. وتوضح الحال الإثيوبية أن النجاحات القطاعية تظل محدودة الأثر عندما لا تدمج ضمن استراتيجية شاملة، مما يجعل إعادة بناء المقاربة أمراً ضرورياً عبر تنويع الموارد وتعزيز التكامل الإقليمي وربط السياسات القطاعية ضمن إطار اقتصادي كلي، بما يحد من الانكشاف ويعيد صياغة موقع الاقتصادات الأفريقية في معادلة الطاقة العالمية".

اقرأ المزيد