ملخص
تكتسب أنفيف مكانة استراتيجية كونها تربط بين كيدال (مدينة في إقليم أزواد) وأجزاء واسعة من الشمال المالي مما يجعلها نقطة ارتكاز حيوية لأي طرف يسعى إلى التحكم في التحركات العسكرية وخطوط الإمداد داخل الإقليم المتنازع عليه
تتسارع التطورات الميدانية في شمال مالي على وقع هجمات تشنها "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" المرتبطة بتنظيم "القاعدة" والمتحالفة مع "جبهة تحرير أزواد"، لكن المعطى الأهم يكمن في نجاح الجيش مدعوماً بقوات من "أفريكا كوربس" الروسية في استعادة بلدة أنفيف الاستراتيجية.
جاء ذلك بعد ستة أيام واجهت فيها هذه البلدة الصحراوية، التي تضم قاعدة مشتركة للجيش وحلفائه الروس وتستخدم ممراتها لتهريب السلاح وخلافه، حصاراً خانقاً شنته "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" و"جبهة تحرير أزواد" ما طرح تساؤلات حول تأثير هذا المكسب الميداني على اتجاهات الصراع في إقليم أزواد شمالاً؟
وتكتسب أنفيف مكانة استراتيجية كونها تربط بين كيدال (مدينة في إقليم أزواد) وأجزاء واسعة من الشمال المالي مما يجعلها نقطة ارتكاز حيوية لأي طرف يسعى إلى التحكم في التحركات العسكرية وخطوط الإمداد داخل الإقليم المتنازع عليه.
انتكاسة للانفصاليين و"القاعدة"
وبعد أسابيع عصيبة على إثر مقتل وزير الدفاع الجنرال ساديو كامارا، يروج الجيش المالي لاستعادة أنفيف كونه انتصاراً غير مسبوق، لا سيما أن البلدة تضم آخر معسكر له قبل مدينة كيدال، معقل المتمردين التاريخي، والتي خسرها الجيش في أبريل (نيسان) الماضي.
واكتفت "جبهة تحرير أزواد"، وهي تحالف للانفصاليين الطوارق، بإعلان انسحاب تكتيكي من مدينة أنفيف لافتة إلى أن عدداً من عناصرها قضوا بالفعل في المعارك حولها.
في السياق، قال الباحث السياسي والأمني المتخصص في الشؤون الأفريقية عبدول ناصر سيدو "بلا شك هذا التطور يعتبر انتكاسة للانفصاليين الطوارق وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين. الجيش من خلال السيطرة على أنفيف يبعث كثيراً من الرسائل أهمها نجاحه في انتزاع واحدة من أهم البلدات في شمال البلاد لأن أنيفيس لها موقع جغرافي استثنائي، حيث تشكل حلقة وصل بين العديد من المدن الصحراوية"، وأضاف "لذلك كانت المدينة دائماً في قلب الاشتباكات بين الجيش والجماعات المسلحة، وكذلك سيحاول المجلس العسكري تقديم هذا المكسب على أنه دليل نجاح استراتيجيتها الجديدة القائمة على استعادة المناطق التي فقدتها الدولة تدريجاً بعد انسحاب القوات الفرنسية وبعثة الأمم المتحدة (مينوسما)".
ولفت سيدو إلى أن "الجماعات الانفصالية والمتشددة كانت تسعى من وراء السيطرة على أنفيف إلى إرباك الجيش، لكن فشلها في تحقيق ذلك يفرمل اندفاعتها الأخيرة وأيضاً يمنح المجلس العسكري بقيادة آسيمي غويتا متنفساً بعد خسائر فادحة تكبدها أخيراً".
إعادة تموضع
وتضم أنفيف مواقع عسكرية تستخدم كقواعد لاستغلال الطائرات المسيرة التي يلجأ إليها الجيش المالي وقوات الفيلق الأفريقي الروسية في غاراتهم التي تستهدف الجماعات المسلحة. ووضعت المعارك الأخيرة حول أنفيف التحالف بين موسكو وباماكو قيد الاختبار، لا سيما أن قوات الفيلق الأفريقي التي أنشأتها وزارة الدفاع الروسية لتحلّ محلّ مرتزقة "فاغنر" كانت قد انسحبت من بعض المناطق التي شهدت اشتباكات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
من ناحيته، قال الباحث السياسي المتخصص في الشؤون الأفريقية محمد تورشين "في تقديري، الجيش المالي من خلال السيطرة على أنفيف يقول إنه ماضٍ نحو السيطرة على أكبر عدد ممكن من البلدات والمدن، خصوصاً تلك التي سيطرت عليها جبهة تحرير أزواد بالتحالف مع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، لأن عدم السعي إلى استعادة هذه المناطق كبلدة أنفيف ستكون له تداعيات، إذ سيفتح الباب أمام القوات المنتشرة في المدن الأخرى للتراجع والامتناع عن مواصلة القتال ما يعزز مكانة الجماعات المسلحة"، وأبرز تورشين في تصريح خاص أن "هذه الجماعات أصبحت ترى أنها قادرة على قلب المعادلة والتحكم في المشهد الميداني، لكن خسارة أنيفيس يثبت عكس ذلك"، وأشار المتحدث ذاته إلى أنه من خلال "هذا التطور يكون الجيش المالي وحلفاؤه الروس أرسلوا رسائل مفادها بأنهم قادرون على إعادة التموضع واستعادة مناطق الشمال مما يسهم في رفع الروح المعنوية والحفاظ على الدعم العسكري الروسي".
لا حسم
على رغم وجود شبه إجماع على أن استعادة أنفيف تمنح الجيش المالي زخماً معنوياً وعسكرياً في مواجهة الجماعات المسلحة فإن خبراء وباحثين يستبعدون أن يقود ذلك إلى حسم في شمال البلاد.
وقال سيدو "بالعكس تصاعد الهجمات بين الحركات الأزوادية وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين من جهة والجيش من جهة أخرى يقود إلى استنزاف الطرفين في شمال البلاد، وهو أمر قد تسعى جماعات أخرى مثل تنظيم داعش - ولاية غرب أفريقيا إلى الاستفادة منه وتوسيع نفوذها".
أضاف "كذلك موازين القوّة في شمال مالي لا تقدر بعدد المدن التي تتم السيطرة عليها أو مدى أهميتها، بل في قدرة الجهة التي تهيمن على تلك المدن على الصمود في تأمينها وإدارتها. ولا ننسى أن الجيش المالي استعاد كيدال في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، لكنه خسرها قبل أشهر من الآن، بالتالي المحك الحقيقي ليس بالسيطرة على المدن، بل استدامة الأمر وإدارتها والتصدي لأي محاولات تستهدفها"، وختم سيدو "لذلك، أعتقد أن هذا التطور يمنح الجيش المالي مكسباً ميدانياً ظرفياً، لكنه لا يحسم الأمور في شمال البلاد، لا سيما أن الصراع ليس ثنائياً، أي بين الحركات الأزوادية والجيش، بل هناك تنظيمات أخرى تنشط هناك وتسعى إلى ترسيخ نفسها رقماً صعباً في المعادلة الأمنية التي لا تخلو من تعقيدات".